كتاب المحبة و الشوق و الرّضا و الانس‌ 4

بل المحسن في نفسه محبوب و إن كان قد لا ينتهي قطّ إحسانه إلى المحبّ لأنّ كلّ جمال و حسن فهو محبوب و الصورة ظاهرة و باطنة و الحسن و الجمال يشملهما و تدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر و الصور الباطنة بالبصيرة الباطنة فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها و لا يلتذّ بها و لا يحبّها و لا يميل إليها

و من كانت البصيرة الباطنة أغلب عليه من الحواسّ الظاهرة كان حبّه للمعاني الباطنة أكثر من حبّه للمعاني الظاهرة فشتّان بين من يحبّ نقشا مصوّرا على الحائط لجمال صورته الظاهرة و بين من يحبّ نبيّا من الأنبياء لجمال صورته الباطنة.

السبب الخامس: المناسبة الخفيّة بين المحبّ و المحبوب إذ ربّ شخصين يتأكّد المحبّة بينهما لا بسبب جمال أو حظّ و لكنّ بمجرّد تناسب الأرواح كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف» [1]

و قد حقّقنا ذلك في كتاب آداب الصحبة عند ذكر الحبّ في اللّه تعالى فليطلب منه لأنّه أيضا من عجائب أسباب الحبّ فإذن رجع أقسام الحبّ إلى خمسة أقسام و هو حبّ الإنسان وجود نفسه و كماله و بقائه و حبّه من أحسن إليه فيما يرجع إلى دوام وجوده و يعين على بقائه و دفع المهلكات عنه،

و حبّه من كان محسنا في نفسه إلى الناس و إن لم يكن محسنا إليه و حبّه لكلّ ما هو جميل في ذاته سواء كان من الصور الظاهرة أو الباطنة و حبّه لمن بينه و بينه مناسبة خفيّة في الباطن، فلو اجتمعت هذه الأسباب كلّها في شخص واحد تضاعف الحبّ لا محالة كما لو كان للإنسان ولد جميل الصورة حسن الخلق كامل العلم حسن التدبير محسن إلى الخلق

و محسن إلى الوالد كان محبوبا لا محالة غاية الحبّ و تكون قوّة الحبّ بعد اجتماع هذه الخصال بحسب قوّة هذه الخلال في نفسها فإن كانت هذه الصفات في أقصى درجات الكمال كان الحبّ لا محالة في أعلى الدّرجات، فلنبيّن الآن أنّ هذه الأسباب كلّها لا يتصوّر كمالها و اجتماعها إلّا في حقّ اللّه فلا يستحقّ المحبّة في الحقيقة إلّا اللّه سبحانه و تعالى.

[1] أخرجه مسلم في صحيحه ج 8 ص 41 و قد تقدم.
(بيان ان المستحقّ للمحبّة هو اللّه تعالى وحده)

و أنّ من أحبّ غير اللّه لا من حيث نسبته إلى اللّه فذلك لجهله و قصوره في معرفة اللّه تعالى و حبّ الرّسول محمود لانّه عين حبّ اللّه و كذا حبّ العلماء و الأتقياء لأنّ محبوب المحبوب محبوب

و رسول المحبوب محبوب و محبّ المحبوب محبوب و كلّ ذلك يرجع إلى حبّ الأصل فلا يجاوزه إلى غيره فلا محبوب بالحقيقة عند ذوي البصائر إلّا اللّه و لا مستحقّ للمحبّة سواه و إيضاحه بأن يرجع إلى الأسباب الخمسة الّتي ذكرناها و نبيّن أنّها مجتمعة في حقّ اللّه تعالى بجملتها و لا توجد في غيره إلّا آحادها و أنّها حقيقة في حقّ اللّه تعالى و وجودها في حقّ غيره و هم و تخيّل و هو مجاز محض لا حقيقة له و مهما ثبت ذلك انكشف لكلّ ذي بصيرة ضدّ ما تخيّله ضعفاء العقول و القلوب من استحالة حبّ اللّه تعالى تحقيقا و بان أنّ التحقيق يقتضي أن لا يحبّ أحدا غير اللّه تعالى.

أمّا السبب الأوّل: و هو حبّ الإنسان نفسه و بقاءه و كماله و دوام وجوده‌

و بغضه لهلاكه و عدمه و نقصانه و قواطع كماله فهذه جبلّة كلّ حيّ و لا يتصوّر أن ينفكّ عنها حيّ و هذا يقتضي غاية المحبّة للَّه تعالى فإنّ من عرف نفسه و عرف ربّه عرف قطعا أنّه لا وجود له من ذاته و إنّما وجود ذاته و دوام وجوده و كمال وجوده من اللّه و باللّه و إلى اللّه فهو المخترع الموجد له و هو المبقي له

و هو المكمّل لوجوده بخلق صفات الكمال و خلق الأسباب الموصلة إليه و خلق الهداية إلى استعمال الأسباب و إلّا فالعبد من حيث ذاته لا وجود له من ذاته بل هو محو محض و عدم صرف لو لا فضل اللّه عليه بالإيجاد و هو هالك عقيب وجوده لو لا فضل اللّه عليه بالإبقاء و هو ناقص بعد الوجود لو لا فضل اللّه عليه بتكميل خلقته، و بالجملة فليس في الوجود شي‌ء له بنفسه قوام إلّا القيّوم الحيّ الدّائم الّذي هو قائم بذاته،

و كلّ ما سواه قائم به فإن أحبّ العارف ذاته و وجود ذاته مستفاد من غيره فبالضرورة يحبّ المفيد لوجوده و المديم له إن عرفه خالقا موجدا و مخترعا مبقيا و قيّوما بنفسه و مقوّما لغيره فإن كان لا يحبّه فهو لجهله بنفسه و بربّه و المحبّة ثمرة المعرفة فتنعدم بانعدامها و تضعف بضعفها و تقوي بقوّتها و لذلك قيل:

من عرف ربّه أحبّه و من عرف النّار
بعد عنها و من عرف الدّنيا زهد فيها فكيف يتصوّر أن يحبّ الإنسان نفسه و لا يحبّ ربّه الّذي به قوام نفسه و معلوم أنّ المبتلى بحرّ الشمس لمّا كان يحبّ الظلّ فيحبّ بالضرورة الأشجار الّتي بها قوام الظلّ و كلّ ما في الوجود بالإضافة إلى قدرة اللّه عزّ و جلّ هو كالظلّ بالإضافة إلى الشجر و النور بالإضافة إلى الشمس،

فإنّ الكلّ من آثار قدرته و وجود الكلّ تابع لوجوده كما أنّ وجود النور تابع للشمس، و وجود الظلّ تابع للشجر، بل هذا المثال صحيح بالإضافة إلى أوهام العوام إذ تخيّلوا أنّ النور أثر الشمس و فائض منها و موجود بها و هو خطأ محض إذ انكشف لأرباب القلوب انكشافا أظهر من مشاهدة الأبصار أنّ النور حاصل من قدرة اللّه تعالى اختراعا عند وقوع المقابلة بين الشمس و بين الأجسام الكثيفة كما أنّ نور الشمس و عينها و شكلها و صورتها أيضا حاصل من قدرة اللّه تعالى

و لكنّ الغرض من الأمثلة التفهيم فلا يطلب منها الحقائق فإذن إن كان حبّ الإنسان نفسه ضروريّا فحبّه لمن به قوامه أوّلا و دوامه ثانيا في أصله و صفاته و ظاهره و باطنه و جواهره و أعراضه أيضا ضروريّ إن عرف ذلك كذلك و من خلا عن هذا الحبّ فلأنّه اشتغل بنفسه و شهواته و ذهل عن ربّه و خالقه

فلم يعرفه حقّ معرفته و قصر نظره على شهواته و محسوساته و هو عالم الشهادة الّذي يشاركه البهائم في التنعّم به و الاتّساع فيه دون عالم الملكوت الّذي لا يطأ أرضه إلّا من يقرب في شكله من الملائكة فينظر فيه بقدر قربه في الصفات من الملائكة و يقصر عنه بقدر انحطاطه إلى حضيض عالم البهائم.

Check Also

في فضل العلم و التعليم و التعلّم

رياض الجنّة؟ قال: حلق الذكر، فإنّ للَّه تعالى سيّارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا …