زاد المبلغ في عاشوراء الجزء الأول

26

الموعظة الرابعة والسبعون: ارتباط الشهداء بالإمام الحسين (عليه السلام)
الموعظة الرابعة والسبعون: ارتباط الشهداء بالإمام الحسين (عليه السلام)

إظهار علاقة شهداء كربلاء بالإمام الحسين (عليه السلام)، وعلاقة شهداء مسيرتنا الأبرار بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه).

محاور الموعظة

علاقة الأنصار بالإمام الحسين (عليه السلام)
علاقة شهدائنا بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه)

تصدير الموعظة

الإمام الحسين (عليه السلام): «أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا مِن أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل مِن أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيرًا. ألا وإنّي لأظنّ أنّه آخر يوم لنا مِن هؤلاء، ألا وإنّي قد أذِنْتُ لكم، فانطلقوا جميعًا في حلٍّ، ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غَشِيَكم، فاتّخِذوه جملًا»[1].

[1] الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2، ص91.

511

501
الموعظة الرابعة والسبعون: ارتباط الشهداء بالإمام الحسين (عليه السلام)
علاقة الأنصار بالإمام الحسين (عليه السلام)

لا شكّ في أنّ لشهداء كربلاء علاقةً مميّزةً بالإمام الحسين (عليه السلام) جعلتهم «الأوفى والأبرّ» على لسانه الشريف، وقد تجلّت تلك العلاقة في كلماتهم، ومواقفهم، وحِفظهم وصيّةَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سِبطه الحسين (عليه السلام)، ووقوفِهم إلى جانب الحقّ يوم عزَّ الناصرُ أمام ثلاثين ألفًا مِن جيش عمر بن سعد، وبذْلِهم أنفسهم، واستبسالهم في الدفاع عن إمام الحقّ، واستشهادهم بين يدَيه (عليه السلام). وتلك العلاقة -التي شملت الرجال والنساء مِن الفتية والشباب والكبار- لم تكُن وليدة ساعتها، بل كان لها أُسس ومرتكزات عميقة ومتجذّرة، أبرزها:

1. الإمام الحسين (عليه السلام) ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)

لمّا دعا الإمامُ الحسين (عليه السلام) زهيرَ بن القين إلى صُحبته، أجابه بأنّه ليس راغبًا في مُرافقته، فقالت له زوجته دلهم: سبحان الله، يبعث إليك ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثمّ لا تأتيه![1] ولمّا سمع زهير كلام زوجته، انقلب وتغيّر، وأتى نحو الإمام الحسين (عليه السلام).

2. مِن ذرّيّة النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله)

لمّا برز زوجها عبد الله إلى الميدان، أصيبَ في يده اليسرى، فأخذتْ أمّ وهب عَمود خيمة، ثمّ أقبلت نحوه، وهي تقول له: فِداك أبي وأمّي، قاتِل دون الطيّبين، ذريّة محمّد (صلى الله عليه وآله)[2].

[1] ابن نما الحلّيّ، مثير الأحزان، ص33.

[2] الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبريّ)، ج4، ص327.

512

502
الموعظة الثالثة والسبعون: العِزّة ودَوْرها في الانتصار
3. ابن السيّدة الزهراء (عليها السلام)

بعد استشهاد عمرو بن جنادة، قطع العدوّ رأسه، ورمى به نحو خيمة الإمام (عليه السلام)، فأخذت أمُّه عَمود الخيمة، وحملَت على القوم، وهي تقول:

أَنا عَجوزٌ في النساءِ ضَعيفَهْ بالِيَةٌ خالِيَةٌ نَحيفَهْ

أَضْرِبُكُمْ بِضَرْبَةٍ عَنيفَهْ دُونَ بَني فاطِمَةَ الشريفَهْ

وقد جمعَ هذه العناوين الثلاثة عبدُ الله بن يقطر الحميريّ، عندما أعلن مِن قصر ابن زيادٍ للناس المجتمعين أسفل القصر: أيّها الناس، أنا رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليكم، لِتنصروه وتُؤازروه على ابن مرجانة وابن سميّة الدعيّ ابن الدعيّ[1].

ولأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) امتدادٌ لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، برزَت مظاهر الفداء بأبهى صُوَرِها. فعمرو بن قرظة الأنصاريّ، بعد أن قاتل مدّة مِن الزمن، رجع نحو الحسين (عليه السلام)، ووقف دونه لِيَقيه مِن العدوّ، فجعل يتلقّى السهام بجبهته وصدره، فلم يصل إلى الحسين (عليه السلام) سوء، حتّى أثخن بالجراح، فالتفت إلى الإمام (عليه السلام)، وقال له: أَوَفَيْتُ يابن رسول الله؟ فقال: «نعم، أنت أمامي في الجنّة، فأقرِئ رسول الله (صلى الله عليه وآله) السلام، وأعْلِمْه أنّي في الأثر»[2].

[1] الشيخ محمّد السماويّ، أبصار العين في أنصار الحسين (عليه السلام)، ص93.

[2] ابن نما الحلّيّ، مثير الأحزان، ص45.

513

503
الموعظة الرابعة والسبعون: ارتباط الشهداء بالإمام الحسين (عليه السلام)
4. إنّه (عليه السلام) خير الخَلق

كان قيس بن مسهّر الصيداويّ حاملًا رسالةً مِن الإمام الحسين (عليه السلام) إلى مسلم بن عقيل وإلى شيعة الكوفة، وقبل وصوله إلى الكوفة، كان قد لوحق، وقبض عليه الحصين بن تميم. وبعد اعتقاله، قام قيس بتمزيق الكتاب، ثمّ وجّه به الحصين إلى عبيد الله بن زياد. وبعد مشاجرة بينه وبين ابن زياد، قال له: اصعد المنبر والعن عليًّا والحسن والحسين (عليهم السلام)، فقَبِل قيس أن يتكلّم إلى الناس. ولمّا اجتمعوا في المسجد، صعد قيس المنبر، وتوجّه نحو أهل الكوفة، قائلًا لهم: أيّها الناس، إنّ الحسين بن عليّ خير خلق الله، وابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله إليكم… فأَجيبوه[1].

5. إنّه (عليه السلام) الأحقّ بالولاية

عندما جعجع الحرُّ بالإمام الحسين (عليه السلام)، وضيّق عليه، خطب الإمام (عليه السلام) في أصحابه، وتحدَّث معهم عن غَدرِ الزمان والدهر الخؤون. ثمّ تكلّم نافعُ بن هلال مبيّنًا أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) هو الأحقّ بالولاية والشهادة بين يديه: فَسِرْ بنا راشدًا معافًا، مُشرّقًا إن شئت، وإن شئت مغرّبًا، فوالله، ما أشفقنا مِن قَدَر الله، ولا كرِهنا لقاء ربّنا. وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا، نُوالي مَن والاك، ونُعادي مَن عاداك[2].

[1] الشيخ محمّد السماويّ، أبصار العين في أنصار الحسين (عليه السلام)، ص113.

[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج44، ص382.

513

504
الموعظة الرابعة والسبعون: ارتباط الشهداء بالإمام الحسين (عليه السلام)
6. إنّه (عليه السلام) أَولى مِن أنفسهم

لمّا وقع القتال في اليوم العاشر، أُخبِر بِشْر الحضرميّ -وهو على تلك الحالة- بِأَسْرِ ابنه بِثَغْرِ الريّ، فقال ردًّا على ذلك: عند الله أحتسبه ونفسي، ما كنتُ أحبّ أن يُؤسَر، وأن أبقى بعده. فسمع الإمام الحسين (عليه السلام) مقالته، فقال له: «رحمك الله! أنتَ في حلٍّ مِن بَيعتي، فاذهب واعمل في فَكاك ابنك»، فأجابه بِشْر: أَكَلَتني السباع حيًّا إنْ أنا فارقتُك يا أبا عبد الله[1].

وفي مشهد آخر، لمّا مُنع الإمام الحسين (عليه السلام) مِن الماء، واشتدّ العطش بأصحابه، كان نافع بن هلال مِن جملة مَن ذهب لإحضار الماء -بِقيادة أبي الفضل العبّاس-، وعندما وصل إلى شريعة الفُرات امتنع عن شرب الماء، وقال لأحد قادة العدوّ: لا والله، لا أشرب مِنه قَطرة والحسينُ عطشان[2].

7. إنّه (عليه السلام) وصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)

في ليلة العاشر مِن المحرّم، لمّا جَمع الحسينُ (عليه السلام) أصحابَه وأحلّهم مِن بيعته، وطلب منهم الرجوع إلى أهليهم، تكلّم جَمعٌ مِن بني هاشم والأصحاب، ثمّ تكلَّمَ سعيد بن عبد الله الحنفيّ، فقال للإمام (عليه السلام): لا والله -يابن رسول الله- لا نُخلّيك أبدًا، حتّى يعلم الله أنّا قد حفِظنا فيكَ وصيّةَ رسولِه محمّد (صلى الله عليه وآله). ولو علمتُ أنّي أُقتل فيك ثمّ أُحيا ثمّ أذرّى -يُفعل ذلك بي سبعين مرّة-، ما فارقتُك، حتّى ألقى

[1] الشيخ محمّد السماويّ، أبصار العين في أنصار الحسين (عليه السلام)، ص174.

[2] أبو الفرج الأصفهانيّ، مقاتل الطالبيّين، ص78.

515

505
الموعظة الرابعة والسبعون: ارتباط الشهداء بالإمام الحسين (عليه السلام)
حِمامي دونك. وكيف لا أفعل ذلك؟ وإنّما هي قَتلة واحدة، ثمّ أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبدًا[1].

وفي ظهر يوم عاشوراء، تقدّم الإمام الحسين (عليه السلام) لإقامة الصلاة، فصلّى بِأصحابه صلاةَ الخوف، فوصل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) سهمٌ، فتقدّم سعيد بن عبد الله الحنفيّ، ووقف يَقيه بنفسه، وجعلها درعًا للإمام (عليه السلام)، فرماه القوم بِسهامهم مِن كلّ جانب -يمنةً ويسرةً-، فكان يستقبل السهام في وجهه وصدره ويديه ومقادم بدنه، لئلّا تُصيب الحسين (عليه السلام)، حتّى سقط إلى الأرض صريعًا. حينها التفت إلى الحسين (عليه السلام)، وقال: أَوَفَيْتُ يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فأجابه (عليه السلام): «نعم، أنت أمامي في الجنّة»[2]. (وعلى حدِّ قول ابن طاووس، فإنّ ثلاثة عشر سهمًا أصابت جسد سعيد، سوى ضربات السيوف والرماح).

8. إنّه (عليه السلام) الأعزّ والأَحبّ

في يوم عاشوراء، وبعد استشهاد غلامه شوذب، تقدّم عابس بن أبي شبيب الشاكريّ نحو الإمام (عليه السلام)، وقال له: يا أبا عبد الله، أما -والله- ما أمسى على ظهر الأرض قريبٌ ولا بعيدٌ أَعَزّ عَليّ ولا أَحبّ إليّ منك. ولو قدرتُ على أن أدفع عنك الضيم والقتل بِشيء أعزّ عَليّ مِن نفسي ودمي، لَفَعلتُه[3].

[1] السيّد ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص56.

[2] المصدر نفسه، ص64.

[3] الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبريّ)، ج4، ص338.

516

506
الموعظة الرابعة والسبعون: ارتباط الشهداء بالإمام الحسين (عليه السلام)
شهداؤنا والإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه)

لِشهداء مسيرتنا الأبرار علاقة خاصّة بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه). كيف لا؟ وقد بذلوا مُهجَهم في طريق انتظاره والتمهيد له، وكانت قد فاضت وصاياهم بِكلمات نورانيّة، يفوح منها عبق الولاء له (عجل الله تعالى فرجه)، والشوق إلى رؤيته، والسلام عليه، والاستشهاد بين يديه.

1. سيّدي، فِداك روحي ودمي!

الشهيد حسن بافلاني لا يرى طعمًا للحياة في غياب معشوقه (عجل الله تعالى فرجه)، قائلًا: سيّدي، لقد سئِمْتُ الحياة بعيدًا عنك، أتراك تتعرّف عَليّ يا سيّدي، أم إنّ ذنوبي ستحجبني عنك؟!

ويُعبّر عن شوقه العميق له بقوله: سيّدي، فِداك روحي ودمي! ماذا أقول عن شوقي إليك؟ أم ماذا أقول عمّا يحلّ بنا، وأنت البعيد القريب؟ سيّدي لقد طال الانتظار.

بل إنّه يطلب منه (عجل الله تعالى فرجه) أن يُخرجه مِن قبره ليكون مِن أنصاره: وأظنّ أنّ القتل سيَحول بيني وبينك، فأرجوك يا سيّدي، أرجوك أخرِجني مِن قبري لِأقاتل وأُستشهد بين يديك.

2. قُمْ واخرج، ابحث عن الإمام

الشهيد حسن كمال حايك‏ يَهيم في البحث عن الإمام (عجل الله تعالى فرجه): إيه يا قلبي القاسي! أما آن لك أن تتفطّر؟ قُمْ واخرج، ابحث عن الإمام في هذا الكون الفسيح، اذهب يمينًا وشمالًا، غرِّد مع الطيور، سافِر مع النسمات، هُبَّ مع الرياح، تعلّقْ بأوراق الأشجار، حلِّقْ مع النجوم،

517

507
الموعظة الرابعة والسبعون: ارتباط الشهداء بالإمام الحسين (عليه السلام)
سافِر إلى جهة كربلاء، أو إلى النجف وسامرّاء، أو إلى الكاظميّة وبغداد، أو إلى مشهد، أو إلى مسجد السهلة، أو إلى المسجد الأقصى، أو إلى جبل صافي، وجاهِدْ فيه مع المجاهدين، لا بُدَّ -في لحظةٍ ما مِن سفرك الطويل- مِن أنّ الإمام سَيرأف بحالك، ويمرّ طيفهُ لِيُسلِّم عليك، فترتاح وتنجلي عنك الهموم. وعندها، قِفْ وابكِ، وادعُ ورتّل مناجاة الحزين، واقضِ العمر في ذلك المكان حيث رأيتَ الإمام، وعِشْ على أطلاله، واقضِ الحياة مُشتاقًا إليه.

3. سنفرش لك الأرض بأجسامنا الممزَّقة

الشهيد أسامة حكيم مُستعدّ لِأَن يمهّد لظهوره الشريف بجسده الممزّق، فيقول: سيّدي يا صاحب الزمان، الشوق إلى رُؤياك عميق، وها نحن نمهّد لك الأرض، مُستعدّون لأن نُقدّمها لك ولِنهج آبائك البَرَرة في طريق إعلاء كلمة الله العليا، وجَعْل كلمة الباطل السفلى، ومستعدّون لِأن نفرشها بأجسامنا الممزَّقة، وأرواحنا التي تبكيك بدلَ الدموع دمًا، لِنُصرتك.

4. لتتّصل ثورتنا بثورة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه)

الشهيد سليمان محمّد عواضة يُمنّي نفسه بأن تتّصل مقاومتنا بثورة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه): اللهمّ احفظ ثورتنا لتتّصل بثورة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه).

518

508
الموعظة الخامسة والسبعون: أخلاقيّات الحرب والقتال في كربلاء
الموعظة الخامسة والسبعون: أخلاقيّات الحرب والقتال في كربلاء

تعرّف أخلاق سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في المواجهة والحروب.

محاور الموعظة

أخلاق الصراع السياسيّ عند الإمام الحسين مع الخصم
أخلاق الإمام الحسين (عليه السلام) مع أعدائه في الحرب
أخلاق الإمام (عليه السلام) مع أصحابه وأهل بيته في الحرب
أخلاق الإمام (عليه السلام) مع الجنود في معسكره

تصدير الموعظة

الإمام الحسين (عليه السلام): «والله، لا أُعطيكم بِيَدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد»[1].

[1] الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2، ص98.

519

509
الموعظة الخامسة والسبعون: أخلاقيّات الحرب والقتال في كربلاء
إنّ سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) الأخلاقيّة في الحرب مُستنبطة مِن منظومة الأخلاق الإسلاميّة التي تربّى ونشأ عليها على يَدِ جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبيه الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). فالإمام أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) تأدّبَ بآداب النبوّة، وحمل روح أخلاق جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) في الحرب والسِلْم.

أخلاق الصراع السياسيّ عند الإمام الحسين مع الخصم

في نهضة الحسين (عليه السلام)، وبعد هلاك معاوية، طالبه والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بمبايعة يزيد، فرفض الإمام (عليه السلام) هذا العرض. ولكنّ أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) بيّن سبب الرفض، فقال: «ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل للنفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله»[1].

فالإمام الحسين (عليه السلام)، بهذا الدرس العمليّ الأخلاقيّ، يُعلِّم الناس جميعًا أن يكونوا أحرارًا، ويرفضوا الذلّ والمهانة؛ لأنّ الإنسان العزيز لا يمكن أن يخضع لإنسانٍ وضيعٍ مُلحدٍ فاسقٍ فاجر، إلى غير ذلك مِن الصفات التي كان يتّصف بها يزيد الأمويّ. وقد عبّر عن ذلك بقوله: «والله، لا أعطيكم بِيَدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد»[2].

[1] السيّد ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص17.

[2] الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2، ص98.

520

510
الموعظة الخامسة والسبعون: أخلاقيّات الحرب والقتال في كربلاء
خروج الإمام (عليه السلام) لتلبية نداء الأُمّة

كانت الرسائل المتتالية الواردة إلى الإمام وهو في مكّة، والتي تضمّ بين طيّاتها الاستغاثة والنجدة مِن حُكم يزيد، مع المواثيق والعهود والبيعة، تُطالبه بأن يقوم بالثورة، ويقبل عليهم، وهي تُقدَّر بالآلاف. وقد وردَ في بعضها ما نصّه: «أمّا بعد، فقد اخضرّ الجناب، وأينعَت الثمار، وطمَت الجمام، فأقدِم على جُندٍ لك مُجنّدة، والسلام عليك»[1].

وبعد هذه الرسائل، لا يوجد أمام الإمام الحسين (عليه السلام) -المسؤول عن الأُمّة- إلّا الاستجابة والإقبال عليهم؛ فهذا التحرّك -بحدّ ذاته- نابع من القواعد الأخلاقيّة في الإسلام. وقد قال أبو عبد الله (عليه السلام) في حديثه مع جيش الحرّ بن يزيد الرياحيّ، بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أيّها الناس، إنّها معذرة إلى الله -عزّ وجلّ- وإليكم، إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم، وقدِمت عَليّ رسلكم، أن أقدم علينا، فإنّه ليس لنا إمام، لعلّ الله يجمعنا بك على الهدى. فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئنّ إليه مِن عهودكم ومواثيقكم أقدمُ مِصركم، وإن لم تفعلوا، وكنتم لمقدَمي كارهين، انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلتُ منه إليكم»[2].

[1] الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2، ص38.

[2] الطبريّ، تاريخ الطبريّ، ج4، ص303.

521

511
الموعظة الخامسة والسبعون: أخلاقيّات الحرب والقتال في كربلاء
أخلاق الإمام الحسين (عليه السلام) مع أعدائه في الحرب

كان شعار الإمام الحسين (عليه السلام): «إنّي أكره أنْ أبدأهم بقتال»[1].

والحوادث التي لم يبدأ الإمام فيها القتال أثناء خروجه إلى أرض كربلاء المقدّسة وواقعة الطفّ كثيرة، منها:

1. اللقاء مع الحرّ وجيشه في الصحراء

قدِم الحرّ بن يزيد الرياحيّ بألف فارسٍ قد أنهكهم العطش، في حرّ الظهيرة قبل صلاة الظهر بوقت قريب. وما إن التقى الحرُّ بن يزيد التميميّ الحسينَ (عليه السلام) وأصحابَه، حتّى وقفَ هو وخيله مقابل الحسين (عليه السلام)، فقال زهير بن القين للإمام: يابن رسول الله، إنّ قتال هؤلاء أَهوَن مِن قتال مَن يأتينا مِن بعدهم. لكنّ الإمام الحسين (عليه السلام) رفض[2]، وقال (عليه السلام) لِفِتيانه: «اسقوا القوم واروهم مِن الماء، ورشِّفوا الخيل ترشيفًا». فقام فتيانه فرشّفوا الخيل ترشيفًا، وقام فتية فَسقوا القوم مِن الماء حتّى رووهم، وأقبلوا يملؤون القِصاع والأتوار والطِساس مِن الماء، ثمّ يُدنونها مِن الفرس، فإذا عبَّ فيه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا عُزلَت عنه، وسقوا آخر، حتّى سقوا الخيل كلّها. ولمّا حضرَ وقتُ الصلاة، قال الحسين (عليه السلام) للحرّ: أتريد أنْ تصلّي بأصحابك؟ فقال الحرّ: لا، بل تصلّي ونصلّي بِصلاتك[3].

[1] عمر بن أحمد العقيليّ الحلبيّ (ابن العديم)، بغية الطلب في تاريخ حلب، ج6، ص2625.

[2] الطبريّ، تاريخ الطبريّ، ج4، ص309.

[3] الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2، ص79.

522

512
الموعظة الخامسة والسبعون: أخلاقيّات الحرب والقتال في كربلاء
هنا نلاحظ الفرق في الأخلاق؛ فالعدوّ يمنع الماء ويخون، والإمام (عليه السلام) يسقي أعداءه الماء، ويرشّف خيلهم، وينصحهم بعد أن أكمل الصلاة وفرغ منها، قائلًا، بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النّبيّ محمّد: «أيّها الناس، إنّكم إنْ تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يَكُن أرضى لله، ونحن أهل بيت محمّد (صلى الله عليه وآله) أَولى بولاية هذا الأمر مِن هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين بالجور والعدوان. وإنْ أبَيْتم إلّا الكراهيّة لنا والجهل بحقّنا، وكان رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم، انصرفتُ عنكم»[1].

2. في اليوم التاسع مِن محرّم

في اليوم التاسع مِن محرّم، أقبل شمر بن ذي الجوشن على معسكر الإمام الحسين (عليه السلام)، وكان مِن أخوال إخوة الحسين، أبناء أمّ البنين، فنادى: أين بنو أختنا؟ فاستنكروا الردّ عليه. فالتفت إليهم الإمام الحسين (عليه السلام)، وقال: «أجيبوه، وإن كان فاسقًا، فإنّه مِن أخوالكم». فأقبلوا يسألونه حاجته، فقال: أنتم يا بني أختي آمنون. لكنّهم رفضوا أمانه[2].

ويُلاحَظ في هذه الحادثة تفعيل مسألة أخلاقيّة مهمّة جدًّا، هي عدم استغلال هذه المحاورة مِن أجل البدء بالقتال أو الغدر بالعدوّ؛ فالحسين (عليه السلام) -قبل الحرب- كان يعلِّم أصحابه وأنصاره مبدأ رفض

[1] الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2، ص79.

[2] أحمد بن أعثم الكوفيّ، الفتوح، ج5، ص95.

523

513
الموعظة الخامسة والسبعون: أخلاقيّات الحرب والقتال في كربلاء
الغدر بالعدوّ. وقد كان بمقدور الإمام (عليه السلام) أن يمنع أبناء أمّ البنين، أو يوصيهم بقتل شمر أثناء اللقاء والحديث، لكنّ أخلاقه (عليه السلام) تأبى هذه التصرّفات، حتّى في المواقف الصعبة.

3. في صبيحة العاشر مِن محرّم، عندما أراد مسلم بن عوسجة رمي العدوّ

عندما أقبل معسكر يزيد وجيشه يجولون حول خيام الحسين، ورَأوا الخندق في ظهورهم، والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان أُلقي فيه، نادى شمر بن ذي الجوشن بأعلى صوته: يا حسين، أتعجّلت بالنار قبل يوم القيامة؟ فقال الحسين (عليه السلام): «مَن هذا؟ كأنّه شمر بن ذي الجوشن؟» فقالوا: نعم، فقال له: «يابن راعية المعزى، أنت أَولى بها صليًّا».

في هذه الحادثة أراد مسلم بن عوسجة -وهو مِن معسكر الإمام الحسين (عليه السلام)- أن يرمي شمرًا بِسهم، وقال للإمام: دعني حتّى أرميه، فإنّ الفاسق مِن أعداء الله وعظماء الجبّارين، وقد أمكن الله منه. فقال له الحسين (عليه السلام): «لا ترمِه، فإنّي أكره أن أبدأهم بقتال»[1].

أخلاق الإمام (عليه السلام) مع أصحابه وأهل بيته في الحرب

تبرز الأخلاق الحقيقيّة عند القائد في المواقف الصعبة والحسّاسة. فالإمام (عليه السلام) -بسبب سموّ أخلاقه ورفعتها- لم يبخل على أهل بيته

[1] ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب، ج6، ص2625.

524

514
الموعظة الخامسة والسبعون: أخلاقيّات الحرب والقتال في كربلاء
وأصحابه بالخطاب، بل تكرّر الخطاب مرّات عديدة مِن وقت خروجه مِن المدينة، إلى كربلاء قبل مقتله بليلة واحدة، حتّى صباح العاشر مِن محرّم.

فعندما سار الإمام (عليه السلام) مِن المدينة قال لأصحابه: «ما أراني إلّا مقتولًا، فإنّي رأيتُ في المنام كلابًا تنهشني، وأشدّها عليَّ كلبٌ أبقع»[1].

هُنا يكشف أبو عبد الله (عليه السلام) عن المصير المحتوم الذي ينتظره، فيمهِّد لخطابه القادم مع أصحابه، إذ خيّرهم -أكثر مِن مرّة- بين اللحاق به أو التخلّي عنه، وكان ذلك قريب المساء، فجمع أهل بيته وأصحابه، وخطب فيهم قائلًا: «اثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السرّاء والضرّاء، اللهمّ إنّي أحمدك على أنْ أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلتَ لنا أسماعًا وأبصارًا وأفئدةً، ولَم تجعلنا مِن المشركين. أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحابًا أَولى ولا خيرًا مِن أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل مِن أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي جميعًا. وقد أخبرني جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنّي سأُساق إلى العراق، فأنزلُ أرضًا يقال لها عمورا وكربلاء، وفيها اُستشهد. وقد قرب الموعد. ألا وإنّي أظنّ يومنا مِن هؤلاء الأعداء غدًا. وإنّي قد أذِنتُ لكم، فانطلقوا جميعًا في حلّ، ليس عليكم منّي ذمام. وهذا الليل قد غَشِيَكم، فاتّخذوه جَملًا، ولْيأخذ كلّ رجل

[1] ابن قولويه، كامل الزيارات، ص157.

525

515
الموعظة الخامسة والسبعون: أخلاقيّات الحرب والقتال في كربلاء
منكم بِيَد رجل مِن أهل بيتي، فجزاكم الله جميعًا خيرًا. وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم، فإنّ القوم إنّما يَطلبونني، ولَو أصابوني لَذهلوا عن طلب غيري»[1].

بعض المرافقين لمعسكره (عليه السلام) في ليلة التاسع

طلب بعض الأشخاص مِنه (عليه السلام) أن ينصرفوا، فأَذِن لهم، وكان مِن بينهم الطُرماح، إذ قال للإمام: أنا لديّ مِيرة لأهلي بالغذاء والطعام، فأْذَن لي حتّى أوصِل لهم مِيرتهم، وأعود إليك. فأَذِن له الإمام (عليه السلام)، فذهب الطُرماح، ولم يعد إلّا بعد استشهاد الإمام (عليه السلام) وأصحابه[2].

أخلاق الإمام (عليه السلام) مع الجنود في معسكره

1. أصغر جنديّ في معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) هو عمرو بن جنادة، فقد كان غلامًا يبلغ من العمر الحادية عشرة. عندما أقبل يطلب الرخصة مِن أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) لِينزل إلى المعركة، التفت إليه الإمام الحسين، وقال: «هذا غلام قُتِل أبوه في الحملة الأولى، ولعلّ أمّه تكره ذلك»، فإذ بالغلام يتقدّم إلى الحسين (عليه السلام)، ودموعه تسيل على خدّيه، ولعلّ السيف الذي يحمله أطول مِن قامته، لِيقول: إنّ أمّي أَمَرَتني[3].

[1] الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2، ص91.

[2] الطبريّ، تاريخ الطبريّ، ج4، ص307.

[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج45، ص27.

527

516

شاهد أيضاً

مآثر العلماء في الطريق الى الله ٤٦

السيد علي القاضي: #دورة_في_جهاد_النفس • الدرس الخامس : القوة المعنوية – الفصل السابع : الصبر …