هبة السماء ، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام

السابعة تقريبا ونصه هو:
أؤمن باله واحد، أب ضابط الكل خالق السماء والأرض وكل ما يرى وما لا يرى، وأؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر، الذي به كان كل شئ، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد بالروح القدس ومن مريم العذراء، وصار انسانا وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي، تألم وقبر، وقام في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب، وسيأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات الذي ليس لملكه انقضاء. وأؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب والابن، الذين هو مع الأب والابن، يسجد له ويمجد، الناطق بالأنبياء، وأؤمن بكنيسة واحدة مقدسة جامعة ورسولية، واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وأترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي، آمين) (1).
فالمسيحيون يلخصون عقيدة التثليث في النقاط الستة التالية:
1 – الكتاب المقدس يقدم لنا ثلاث شخصيات يعتبرهم شخص الله.
2 – هؤلاء الثلاثة يصفهم الكتاب بطريقة تجعلهم شخصيات


(1) أنظر كتاب تعاليم الكتاب المقدس: ص 60.

(٩٦)

متميزة الواحدة عن الأخرى.
3 – هذا التثليث في طبيعة الله ليس مؤقتا أو ظاهرا بل أبدي وحقيقي.
4 – هذا التثليث لا يعني ثلاثة آلهة بل أن هذه الشخصيات جوهر واحد.
5 – الشخصيات الثلاث الأب والابن والروح القدس متساوون.
6 – لا يوجد تناقض في هذه العقيدة (1).
والمسيحيون يؤكدون على التوحيد، وأن خالق هذا العالم والذي يدير شؤونه هو واحد لا أكثر، ولكن في تعريفهم لحقيقة هذا الواحد يقولون أنه يتألف من ثلاثة أقانيم أو أشخاص وهم (الأب والابن والروح القدس) وهم متساوون في القدرة والمجد.
ويؤكدون أن هذه المعرفة كانت تدريجية، فالله سبحانه لم يكشف عن نفسه مرة واحدة، لشدة نوره الذي يبهر العيون، بل تمت معرفته في يسوع المسيح (عليه السلام)، فالخالق العظيم كانت حقيقته مجهولة للإنسانية، ولم يستطع أحد التعرف على كنهه، وبمجئ المسيح (عليه السلام) كشف ربنا عن كنهه وحقيقته بتجسده في عيسى المسيح (عليه السلام) (2).
وأما إثبات هذه العقيدة من الكتاب المقدس، (والكلام للمسيحيين) فالعهد القديم لم يوضح الثالوث الأقدس، بل كان جل


(1) قاموس الكتاب المقدس: 232.
(2) المسيح في الفكر الاسلامي: 258.

(٩٧)

اهتمامه وهدفه هو أن يركز مفهوم وحدانية الله سبحانه في نفوس بني إسرائيل، وكفهم عن عبادة الأوثان، وهذا الموضوع احتاج إلى وقت طويل ليفهمه ويعتقده هذا الشعب، فنحن نرى أن موسى (عليه السلام) عندما صار إلى ميقات ربه فتأخر، رجع بني إسرائيل إلى عبادة العجل الذهبي، فكانت عبادة الأوثان ما تزال مؤثرة في نفوسهم، ولهذا فمن يطالع العهد القديم يرى بوضوح أن وحدانية الله بارزة في أكثر تعاليمه بل هي أول الوصايا، كما ذكر في (تث: 6 – 4) (اسمع يا إسرائيل أن الرب إلهنا رب واحد).
ولذا فنحن لا نعثر في العهد القديم على أي إشارة إلى هذا الثالوث، نعم استعملت في العهد القديم كلمة (الأب) وأرادوا به الله سبحانه، فهو أب الأبرار والصالحين ولكن كان يفهم منها المعنى المجازي لا الحقيقي، وكذلك كلمة الابن هي الأخرى استعملت في العهد القديم وأيضا كان يفهم المعنى المجازي لا البنوة الحقيقية، والروح القدس هو الآخر مذكور كثيرا، ولكن له معاني كثيرة مختلفة، إذ كان يقصد منه مثلا، نفخة الحياة، النفس، الريح، وغيرها… وكأن الله سبحانه (والقول للمسيحيين) كان يهئ البشرية للخطة النهائية التي سيكشف فيها عن نفسه بأنه (أب، وابن، وروح القدس) في العهد الجديد (1).


(1) نفس المصدر: 258.

(٩٨)

وعند مجئ المسيح (عليه السلام) أكد هو الآخر على وحدانية الله سبحانه وذلك من خلال ما نجده في العهد الجديد، مثلا نرى في جوابه لأحد الكتبة عن أول الوصايا، قال: (الوصية الأولى هي اسمع يا إسرائيل أن الله ربنا رب واحد) (مر: 12: 29).
وهو بمجيئه هذا كشف السر الإلهي الذي يصعب على عقل الإنسان تصوره وفهمه، ولكن المسيح (عليه السلام) أيضا أخذ يكشف ذلك السر تدريجيا، فاستعمل كلمة (الأب) وأراد بها الله سبحانه وتعالى، فهو أب لجميع المؤمنين والأبرار والصالحين، وهو الأب الرحيم العطوف بأبنائه وخلقه، أنظر (متي: 3010، 5 – 16) (مر: 11: 25 – 26) وغيرها.
ولكنه (حسب المسيحيين) استعمل هذه الكلمة بالمعنى الحقيقي عندما كان يخاطب الله ويقول (أبي) انظر (متي: 11: 25 – 27) و غيرها، فالله الأب هنا هو الأب الخاص للمسيح (عليه السلام) فانتقل اللفظ من المعنى المجازي إلى المعنى الحقيقي في شخص يسوع (عليه السلام)، فكان لفظ الأب إشارة إلى الأقنيم الأول!
وأما كلمة الابن فقد أشرنا إليها سابقا، فالمسيح (عليه السلام) أيضا استخدم كلمة أبناء الله، في حق المؤمنين انظر (متي: 5: 9) (5: 45) وغيره، ولكنه أراد منها المعنى المجازي، في حين أنه عندما استعملها لنفسه فإنه أراد بها المعنى الحقيقي، فهو الابن الخاص

(٩٩)

والوحيد للباري تعالى! أنظر (يو: 9 – 35) (10: 37) وغيرها.
وأما روح القدس فهو الآخر مذكور في العهد الجديد، ولكنه لم يفهم منه أنه أحد الأقانيم الثلاثة المؤلفة لله سبحانه، إلا يوم العنصرة إذ تجلى بوضوح في ذلك اليوم (أي عند نزول الروح القدس) (1).
فنحن رأينا أن الأقانيم الثلاثة مذكورة في العهد الجديد وهي منفصلة.
وأما أنه هل ذكرت أسفار العهد الجديد هذه العقيدة الأساسية في المسيحية بوضوح أم لا؟ نقول: نعم هناك إشارة واحدة فقط صريحة في الأناجيل تشير إلى التثليث أنظر إنجيل (متي: 28: 19) وهي اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس.
نعم كانت هناك إشارة أخرى في إنجيل يوحنا (5: 7) ولكن الباحثين اعترفوا في القرن التاسع عشر بأن كلمات (أب، وابن، وروح القدس) هي استنتاجات، وأن نصا بهذا لم يعثر عليه في النسخ القديمة، ولذلك فإن هذه الكلمة قد حذفت من إنجيل يوحنا، فلا توجد في نسخ العهد الجديد المعاصرة (2).
وأيضا، يزعم بعض المسيحيين أن في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس، إشارة واضحة إلى التثليث وهي (2 كو: 13: 14)


(1) المسيح في الفكر الاسلامي: 270.
(2) نظرة عن قرب في المسيحية: 35.

(١٠٠)

شاهد أيضاً

هبة السماء ، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام

عن مقتل زكريا، فماذا كان مصيرهم؟ وللحرج الذي يقع فيه المسيحيون من هذا السؤال يجيبون …