تزكية النفس بشكل مختصر

الحمد لله ربِّ العالمين، وأفضل الصلوات على أفضل النبيِّين محمَّد وآله الطيِّبين الطاهرين.

وبعد: إنَّ تحصيل علوم الإسلام: من أُصول الدين وفروعها، ومن الفقه والأُصول، وتفسير القرآن الكريم وما إلى ذلك، لهو سيف ذو حدَّين، فهي علوم تنفع مَنْ تعلَّمها إِن كان قد حظي بتزكية نفسه، ممَّا يؤدِّي إِلى العمل بتلك العلوم، وتضرُّه إِن انفصلت عن تزكية النفس، ممَّا يؤدِّي إِلى ترك العمل بتلك العلوم. وقد قال عزَّ مِنْ قائل: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زكَّاهَا * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاهَا [2].

وها هو بين يديك كتابٌ متواضع يتحدَّث عن تزكية النفس بشكل مختصر، وهو مُقسَّم إِلى أربع حلقات :

الحلقة الأُولى : تشتمل على البحث العلمي عن الموضوع.

والحلقة الثانية : تشتمل على مدخل البحث العملي عن الموضوع.

والحلقة الثالثة : تشتمل على البحث العملي عن تزكية النفس.

والحلقة الرابعة : تشتمل على بحث المثبِّطات عن تزكية النفس والمحفِّزات إِليها.

[2] السورة 91، الشمس، الآيات 9 ـ 10.

وها هي الحلقة الاُولى بين يديك تتحدَّث عن أُمور:

أوّلاً : عن مِقياس الحسن والقبح، أو الفضيلة والرذيلة.

ثانياً : عن مِقياس الوجوب والاستحباب، أو الحرمة والكراهة في منطق العقل العملي، أو قلْ: في منطق الأخلاق.

ثالثاً : عن الجبر والاختيار; إذ لا فضيلة ولا رذيلة لو أَنكرنا الاختيار.

رابعاً : ما هو مَغْزى الربط بين الخالق والمخلوق، وما معنى كون المخلوق تجلِّياً من تجلِّيات الخالق، وهل هذا يعني العينيَّة، وأَنَّ ما عدا الربّ ـ سبحانه وتعالى ـ عدم محض، كما عليه بعض العرفاء، أَو أَنَّ هناك تغايراً بين الوجودين:

الوجود الأصيل والوجود التعلّقيّ، كما هو المشهور في الرأي الفلسفيّ؟

خامساً : ماهو مدى إِمكان تنامي البشريَّة في سُلَّم العرفان والذوبان في الله تعالى، وفي تزكية النفس وتهذيبها؟

فها هي نقاط خمس نبحثها في هذه الحلقة إنْ شاء الله:

النقطة الأُولى

 

في مِقياس الحسن والقبح أو الفضيلة والرذيلة

ونذكر بهذا الصدد عمدة ما قيل أو يقال من المقاييس.

المِقياس الأوَّل ـ العرف أو بناء العقلاء:

فكلّ ما تطابق العرف أو العقلاء على حسنه أصبح حسناً، وكلّ ما تطابقوا على قبحه أصبح قبيحاً.

ومقياسيَّة ذلك تكون بأحد وجوه أربعة:

الأَوَّل : دعوى حكم العقل بوجوب اتِّباع العقلاء فيما تطابقوا عليه من حسن أو قبح، بمعنى ولاية العقلاء علينا. فما هو الحَسَن ذاتاً هو اتَّباع العقلاء، وما هو القبيح ذاتاً هو مخالفتهم. فهذا مرجعه إلى مقياسيَّة العقل مع تطبيق مصداق حكم العقل في اتِّباع العقلاء.

ولكنَّ الواقع أَنَّنا لا نجد في عقولنا ووجداننا دلالة على ولاية العقلاء علينا.

والثاني : دعوى أَنَّ العرف أو العقلاء هم المؤَسِّسون للحسن والقبح. وهذا ما يُفهَمُ من روح كلام المرحوم الشيخ محمّد رضا مظفَّر  [1]. وقد صرَّح  بأَنَّ قضايا الحسن والقبح داخلة في المشهورات الصرفة التي لا واقعية لها إِلاَّ الشهرة.

وأَمَّا المرحوم آية الله الشيخ الإصفهاني  فقد صرَّح ـ أيضاً في بحث التجرِّي ـ بأنَّ هذه القضايا داخلة في القضايا المشهورة المسطورة في علم الميزان في باب الصناعات الخمس. وبَرْهَن على عدم كونها قضايا برهانيَّة أو مضمونة الصحَّة[1].

ولكنْ لم أَجد له تصريحاً بأنَّ هذه القضايا أو مطلق ما يُسمّى بالقضايا المشهورة لا واقع لها إلاَّ شهرتها.

والواقع : أَنَّ إرجاع الحسن والقبح إلى جعل العرف أو العقلاء يساوق ـ في الحقيقة ـ إنكار واقع الحسن والقبح; لأنَّ ما يكون قابلاً للجعل والاعتبار، ويكون أَمره بيدِ الجاعل والمُعتبِر، إنّما هو عنوان الحسن والقبح لا واقعهما، فَمَنْ يدرك بضميره وجود حسن وقبح حقيقيّين، أو فضيلة ورذيلة واقعيّتين، لا يصحُّ له أَنْ يذهب إلى هذا المقياس.

والثالث : دعوى أَنّ ما تطابق عليه العرف أو العقلاء، قد أعطى كلُّ إنسان عرفيِّ أو كلُّ عاقل التزاماً بالوفاء به، وباتِّباع ما عليه العرف أو العقلاء، ويجب عقلاً الوفاء بهذا الالتزام. فالمِقياس الأصليّ ـ في الحقيقة ـ هو الوفاء بالالتزام، أو قلْ: هو حكم العقل المنطبق مصداقاً على هذا الوفاء.

ولكن لو صحَّ هذا لأمكن لكلِّ فرد أن يتحرَّر من جميع الأخلاقيَّات بعدم إعطاء التزام من هذا القبيل، فيصحُّ له مثلاً ضرب اليتيم، أو الأخذ في فصل المرافعات بجانب الظالم لا المظلوم، وما إلى ذلك ممَّا هو خلاف ما يحكم به الوجدان والضمير، سواءٌ التزمنا باتِّباع العرف أو العقلاء أو لم نلتزم.

وخلاصة الأَمر : أَنَّ إدراك الضمير للقضايا الخُلُقيّة لا يدور مدار هذا الالتزام نفياً وإثباتاً.

والرابع : دعوى أَنَّ تطابق آراء العرف أو العقلاء على الآراء المحمودة والآداب

العامَّة نشأت ممَّا تحفظه هذه الآداب والأَخلاق من المصالح واتِّقاء المفاسد، فترجع مقياسيّة هذا المقياس إلى مقياسيّة المصلحة والمفسدة. وهذا ما سنبحثه فيما بعد إنْ شاء الله.

إلاَّ أَنّ الذي نشير إليه هنا هو: أَنَّ الشخص قد يعتقد أنَّ الفضيلة المفروضة المتّفق عليها مشهور الآراء ليست في مصلحته في الظرف المفروض.

وهذا علاجه ينحصر إمَّا بدعوى أَنَّ المِقياس هي: المصلحة العامَّة لا مصلحة الشخص، أو بدعوى أَنَّ الفضيلة المفروضة لئن خالفت مصلحة هذا الشخص هذه المرَّة لصالح الآخرين، فهي تعوِّضه بحفظ مصلحته في مقابل الآخرين في مرّات اُخرى. فهي على العموم في صالح الجميع.

وعلى أيِّ حال، فنحن لو آمنَّا بمقياسيّة المصلحة والمفسدة ـ وهذا ما سيأتي بحثه إنْ شاء الله ـ لا نؤمن بأنَّ بناء العرف أو العقلاء على الأخلاق والآداب ينشأُ دائماً من حفظ المصالح واتِّقاء المفاسد الواقعيّتين; ولذا ترى التناقضات العجيبة بين المجتمعات في ذلك، فقد يعتقد مجتمع ما أنَّ احتجاب النساء من الرجال وحفظ العِرض والحياء من أفضل الصفات الحسنة والفضائل الراقية، ويعتقد مجتمع آخر أَنَّ هذا وهم وخرافة، وأنَّ المصلحة تكون في سفور النساء وتحرُّرهن من القيود الجنسيّة والحياء.

وقد تحصَّل أنَّ هذا المقياس غير صحيح بكلِّ معانيه الأربعة.

شاهد أيضاً

الجيش الإيراني: عودة جثمان أحد أبطال القوة الجوية بعد إثبات استشهاده

أعلن الجيش الإيراني إثبات استشهاد العميد الطيار مجيد كاظمي، أحد طياري مقاتلات “سوخوي 24” التابعة …