۲۷ ۹۱ سورة البقرة آية ٢٧٢٦. بیان ( قوله تعالى : إن الله لا يستحبي أن يضرب ، البعوضة الحيوان المعروف وهو من أصغر الحيوانات المحسوسة وهذه الآية والتي بعدها نظيرة ما في سورة الرعد » أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألبـــــاب . الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ، الرعد ـ ۱۹ ، ۲۰ ، ۲۱ . وكيف كان فالآية تشهد على أن من الضلال والعمى ما يلحق الإنسان عقيب أعماله السيئة غير الضلال والعمى الذي له في نفسه ومن نفسه حيث يقول تعالى : و ما يضل به إلا الفاسقين ، فقد جعل إضلاله في تلو الفسق لا متقدماً عليه هذا . ثم إن الهداية والإضلال كلمتان جامعتان لجميع أنواع الكرامة والخذلان التي ترد منه تعالى على عبادة السعداء والأشقياء ، فإن الله تعالى وصف في كلامه حال السعداء من عباده بأنه يحييهم حيوة طيبة ، ويؤيدهم بروح الإيمان ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويجعل لهم نوراً يمشون به ، وهو وليهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وهو معهم يستجيب لهم إذا دعوه ويذكرهم إذا ذكروه ، والملائكة تنزل عليم بالبشرى والسلام إلى غير ذلك . ووصف حال الأشقياء من عباده بأنه يضلهم ويخرجهم من النور إلى الظلمات ويختم على قلوبهم ، وعلى سمعهم وعلى أبصار هم غشاوة ، ويطمس وجوههم على أدبارهم ويجعل في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ، ويجعل من بين أيديهم سداً و من خلفهم سداً فيغشيهم فهم لا يبصرون ، ويقيض لهم شياطين قرناء يضلونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهندون ، ويزينون لهم أعمالهم ، وهم أوليائهم ، ويستدرجهم الله من حيث لا يشعرون ، ويلي لهم أن كيده متين ، ويمكر بهم ويدهم في طغيانهم يعمهون فهذه نبذة مما ذكره سبحانه من حال الفريقين وظاهرها أن للانسان في الدنيا وراء الحيوة التي يعيش بها فيها حيوة اخرى سعيدة أو شقية ذات اصول وأعراق يعيش بها فيها ، وسيطلع ويقف عليها عند إنقطاع الأسباب وإرتفاع الحجاب، ويظهر ۹۲ جا الجزء الأول من كلامه تعالى أيضاً أن للانسان حيوة اخرى سابقة على حيوته الدنيا يحذوها فيها كما يحذو حذو حيوته الدنيا فيما يتلوها . وبعبارة اخرى إن للانسان حيوة قبل هذه الحيوة الدنيا وحيوة بعدها ، والحيوة الثالثة تتبع حكم الثانية والثانية حكم الأولى فالانسان وهو في الدنيا واقع بين حيوتين : سابقة ولاحقة ، فهذا هو الذي يقضي به ظاهر القرآن لكن الجمهور من المفسرين حملوا القسم الأول من الآيات وهي الواصفة للحيوة السابقة على ضرب من لسان الحال وإقتضاء الاستعداد ، والقسم الثاني منها وهي الواصفة للحيوة اللاحقة على ضروب المجاز والاستعارة هذا ، إلا أن ظواهر كثير من الآيات يدفع ذلك . أما القسم الأول وهي آيات الذر والميثاق فستأتي في مواردها ، وأما القسم الثاني فكثير من الآيات دالة على أن الجزاء يوم الجزاء بنفس الأعمال وعينها كقوله تعالى : ولا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون التحريم – ،۷ وقوله تعالى : ثم توفى كل نفس ما كسبت الآية البقرة – ٢٨١ ، وقوله تعالى : » فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة البقرة – ٢٣ ، وقوله تعالى : ) فليدع ناديه سندع الزبانية ، العلق – ١٨ ، وقوله تعالى : » يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء ، آل عمران – ۲۸ ، وقوله تعالى : » ما يأكلون في بطونهم إلا النار البقرة – ١٦٩ ، وقوله : » إنما يأكلون في بطونهم ناراً النساء – ١٠ ، إلى غير ذلك من الآيات . والعمري لو لم يكن في كتاب الله تعالى – إلا قوله : » لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك فيصرك اليوم حديد ، ق – ۲۲ ، لكان فيه كفاية إذ الغفلة لا تكون إلا عن معلوم حاضر ، وكشف الغطاء لا يستقيم إلا عن مغطى موجود فلو لم يكن ما يشاهده الإنسان يوم القيامة موجوداً حاضراً من قبل لما كان يصح أن يقال للانسان أن هذه أمور كانت مغفولة لك ، مستورة عنك فهي اليوم مكشوف عنها الغطاء ، مزالة منها الغفلة . والعمري أنك لو سئلت نفسك أن تهديك إلى بيان يفي بهذه المعاني حقيقة من غير مجاز لما أجابتك إلا بنفس هذه البيانات والأوصاف التي نزل بها القرآن الكريم و محصل الكلام أن كلامه تعالى موضوع على وجهين : 6 سورة البقرة آية ٢٧٢٦ ۹۳ أحدهما وجه المجازاة بالثواب والعقاب، وعليه عدد جم من الآيات ، تفيد : أن ما سيستقبل الإنسان من خير أو شر كجنة أو نار إنما هو جزاة لما عمله في الدنيا من العمل . وثانيهما : وجه تجسم الأعمال وعليه عدة اخرى من الآيات ، وهي تدل على أن الأعمال تهييء بأنفسها أو باستلزامها وتأثيرها أموراً مطلوبة أو غير مطلوبة أي خيراً أو شراً هي التي سيطلع عليه الإنسان يوم يكشف عن ساق . وإياك أن تتوهم أن الوجهين متنافيان فإن الحقائق إنما تقرب إلى الأفهام بالأمثال المضروبة كما ينص على ذلك القرآن . وقوله تعالى: إلا الفاسقين، الفسق كما قيل من الألفاظ التي أبدع القرآن إستعمالها في معناها المعروف ، مأخوذ من فسقت التمرة إذا خرجت عن فشرها وجلدها ولذلك فسر بعده بقوله تعالى : ) الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه الآية ، والنقض إنما يكون عن إبرام ، ولذلك أيضاً وصف الفاسقين في آخر الآية بالخاسرين والإنسان إنما يخسر فيما ملكه بوجه ، قال تعالى : ) إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة الشورى – ٤٥ ، وإياك أن تتلقى هذه الصفات التي أثبتها سبحانه في كتابه للسعداء من عباده أو الأشقياء مثل المقربين والمخلصين والمحبتين والصالحين والمطهرين وغيرها ، ومثل الظالمين والفاسقين والخاسرين والغاوين والضالين وأمثالها أوصافاً مبتذلة أو مأخوذة لمجرد تزيين اللفظ ، فتضطرب بذلك قريحتك في فهم كلامه تعالى فتعطف الجميع على واد واحد ، وتأخذها هجائاً عامياً وحديثاً ساذجاً سوقياً بل هي أوصاف كاشفة عن حقائق روحية ومقامات معنوية في صراطي السعادة والشقاوة ، كل واحد منها في نفسه مبدأ لآثار خاصة ومنشأ لأحكام مخصوصة معينة ، كما أن مراتب السن وخصوصيات القوى وأوضاع الخلقة في الإنسان كل منها منشأ الأحكام و آثار مخصوصة لا يمكننا أن نطلب واحداً منها من غير منشأه ومحتده ، ولئن تدبرت في مواردها من كلامه تعالى وأمعنت فيها وجدت صدق ما ادعيناه . بحث الجبر والتفويض وإعلم : أن بيانه تعالى أن الإضلال إنما يتعلق بالفاسقين بشرح كيفية تأثير. ३ ج الجزء الأول تعالى في أعمال العباد ونتائجها ) وهو الذي يراد حله في بحث الجبر والتفويض ( . بيان ذلك : أنه تعالى قال : »ه الله ما في السموات وما في الأرض « ، البقرة – ٢٨٤ ، وقال : » له ملك السموات والأرض الحديد – ،٥ وقال : » له الملك وله الحمد التغابن – 1 ، فأثبت فيها وفي نظائرها من الآيات الملك لنفسه على العالم بمعنى أنه تعالى مالك على الإطلاق ليس بحيث يملك على بعض الوجوه ولا يملك على بعض الوجوه ، كما أن الفرد من الإنسان يملك عبداً أو شيئاً آخر فيما يوافق تصرفاته أنظار العقلاء ، وأما التصرفات السفهية فلا يملكها ، وكذا العالم مملوك الله تعالى مملوكية على الإطلاق ، لا مثل مملوكية بعض أجزاء العالم لنا حيث أن ملكنا ناقص إنما يصحح بعض التصرفات لا جميعها ، فان الإنسان المالك الحمار مثلا إنما يملك منه أن يتصرف فيه بالحمل والركوب مثلاً وإما أن يقتله عطشاً أو جوعاً أو يحرقه بالنار من غير سبب موجب فالعقلاء لا يرون له ذلك ، أي كل مالكية في هذا الإجتماع الإنساني مالكية ضعيفة إنما تصحح بعض التصرفات المتصورة في العين المملوكة لا كل تصرف ممكن، وهذا بخلاف ملكه تعالى للأشياء فإنها ليس لها من دون الله تعالى من رب يملكها وهي لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً ولا موتا ولا حيوة ولا نشورا فكل تصرف متصور فيها فهو له تعالى ، فأي تصرف تصرف به في عباده وخلقه فله ذلك من غير أن يستتبع قبحاً ولا ذما ولا لوما في ذلك، إذ التصرف من بين التصرفات انما يستقبح ويذم عليه فيما لا يملك المتصرف ذلك لأن العقلاء لا يرون له ذلك ، فملك هذا المتصرف محدود مصروف إلى التصرفات الجائزة عند العقل، وأما هو تعالى فكل تصرف تصرف به فهو تصرف من مالك وتصرف في مملوك فلا قبح ولا ذم ولا غير ذلك ، وقد أيد هذه الحقيقة بمنع الغير عن أي تصرف في ملكه إلا ما يشائه أو يأذن فيه وهو السائل المحاسب دون المسؤل المأخوذ ، فقال تعالى : ) من ذا الذي يشفع عنده الا بإذنه ، البقرة – ٢٥٥ ، وقال تعالى : » ما من شفيع إلا من بعد إذنه ، يونس – ٣، وقال تعالى ه ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً الرعد – ٣٣ ، وقال : » يضل من يشاء ويهدي من يشاء النحل – ۹۳ ، وقال تعالى : ) وما تشاؤن إلا أن يشاء الله الدهر – ،۳۰ وقال تعالى » لا يسأل عما يفعل وهم يسألون الأنبياء – ،۲۳ فالله هو المتصرف سورة البقرة آية -٢٧.٢٦ الفاعل في ملكه وليس لشيء غيره شيء من ذلك إلا بإذنه ومشيته ، فهذا ما يقتضيه ربوبیته 10 ثم انا نرى أنه تعالى نصب نفسه في مقام التشريع وجرى في ذلك على ما يجري عليه العقلاء في المجتمع الإنساني ، من إستحسان الحسن والمدح والشكر عليه واستقباح القبيح والدم عليه كما قال تعالى : ) إن تبدوا الصدقات فنعما هي ، البقرة – ٢٧١ ، وقال : د بنس الإسم الفسوق الحجرات – ١١ ، وذكر أن تشريعاته منظور فيها إلى مصالح الإنسان ومفاسده مرعي فيها أصلح ما يعالج به نقص الإنسان فقال تعالى : ه إذا دعاكم لما يحييكم الأنفال – ٢٤ ، وقال تعالى : ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون الصف – ،11 وقال تعالى : ) إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) إلى أن قال ( وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي النحل – ،٩٠ وقال تعالى : ) إن الله لا يأمر بالفحشاء الأعراف – ۲۸ ، والآيات في ذلك كثيرة ، وفي ذلك إمضاء الطريقة العقلاء في المجتمع ، بمعنى أن هذه المعاني الدائرة عند العقلاء من حسن وقبح ومصلحة ومفسدة وأمر ونهي وثواب وعقاب أو مدح ودم وغير ذلك والأحكام المتعلقة بها كقولهم : الخير يجب أن يؤثر والحسن يجب أن يفعل ، والقبيح يجب أن يجتنب عنه إلى غير ذلك ، كما انها هي الأساس للأحكام العامة العقلائية كذلك الأحكام الشرعية التي شرعها الله تعالي العباده مرعى فيها ذلك ، فمن طريقة العقلاء أن أفعالهم يلزم أن تكون معلة بأغراض ومصالح عقلائية .، ومن جملة أفعالهم تشريعاتهم وجعلهم للاحكام والقوانين ، ومنها جعل الجزاء ومجازاة الإحسان بالإحسان والإساءة بالاساءة إن شاوا فهذه كلها معملة بالمصالح والأغراض الصالحة ، فلو لم يكن في مورد أمر أو نهي من الأوامر العقلائية ما فيه صلاح الإجتماع بنحو ينطبق على المورد لم يقدم العقلاء على مثله ، وكل المجازاة إنما تكون بالمسانخة بين الجزاء وأصل العمل في الخيرية والشرية بمقدار يناسب وكيف يناسب ، ومن احكامهم أن الأمر والنهي وكل حكم تشريعي لا يتوجه إلا إلى المختار دون المضطر والمجبر على الفعل وأيضاً إن الجزاء الحسن أو السيء أعني الثواب والعقاب لا يتعلقان إلا بالفعل الإختياري اللهم إلا فيما كان الخروج عن الإختيار والوقوع في الإضطرار مستنداً إلى سوء الإختيار كمن أوقع نفسه في إضطرار المخالفة فإن العقلاء لا يرون عقابه قبيحاً ، ولا يبالون بقصة إضطراره .