ع ۱۱۱ سورة البقرة آية ٢٩٢٨– إليه ثانياً وأوضحه بنحو البسط والتفصيل بقوله : كيف تكفرون إلى إثنتي عشرة آية ، بيان حقيقة الانسان وما أودعه الله تعالى فيه من ذخائر الكمال وما تسعه دائرة وجوده وما يقطعه هذا الموجود في مسير وجوده من منازل موت وحيوة ثم موت ثم حيوة ثم رجوع الى الله سبحانه وإن إلى ربك المنتهى وفيه ذكر جمل ما خص الله تعالى به الانسان من مواهب التكوين والتشريع ، أنه كان ميتاً فأحياه ، ثم لا يزال يميته ويحييه حتى يرجعه إليه ، وقد خلق له ما في الأرض وسختر له السموات وجعله خليفته في الأرض وأسجد له ملائكته وأسكن أباه الجنة وفتح له باب التوبة وأكرمه بعبادته وهدايته ، وهذا هو المناسب لسياق قوله : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم الخ ، فإن السياق سياق العتبى والامتنان قوله تعالى : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا الآية قريبة السياق من قوله تعالى : قالوا ربنا أمتنا إثنتين وأحبيتنا إثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل المؤمن – ١١ ، وهذه من الآيات التي يستدل بها على وجود البرزخ بين الدنيا والآخرة ، فإنها تشتمل على إماتتين ، فلو كان إحديها الموت الناقل من الدنيا لم يكن بد في تصوير الإمائة الثانية من فرض حيوة بين الموتين وهو البرزخ ، وهو إستدلال تام اعتني به في بعض الروايات ايضاً ، وربما ذكر بعض المنكرين للبرزخ أن الآيتين أعني قوله : كيف تكفرون الآية ، وقوله : قالوا ربنا الآية ، متحدت السياق ، وقد اشتملتا على موتين وحيوتين ، فمد لولها واحد ، والآية الأولى ظاهرة في أن الموت الأول هو حال الانسان قبل ولوج الروح في الحيوة الدنيا ، فالموت والحيوة الأوليان هما الموت قبل الحيوة الدنيا والحيوة الدنيا، والموت والحيوة الثانيتان هما الموت عن الدنيا و الحيوة يوم البعث ، والمراد بالمراتب في الآية الثانية هو ما في الآية الاولى ، فلا معنى لدلالتها على البرزخ ، وهو خطأ فان الآيتين مختلفتان سياق ، إذ المأخوذ في الآية الأولى موت واحد وإماتة واحدة وإحيائان ، وفي الآية الثانية إمانتان وإحيانان ، ومن المعلوم أن الإماتة لا يتحقق لها مصداق من دون سابقة حيوة بخلاف الموت ، فالموت الأول في الآية الأولى غير الإماتة الأولى في الآية الثانية ، فلامج في قوله تعالى . أمتنا إثنتين وأحبيتنا إثنتين ، الإماتة الأولى هي التي بعد الدنيا والإحياء الأول بعدها للبرزخ والإماتة والإحياء الثانيتان للآخرة يوم البعث، وفي قوله تعالى : وكنتم أمواتاً فأحياكم جا الجزء الاول ۱۱۲ إنما يريد الموت قبل الحيوة وهو موت وليس بإمائة والحيوة هي الحيوة الدنيا ، وفي قوله تعالى : ثم إليه ترجعون حيث فصل بين الإحياء والرجوع بلفظ ثم تأييد لما ذكرنا هذا . قوله تعالى : وكنتم أمواتاً ، بيان حقيقة الإنسان من حيث وجوده فهو وجود متحول متكامل يسير في مسير وجوده المتبدل المتغير تدريجاً ويقطعه مرحلة مرحلة ، فقد كان الإنسان قبل نشأته في الحيوة الدنيا ميتاً ثم حي بإحياء الله ثم يتحول بإماتة وإحياء وهكذا وقد قال سبحانه : » وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه السجدة – ،۹ وقال تعالى : ثم أنشأناه خلق آخر فتبارك الله أحسن الخالقين المؤمنون – ١٤ ، وقال تعالى : وقالوا إذا ضللنا في الأرض أثنا لفي خلق جديد، بل هم بلقاء ربهم كافرون . قل يتوفتحكم ملك الموت الذي وكل بكم السجدة – ۱۱ ، وقال تعالى . ) منها خلقنا كم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى « طه – ٥٥. والآيات كما ترى ) وسنزيدها توضيحاً في محالتها ( تدل على أن الإنسان جزء من الأرض غير مفارقها ولا مباين معها ، إنفصل منها ثم شرع في التطور بأطواره حتى بلغ مرحلة أنشئ فيها خلقاً آخر ، فهو المتحول خلقاً آخر والمتكامل بهذا الكمال الجديد الحديث ، ثم يأخذ ملك الموت هذا الإنسان من البدن نوع أخذ يستوفيه ثم يرجع الى الله سبحانه ، فهذا صراط . وجود الإنسان ثم إن الإنسان صاغه التقدير صوغا يرتبط به مع سائر الموجودات الأرضية والسماوية من بسائط العناصر وقواها المنبجسة منها ومركباتها من حيوان ونبات و معدن وغير ذلك من ماء أو هواء وما يشاكلها ، وكل موجود من الموجودات الطبيعية كذلك ، أي إنه مفطور على الارتباط مع غيره ليفعل وينفعل ويستبقي به موهبة وجوده غير أن نطاق عمل الإنسان ومجال سعيه أوسع؛ كيف ؟ وهذا الموجود الاعزل على أنه يخالط الموجودات الآخر الطبيعية بالقرب والبعد والإجتماع والإفتراق بالتصرفات البسيطة لغاية مقاصده البسيطة في حيوته ، فهو من جهة تجهيزه بالإدراك والفكر يختص بتصرفات خارجة عن طوق سائر الموجودات بالتفصيل والتركيب والإفساد والإصلاح ، فيما من موجود إلا وهو في تصرف الإنسان ، فرمانا يحاكي سورة البقرة آية ٢٩٢٨ ۱۱۳ الطبيعة بالصناعة فيما لا يناله من الطبيعة وزماناً يقاوم الطبيعة بالطبيعة ، وبالجملة فهو مستفيد لكل غرض من كل شيء ، ولا يزال مرور الدهور على هذا النوع العجيب يؤيده في تكثير تصرفاته وتعميق أنظاره ليحق الله الحق بكلماته ، وليصدق قوله : سخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه ، الجائية – ١٣ ، وقوله : ) ثم استوى إلى السماء البقرة – ٢٩ . وكون الكلام واقعاً موقع بيان النعم التمام الإمتنان يعطي أن يكون الإستواء الى السماء لأجل الإنسان فيكون تسويتها سبعاً أيضاً لأجله، و عليك بزيادة التدبر فيه . فذاك الذي ذكرناه من صراط الإنسان في مسير وجوده ، وهذا الذي ذكرنا. من شعاع عمله في تصرفاته في عالم الكون هو الذي يذكره سبحانه من العالم الإنساني و من أين يبتدي وإلى أين ينتهي غير أن القرآن كما يعد مبدأ حيوته الدنيوية آخذة في الشروع من الطبيعة الكونية ومرتبطة بها ( أحياناً ( كذلك يربطها بالرب تعالى وتقدس ، فقال تعالى : ه وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً ، مريم – ، وقال تعالى : ) إنه هو يبدى. ويعيد البروج – ۱۳ ، فالإنسان وهو مخلوق مربي في مهد التكوين مرتضع من ثدي الصنع والإيجاد متطور بأطوار الوجود يرتبط سلوكه بالطبيعة الميتة ، كما انه من جهة الفطر والإبداع مرتبط متعلق بأمر الله وملكوته ، قال تعالى: انما أمره إذا اراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ، پس – ۸۲، وقال تعالى: » انما قولنا لشيء اذا أردناه أن نقول له كن فيكون النحل – ،٤٠ فهذا من جهة البدء وأما من جهة العود والرجوع فيعد صراط الانسان متشعباً الى طريقين طريق السعادة وطريق الشقاوة ، فاما طريق السعادة فهو أقرب الطرق يأخذ في الانتهاء الى الرفيع الأعلى ولا يزال يصعد الإنسان ويرفعه حتى ينتهي به الى ربه ، وأما طريق الشقاوة فهو طريق بعيد يأخذ في الإنتهاء الى اسفل السافلين حتى ينتهي الى رب العالمين ، والله من ورائهم محيط، وقد مر بيان ذلك في ذيل قوله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم من سورة الفاتحة . فهذا اجمال القول في صراط الانسان ، واما تفصيل القول في حيوته قبل الدنيا ج الجزء الاول وفيها وبعد الدنيا فسيأتي كل في محله ، غير أن كلامه تعالى انما يتعرض لذلك من جهة ارتباطه بالهداية والضلال والسعادة والشقاء ، ويطوي البحث عما دون ذلك الا مقدار يماس غرض القرآن المذكور وقوله تعالى : فسويهن سبع سموات ، سيأتي الكلام في السماء في سورة حم السحدة انشاء الله تعالى *** وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائكة إني جاعل في الأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أتجعل فيها من يُفْسِدُ فيها وَيَسْفِك الدماء وَنَحْنُ يُسْبُحُ بِحَمْدِكَ ٠٣٠ وَنُقَدْسُ لَكَ ؟ قال : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ – ۳۰. وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كلها ثم عرضهمْ عَلَى المَلائِكَةِ فَقَالَ أنستوني بأسماء هؤلاء . إن كنتُم صادقين – ٣١ . قالوا سبحانَكَ لَا عِلْمَ لنا إلا ما عَلَمنا إنك أنت العليمُ الْحَكِيم – ۳۲. قَالَ يَا آدم أنبِتُهُمْ بِأَسْمَاتِهِمْ فَلَمَّا أنباهُمْ بِاسْمَانِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات .٣٣ والْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ – ۳۳ . بیان ( الآيات تنبي عن غرض انزال الانسان الى الدنيا وحقيقة جعل الخلافة في الأرض وما هو آثارها وخواصها ، وهي على خلاف سائر قصصه لم يقع في القرآن الا في محل واحد وهو هذا المحل . ١١٥ سورة البقرة آية ٣٣٣٠. قوله تعالى : واذ قال ربك الخ ، سيأتي الكلام في معنى القول منه تعالى وكذا القول من الملائكة والشيطان انشاء الله . قوله تعالى : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، إلى قوله : ونقدس لك. مشعر بأنهم انما فهموا وقوع الافساد وسفك الدماء من قوله سبحانه : اني جاعل في الارض خليفة ، حيث أن الموجود الارضي بما انه مادي مر مركب من القوى الغضبية والشهوية، والدار دار التزاحم ، محدودة الجهات وافرة المزاحمات ، مركباتها في معرض الانحلال ، وانتظاماتها واصلاحاتها في مظنة الفساد ومصب البطلان ، لا تتم الحيوة فيها الا بالحيوة النوعية ، ولا يكل البقاء فيها الا بالاجتماع والتعاون ، فلا تخلو من الفساد وسفك الدماء ، ففهموا من هناك أن الخلافة المرادة لا تقع في الارض الا بكثرة من الأفراد ونظام اجتماعي بينهم يفضي بالآخرة إلى الفساد والسفك ، والخلافة وهي قيام شيء مقام آخر لا تتم إلا بكون الخليفة حاكيا للمستخلف في جميح شونه الوجودية و آثاره وأحكامه و تدابيره بما هو مستخلف ، والله سبحانه في وجوده مسمى بالاسماء الحسنى متصف بالصفات العلياء من أوصاف الجمال والجلال ، منزه في نفسه عن النقص ومقدس في فعله عن الشر والفساد جلت عظمته ، والخليفة الارضي بما هو كذلك لا يليق بالإستخلاف ولا يحكي بوجوده المشوب بكل نقص وشين الوجود الالهي المقدس المنزه عن جميع النقائص وكل الأعدام ، فأين التراب ورب الأرباب ، وهذا الكلام من الملائكة في مقام تعرف ما جهلوه و استيضاح ما أشكل عليهم من أمر هذا الخليفة ، وليس من الاعتراض والخصومة في شيء ، والدليل على ذلك قولهم فيما حكاه الله تعالى عنهم :: انك أنت العليم الحكيم حيث صدر الجملة بأن التعليلية المشعرة بتسلم مدخولها فافهم ، فملخص قولهم يعود الى ان جعل الخلافة انما هو لأجل ان يحكي الخليفة مستخلفه بتسبيحه بحمده وتقديسه له بوجوده ، والارضية لا تدعه يفعل ذلك بل تجره الى الفساد والشر ، والغاية من هذا الجعل وهي التسبيح والتقديس بالمعنى الذي مر من الحكاية حاصلة بتسبيحنا بحمدك وتقديسنا لك ، فنحن خلفائك أو فاجعلنا خلفاء لك ، فما فائدة جعل هذه الخلافة الارضية لك ؟ فرد الله سبحانه ذلك عليهم بقوله : اني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الاسماء كلها . وهذا السياق : يشعر اولا : بأن الخلافة المذكورة انما كانت خلافة الله تعالى ،