شريان الاقتصاد السعودي في قبضة الردع اليمني.. تهاوي الصادرات وأزمة الإنتاج والعزوف الدولي يهدد مكانة “المملكة”

المسيرة نت | خاص: مع استمرار اليمن في فرض معادلة “الحصار بالحصار”، تتزايد المؤشرات على دخول الاقتصاد السعودي مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما امتدت تداعيات القيود المفروضة على الملاحة المرتبطة بالموانئ السعودية إلى صادرات النفط والغاز وسلاسل التوريد والأسواق الدولية، ما يؤكد توغل الردع اليمني إلى مرحلة الخنق للاقتصاد السعودي.

وفي ظل هذه المتغيرات، يرى خبراء اقتصاديون أن استمرار الحصار البحري سيقود إلى آثار تراكمية على الاقتصاد السعودي، تبدأ بتراجع الصادرات النفطية وتزايد تكاليف النقل والتأمين، ولا تنتهي عند احتمالات انخفاض الإيرادات، واتساع العجز المالي، وتراجع الثقة الدولية بسوق الطاقة السعودية إذا استمر النظام السعودي في عدوانه وحصاره، استجابة للإملاءات الصهيونية الأمريكية.

وهنا يقول الباحث والخبير في الشؤون الاقتصادية الدكتور عماد عكوش إن السعودية حاولت تعويض إغلاق مضيق هرمز عبر ضخ النفط بواسطة خط أنابيب شرق–غرب إلى ميناء ينبع لإعادة تصديره، مشيراً إلى أن صادرات هذا الخط كانت تصل إلى نحو 4.5 ملايين برميل يومياً.

وفي مداخلة له على قناة المسيرة، يوضح الدكتور عكوش أن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى انخفاض الصادرات النفطية السعودية بنسبة تراوح بين 25 و30%، إلا أن ارتفاع أسعار النفط مكّن المملكة في البداية من تعويض جزء كبير من خسائر انخفاض الكميات المصدرة عبر زيادة العائدات الناتجة عن ارتفاع الأسعار.

 

ويضيف أن الوضع تغير بصورة كبيرة بعد إغلاق الملاحة أمام السفن السعودية في باب المندب، إذ بات قطاع النفط السعودي يواجه أزمة حقيقية، موضحاً أن السعودية لم تعد قادرة على تعويض هذا الإغلاق عبر قناة السويس، لأن القناة لا تستوعب ناقلات تتجاوز حمولتها مليون برميل، ما يفرض تفريغ الشحنات عبر خط سوميد ثم إعادة تحميلها في البحر المتوسط، وهو ما يضيف أعباء مالية وزمنية كبيرة.

ويشير إلى أن هذه العملية تتطلب تكاليف تقنية مرتفعة، إضافة إلى التأخير الناتج عن عمليات التفريغ وإعادة التحميل، فضلاً عن طول زمن وصول الشحنات إلى الأسواق الآسيوية، التي تمثل السوق الرئيسية لصادرات النفط السعودية، وفي مقدمتها الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان.

ويؤكد عكوش أن هذه التعقيدات الفنية واللوجستية ستؤدي إلى تراجع كبير في إنتاج النفط السعودي، لافتاً إلى أن المملكة لم تعد قادرة على تعويض هذا الانخفاض حتى لو تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، لأن حجم التراجع في الصادرات أصبح أكبر من أن تغطيه زيادة الأسعار.

ويتطرق إلى أن انعكاسات هذه الأزمة بدأت بالظهور من خلال الحديث عن اتساع العجز في الموازنة السعودية وتزايد الضغوط على الاقتصاد، لافتاً إلى أن توقف ميناء ينبع عن تحميل الغاز المسال ستكون له آثار اقتصادية كبيرة.

ويبيّن أن الغاز المسال يختلف عن النفط لكونه يحتاج إلى منشآت خاصة للتسييل وإعادة التغويز، ولا يمكن نقله بسهولة عبر الأنابيب كما هو الحال مع النفط الخام، مؤكداً أن توقف صادرات النفط والغاز المسال سيؤدي إلى اضطرابات واسعة في سلاسل التوريد السعودية.

ويحذّر عكوش من أن آثار الأزمة ستظهر بصورة أكبر على المدى المتوسط والطويل، لأن المشترين سيبدأون بالبحث عن مصادر بديلة للطاقة، بينما تعتمد تجارة الطاقة عادة على عقود طويلة الأجل وليس على صفقات قصيرة المدى، مضيفاً أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى تراجع أداء الاقتصاد السعودي بصورة ملحوظة، وسيفرض على المملكة خفض إنتاجها النفطي مستقبلاً، ليس فقط التزاماً بسياسات “أوبك”، وإنما لأنها قد تجد نفسها غير قادرة على بيع إنتاجها إذا استمر الحصار البحري بالشكل القائم.

وفي السياق، يشدد الدكتور عماد عكوش على أن السعودية لا تمتلك عملياً خيارات بديلة قادرة على تعويض خسائرها، موضحاً أن المرور عبر قناة السويس يواجه قيوداً فنية، إذ لا تستطيع القناة استقبال الناقلات العملاقة التي تزيد حمولتها على 200 ألف طن، فضلاً عن المخاطر الطبيعية المرتبطة بالأحوال الجوية والرياح وإمكانية جنوح السفن والازدحام الملاحي، وما يترتب على ذلك من تأخير في حركة الناقلات.

ويبيّن أن عملية تفريغ الشحنات وإعادة تحميلها تمثل تكلفة إضافية تتحملها المملكة، إلى جانب ارتفاع كلفة الوقت وكلفة التأمين، موضحاً أن شركات التأمين تعتمد في احتساب رسومها على ثلاثة عناصر رئيسية هي: عامل المخاطرة، وقيمة التغطية، وفترة التغطية.

ويلفت إلى أن شركات التأمين باتت تطلب من السفن إبراز هويتها بصورة واضحة قبل منحها التغطية التأمينية، مذكّر بأن أي سفينة لا تعلن هويتها قد تُحرم من التأمين، وهو ما يشكل خطراً إضافياً على السفن المرتبطة بالموانئ السعودية، لأن غياب التغطية التأمينية قد يمنع لاحقاً تصدير أي شحنة نفطية، نظراً إلى أن معظم المستوردين يشترطون وجود تغطية تأمينية كاملة قبل إتمام عمليات الشراء.

وينوّه عكوش إلى أن الاقتصاد السعودي يعتمد بصورة كبيرة على قطاع النفط، مبيناً أن ما يقارب 80% من النشاط الاقتصادي السعودي يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالنفط، سواء من خلال التصدير أو التكرير أو الصناعات البتروكيماوية أو صناعة الأسمدة أو البلاستيك، الأمر الذي يجعل أي تضرر في قطاع النفط ينعكس على مختلف القطاعات الصناعية والزراعية والاقتصادية.

ويضيف أن نتائج هذا التراجع ستبدأ بالظهور خلال الأشهر المقبلة عبر انخفاض الناتج القومي، واتساع العجز في الموازنة، وازدياد العجز في الميزان التجاري، إذا استمر الحصار المفروض على الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر.

ويتطرق عكوش إلى أن المنافسة في أسواق الطاقة العالمية ازدادت حدة، لافتاً إلى أن العراق طرح خصومات على صادراته النفطية، كما أن النفط الروسي يخضع لسقف سعري في ظل العقوبات الأمريكية، وهو ما يدفع المنتجين الآخرين إلى تقديم عروض تنافسية، الأمر الذي يزيد من الضغوط الواقعة على قطاع النفط السعودي.

ويجدّد التأكيد على أن الخيارات المتاحة أمام المملكة أصبحت ضيقة، موضحاً أن معالجة أزمة مضيق هرمز وحدها لن تكون كافية لإعادة صادرات النفط إلى مستوياتها السابقة، بل إن الرياض باتت مطالبة أيضاً بمعالجة أزمة باب المندب، لأن أي حل لأحد الملفين دون الآخر لن يعيد الاقتصاد السعودي إلى ما كان عليه قبل الحرب بين إيران والولايات المتحدة.

ويتابع قائلاً: إن المملكة أصبحت مطالبة، من وجهة نظره، بمعالجة مشكلتها السياسية مع اليمن، وبالقيام بدور وساطة للمساهمة في حل الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكداً أن بقاء أي من هذين الملفين مفتوحاً سيعني استمرار الاقتصاد السعودي داخل دائرة الأزمة، وعدم قدرته على استعادة مستويات الإيرادات السابقة.

ويشير إلى أن استمرار الأزمة سيؤثر كذلك على الخطط الاستثمارية السعودية، ولا سيما المشاريع الضخمة في منطقة البحر الأحمر، موضحاً أن مؤشرات التراجع بدأت تظهر بالفعل، وأن مشاريع أخرى قد تتعرض للتأجيل أو الإلغاء خلال الفترة المقبلة إذا استمرت التطورات الحالية.

وفي ختام مداخلته، يجزم الباحث والخبير في الشؤون الاقتصادية الدكتور عماد عكوش، بأن الخيارات أمام السعودية أصبحت واضحة ومحدودة، معتبراً أن معالجة الملفات السياسية أصبحت شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي واستعادة الاقتصاد السعودي لما كان عليه سابقاً.

من حولا إلى المرفأ.. نيترات أمونيوم جديدة تُعيد “إسرائيل” و”القوات” إلى دائرة الاتهام

طهران: أي عدوان من جانب الولايات المتحدة والكيان “الإسرائيلي” سيُقابل برد حاسم

وزير الدفاع الإيراني بالإنابة: تصريحات واشنطن تأتي في إطار الحرب النفسية

شاهد أيضاً

متى يُوصف رئيس دولة بأنه «غبي»

حيدري نظر عادةً في الخطاب السياسي أو الإعلامي عندما يُنظر إلى تصرفاته على أنها تدل …