علامات الظهور واحداث الساعة… أين تلتقي السياسة بالغيب ؟
9 دقائق مضت
التنمية الاسلامية
7 زيارة
علامات الظهورواحداث الساعة… أين تلتقي السياسة بالغيب ؟
كيف نوفّق بين علامات آخر الزمان وأحداث الساعة؟
بين حتمية العلامة وتقلبات السياسة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد 🌹
كلما عصفت بالعالم حرب، أو اضطربت منطقة، أو سقط نظام، أو برز تحالف جديد، عاد الحديث عن علامات آخر الزمان وعلامات الظهور.
وهنا يبرز سؤال مهم:
هل كل حدثٍ كبير نراه في زماننا يمكن أن يكون علامة من علامات الظهور؟
وهل نستطيع أن نقرأ الأحداث السياسية المتسارعة على أنها تحقيقٌ لما ورد في الروايات؟
الجواب يحتاج إلى شيء من التأنّي؛ لأننا إذا لم نفرّق بين النص الديني، والعلامة، والحدث السياسي، فقد نحمّل الروايات ما لا تحتمل، ونحوّل الاحتمال إلى يقين والمفهوم الى مصداق
أولًا: العلامات ليست على درجة واحدة
من المهم أن نعرف أن علامات الظهور منها حتمية ومنها غير حتمية.
وقد اشتهرت في الروايات خمس علامات حتمية:
1 ـ خروج السفياني.
2 ـ خروج اليماني.
3 ـ الخسف بالبيداء.
4 ـ الصيحة أو النداء من السماء.
5 ـ قتل النفس الزكية.
وهذه الخمس لها خصوصية؛ لأنها ليست مجرد أحداث سياسية عابرة نستطيع أن نُسقط عليها أي واقعة نشهدها.
أما العلامات غير الحتمية، فهي باب آخر يحتاج إلى دراسة أسانيد الروايات ودلالاتها، ولا يصح أن نتعامل معها جميعًا وكأنها في درجة واحدة من القطع واليقين.
ثانيًا: السياسة لا تُقرأ بمنظار العلامات وحده
العالم السياسي مليء بالمفاجآت.
دولة تقوى ثم تضعف، وتحالف يتشكل ثم يتفكك، وحرب تبدأ ولا نعرف كيف تنتهي، وموازين قوى تتغير خلال سنوات وربما خلال أيام.
ولهذا ينبغي أن نكون حذرين عندما نربط كل حادثة سياسية بعلامة من علامات الظهور.
فقد يقع الحدث ويكون مهمًا جدًا في التاريخ، لكن أهميته السياسية لا تعني بالضرورة أنه علامة من علامات الظهور.
وهنا يجب أن نتذكر قاعدة مهمة:
ليس كل تشابهٍ بين الرواية والحدث دليلًا على أن الحدث هو المصداق.
ثالثًا: أين تكمن المشكلة؟
المشكلة تبدأ عندما نبحث عن أسماء الروايات في نشرات الأخبار.
فنرى قائدًا فنقول: هو السفياني.
ونرى حركةً أو دولةً فنقول: هي اليماني.
ونرى حربًا فنقول: هذه بداية العلامة.
ثم نبني على ذلك سلسلة من التوقعات.
وقد تمر السنوات، وتتغير الأحداث، ويتبين أن القراءة كانت متعجلة.
والنص الديني لا ينبغي أن يكون تابعًا للخبر السياسي؛ بل الخبر السياسي هو الذي ينبغي أن يُقرأ في ضوء القواعد الدينية والعقلية الصحيحة.
رابعًا: الحتمية لا تعني أن كل ما قبلها حتمي
وهذه نقطة دقيقة.
عندما نقول إن هناك علامات حتمية، فهذا لا يعني أن كل حدث يقع قبلها هو جزء مؤكد من السيناريو نفسه.
فالحتمية تتعلق بالعلامة التي ثبتت حتميتها، لا بكل حدث يسبقها أو يحيط بها.
ولهذا لا ينبغي أن نقول:
وقعت حرب، إذن اقتربت العلامة.
أو:
تغيرت خريطة سياسية، إذن نحن أمام الظهور.
بل ينبغي أن نقول:
هل ثبتت الرواية؟ وما دلالتها؟ وهل تحققت شروطها ومواصفاتها؟
وهذا فرق كبير بين الوعي الديني وبين القراءة الانفعالية للأحداث.
خامسًا: هل نترك متابعة الأحداث؟
لا، أبدًا.
المطلوب ليس أن نعزل الدين عن الواقع، ولا أن نتوقف عن قراءة السياسة.
بل المطلوب أن نقرأ الاثنين بميزانهما:
الدين بعقله ونصوصه.
والسياسة بمعطياتها وموازينها.
وقد يكون الحدث السياسي مقدمةً لتحولات تاريخية كبيرة، لكننا لا نستطيع أن نجزم بأنه علامة من علامات الظهور لمجرد أننا وجدنا بينه وبين بعض الروايات وجه شبه.
فـالغيبيات لا تُثبت بالتخمين، والسياسة لا تُفهم بالتمنّي.
سادسًا: بين الانتظار الواعي والانتظار العاطفي
الانتظار الحقيقي لا يعني أن نجلس نبحث كل صباح عن علامة جديدة.
الانتظار يعني أن نُصلح أنفسنا، ونتمسك بديننا، ونكون على بصيرة مما يجري حولنا، ولا نكون أداةً في يد الإشاعات والتفسيرات المتسرعة.
فقد يختلف الناس في تفسير حدث سياسي، لكن المؤمن ينبغي ألا يختلف في المبادئ التي تحكم موقفه:
الحق، والعدل، والتقوى، والبصيرة، وعدم الانجرار وراء الفتن.
وأخيرًا…
ربما يكون عالمنا مقبلًا على تحولات كبيرة، وربما نشهد أحداثًا لم نكن نتوقعها.
لكن علينا أن نكون أكثر حذرًا لا أكثر اندفاعًا.
فليس كل حدث علامة، وليس كل علامة غير حتمية، وليس كل تشابهٍ مصداقًا، وليس كل تحليلٍ سياسي كشفًا للغيب.
والأهم من أن نسأل:
متى تقع العلامة؟
أن نسأل:
هل نحن مستعدون للحق إذا ظهر؟
فقد نختلف في قراءة الأحداث،
لكن لا ينبغي أن نختلف في الاستعداد للعدل.
وقد نخطئ في تفسير السياسة،
لكن لا ينبغي أن نخطئ في ديننا.
وقد تتغير خرائط الدول،
لكن تبقى الحقيقة ثابتة:
إنّ المؤمن الواعي لا يجعل عقيدته رهينةً لنشرة الأخبار، ولا يجعل كل اضطراب سياسي علامةً على الظهور؛ بل يقرأ النص ببصيرة، والواقع بوعي، والغيب بتسليم.
اللهم اجعلنا من أهل البصيرة، والثبات على الحق، وحسن الانتظار، ولا تجعلنا من الذين تستخفّ بهم الفتن.
🍃منتظر الاسدي