الحوكمة في ظل عدم اليقين
11 ساعة مضت
أخبار ومقالات
11 زيارة
الحوكمة في ظل عدم اليقين
⭕️ المقدمة
🔹 في سياسات الأمن القومي، لا تكمن إحدى أصعب القضايا في الاختيار بين الحرب والسلام فحسب، بل في الاختيار بين مستويات وأشكال مختلفة من الرد. وفي هذا السياق، يكون أمام صناع القرار عادةً نهجان رئيسيان.
يركز النهج الأول على «إلحاق أقصى ضرر بالعدو» من أجل تحقيق الردع، وينطلق من فرضية أن شدة الرد تقلل من إرادة العدو في مواصلة الهجوم.
أما النهج الثاني، فيركز على «تقليل الضرر الذي يلحق بالذات»، ويرى أن حصر المواجهة في الأهداف العسكرية والإبقاء على باب التفاوض مفتوحًا يمنع امتداد الحرب إلى البنى التحتية والمصالح الحيوية.
ولكل من هذين النهجين مبرراته وأدلته ومؤيدوه. غير أن القضية الأساسية في الحوكمة هي أن أياً منهما ليس صحيحًا أو خاطئًا على نحو مطلق. ففن الحوكمة يكمن في اختيار الخيار الأنسب من بين البدائل المتاحة، مع مراعاة الظروف الواقعية للدولة، وطبيعة العدو، والإمكانات الداخلية، والأفق الزمني للأزمة، وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
🔸النهج الأول: الردع عبر فرض التكلفة
يرى أنصار استراتيجية إلحاق أقصى ضرر بالعدو أن الردع يتحقق عندما يتيقن العدو من أن تكلفة أفعاله ستكون أكبر بكثير من أي مكسب محتمل. ووفقًا لهذا التصور، فإن الرد القاسي ليس مجرد رد عسكري، بل هو أيضًا رسالة سياسية ونفسية؛ فإذا شعر العدو بأن كل هجوم سيُقابل بضربة أشد إيلامًا، فسوف يكون أكثر حذرًا في حساباته المستقبلية.
كما يُستشهد بأمثلة مثل رأس لفان في هذا الإطار، انطلاقًا من فكرة أن استهداف النقاط الحساسة والاستراتيجية للعدو يمكن أن يغير معادلة سلوكه. ومن وجهة نظر أنصار هذا النهج، فإن الإفراط في ضبط النفس قد يُفسَّر أحيانًا ليس بوصفه تعبيرًا عن الحكمة، بل باعتباره علامة ضعف، وهو ما قد يشجع العدو على تكرار هجماته أو تصعيدها.
ومع ذلك، فإن هذا النهج لا يخلو من المخاطر؛ إذ قد يؤدي الرد العنيف، بدلًا من خفض التوتر، إلى توسيع نطاق المواجهة، ولا سيما إذا كان العدو يمتلك القدرة على الرد بالمثل، أو إذا كانت البنى التحتية الحيوية لدى الطرفين عرضة للاستهداف المتبادل. لذلك، فإن الاعتماد على منطق العقاب وحده، من دون تقييم دقيق لقدرة الدولة على الصمود وقوة رد فعل الخصم، قد يتحول إلى مقامرة استراتيجية.
🔸النهج الثاني: الردع عبر الحد من الخسائر
في المقابل، يبرز نهج تقليل الضرر الذي يلحق بالدولة. ويعتقد أنصاره أن المهمة الأساسية للحكومة في كثير من الأزمات تتمثل في حماية البنى التحتية، وصون الاستقرار الاقتصادي، ومنع انزلاق البلاد إلى دوامة استنزاف ناجمة عن التصعيد المتبادل.
وبناءً على ذلك، فإن حصر العمليات في الأهداف العسكرية والإبقاء على المسارات السياسية والدبلوماسية مفتوحة يزيد من فرص إدارة الأزمة.
وتتمثل ميزة هذا النهج في أنه يمنع تحول مواجهة محدودة إلى حرب شاملة، ويترك للطرفين فرصة لإعادة ضبط حساباتهما السياسية. كما أنه قد يكون خيارًا أكثر واقعية للدفاع عن المصالح الوطنية في الدول التي تكون فيها البنى التحتية الاقتصادية أو الطاقة أو النقل أو الاتصالات عرضة للتأثر بالأزمات الطويلة.
ومع ذلك، إذا لم يُطبق هذا النهج بعناية، فقد يفسره العدو على أنه تردد أو ضعف في الإرادة أو عجز عن الرد. وفي مثل هذه الظروف، قد يؤدي تجنب التصعيد، بدلًا من تحقيق الردع، إلى تشجيع الطرف المقابل على زيادة هجماته. لذلك، لا يكون هذا النهج فعالًا إلا إذا اقترن بإظهار واضح للقدرات الدفاعية والإرادة في الرد.
⭕️ أهمية اختيار المستشارين المناسبين
في الواقع، نادرًا ما يطّلع كبار صناع القرار بصورة مباشرة على جميع الحقائق الميدانية والتحليلية، إذ يتشكل جزء كبير من فهمهم للأزمات من خلال المستشارين والمحللين والدوائر الوسيطة. ومن هنا، فإن أحد أهم عناصر الحوكمة الرشيدة هو حسن اختيار المستشارين.
فالمستشار الجيد ليس من يكرر ما يرغب صاحب القرار في سماعه، بل من يستطيع نقل الواقع بأمانة ودقة، حتى وإن كان مخالفًا للتصورات السائدة أو غير مريح. أما المستشارون الذين يروجون لحل واحد فقط ويقللون من أهمية الأدلة المخالفة، فإنهم يحرمون صانع القرار عمليًا من إمكانية اتخاذ قرار واعٍ. وفي القضايا الأمنية، قد يؤدي هذا الخطأ إلى تحميل الدولة أثمانًا باهظة.
ولهذا، ينبغي أن يقوم اختيار المستشارين ليس فقط على أساس الولاء السياسي أو التقارب الفكري، بل على أساس الكفاءة التحليلية، والخبرة، والشجاعة في إبداء الرأي المخالف، والقدرة على فهم تعقيدات الأوضاع. وكلما كانت الأزمة أكثر حساسية، ازدادت الحاجة إلى مستشارين قادرين على توضيح مختلف أبعادها.
(يتبع