[ قيمة الإنسان ..؟ ] منتظر الاسدي
ساعتين مضت
التنمية الاسلامية
3 زيارة
كثيرًا ما يظنّ الإنسان أن قيمته فيما يملك، أو فيما يُنجز، أو فيما ينتمي إليه، فيقيس نفسه بما لديه من مال، أو بما حققه من نجاح، أو بالمكانة التي يحتلها بين الناس.
١ ـ التملّك: ماذا أملك؟
قد يظن شخص أن قيمته في سيارته، أو منزله، أو راتبه، أو ملابسه، فإذا فقد شيئًا من ذلك شعر بأنه فقد جزءًا من قيمته. لكن المال والممتلكات أمور متغيرة؛ فقد يملك الإنسان اليوم ما لا يملكه غدًا، وقد يعيش فقيرًا لكنه يكون كريم النفس، نافعًا للناس، عزيزًا بخلقه.
٢ ـ الإنجاز: ماذا حققت؟
قد يربط الإنسان قيمته بشهادته، أو وظيفته، أو عدد إنجازاته. فإذا فشل في اختبار، أو خسر عملًا، أو تأخر مشروعه، ظن أنه أصبح بلا قيمة. والحقيقة أن الفشل في تجربة لا يعني فشل الإنسان كله؛ فقد يتعثر الطالب في مادة، لكنه يظل مجتهدًا وقادرًا على التعلم، وقد يخسر الموظف عمله، لكنه لا يفقد خبرته ولا قدرته على البدء من جديد.
٣ ـ الانتماء: إلى مَن أنتمي؟
قد يشعر الإنسان بقيمته لأنه ينتمي إلى عائلة معروفة، أو قبيلة، أو جماعة، أو مؤسسة مرموقة. لكن الانتماء وحده لا يكفي لصناعة قيمة الإنسان؛ فالإنسان يُحترم بأخلاقه وأفعاله، لا بمجرد الاسم الذي يحمله أو الجماعة التي ينتمي إليها.
وهذه الأمور قد تكون جزءًا من حياة الإنسان، لكنها لا تصنع قيمته الحقيقية؛ لأن ما يملكه قد يفقده، وما ينجزه قد ينتهي، وما ينتمي إليه قد يتغير.
فالقيمة الحقيقية للإنسان لا يستمدها من الآخرين، ولا من تصفيقهم ومدحهم، كما لا يفقدها بذمّهم أو شماتتهم. فقد يمدح الناس شخصًا اليوم ثم ينتقدونه غدًا، وقد يختلفون في الحكم عليه بحسب أهوائهم وظروفهم؛ لذلك لا يصح أن يجعل الإنسان صورته عن نفسه معلقة بكلام متغير.
قيمة الإنسان تبدأ من احترامه لذاته، ومصالحته مع نفسه، وإيجاده السلام الداخلي.
واحترام الذات لا يعني أن يرى الإنسان نفسه أفضل من الآخرين، بل يعني أن يعرف حقوقه وواجباته، وأن يحافظ على كرامته، وألا يسمح لأحد بإهانته أو استغلاله. فمثلًا، من احترام الإنسان لذاته أن يقول:
«لا أستطيع» أو < لاادري > عندما يكون الأمر فوق طاقته، وأن يرفض الظلم بأدب، وأن يعتذر عندما يخطئ دون أن يشعر بأن الاعتذار ينقص من قدره.
أما مصالحة النفس فتعني أن يتوقف الإنسان عن جلد ذاته بسبب أخطاء قديمة، وأن يتعلم منها بدل أن يبقى أسيرًا لها. فمن أخطأ في اختيار عمل، أو قصّر في علاقة، أو اتخذ قرارًا غير موفق، يستطيع أن يعترف بخطئه ويصلحه، دون أن يصف نفسه بأنه فاشل أو عديم القيمة.
فالإنسان الذي يعرف قدر نفسه لا يجعل قيمته رهينةً لنظرة الناس إليه؛ يفرح بالمدح دون أن يتكبّر به، ويتألم من النقد دون أن ينكسر به، ويستمع إلى الناس دون أن يفقد صوته الداخلي.
فإذا قال له الناس: «أنت ناجح»، شكرهم واستفاد من كلامهم، لكنه لا ينهار إذا لم يسمع المديح. وإذا وُجّه إليه نقد، سأل نفسه: هل في هذا النقد فائدة؟ فإن كان صحيحًا أصلح خطأه، وإن كان ظالمًا أو مبالغًا فيه تركه دون أن يسمح له بتحطيمه.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
[الإسراء: ٧٠]
فالتكريم هنا يلفت النظر إلى أن للإنسان كرامةً أصلية لا يمنحها له الناس حتى يستطيعوا سلبها منه. وهذا لا يعني أن كل إنسان معصوم من الخطأ، بل يعني أن الخطأ لا يلغي إنسانيته، وأن محاسبة الإنسان على عمله لا تبرر إهانته أو تحقيره.
وقال النبي الأكرم ﷺ:
«لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا».
فقد تكون كلمة طيبة، أو مساعدة بسيطة، أو ابتسامة صادقة، سببًا في تخفيف ألم إنسان. وهذا يعلّمنا أيضًا ألا نحتقر ما نفعله من خير، وألا نظن أن أعمالنا الصغيرة بلا قيمة. فقد يقرأ شخص رسالة تشجيع فيستعيد أمله، أو يجد محتاج من يساعده في أمر بسيط فيتغير يومه كله.
وفي المعنى نفسه، يحتاج الإنسان إلى ألا يحقر نفسه؛ فمعرفة قيمة النفس ليست غرورًا، وإنما أن يعرف الإنسان منزلته، ويحفظ كرامته، ولا يجعل ميزانه بأيدي الآخرين.
فالغرور هو أن يرى الإنسان نفسه أفضل من الناس، أما تقدير الذات فهو أن يعرف الإنسان قيمته دون أن ينتقص من قيمة غيره. ومن أمثلة ذلك أن ينجح الإنسان في عمله فيفرح بإنجازه، لكنه لا يسخر ممن لم ينجح بعد، وأن يثق بقدراته دون أن يرفض النصيحة أو يظن أنه لا يخطئ.
ومن أجمل ما يُعبّر عن هذا المعنى قول الشاعر ؛ عريان خلف :
> لا همني المدح بشفاف المحبين
> ولا ضرني الشماتة اشما حچوا عني
فالمعنى أن الإنسان المتزن لا يجعل المدح أساسًا لوجوده، ولا يسمح للشماتة أن تهدمه. وهذا لا يعني أنه لا يشعر أو لا يتأثر، بل يعني أنه لا يمنح الآخرين سلطة كاملة على مشاعره وصورته عن نفسه.
فحين يصل الإنسان إلى مرحلة من السلام الداخلي، لا يعود أسيرًا للمدح ولا محطمًا بالذم؛ لأنه لم يعد يبحث عن قيمته في عيون الناس، بل وجدها في أعماق نفسه.
والسلام الداخلي لا يعني أن الإنسان لا يحزن أو لا يغضب أو لا يتألم، وإنما يعني أنه يستطيع التعامل مع مشاعره بوعي. فإذا خسر شيئًا، حزن لكنه لا ينهار. وإذا أخطأ، ندم لكنه لا يكره نفسه. وإذا اختلف معه الناس، راجع نفسه لكنه لا يتنازل عن مبادئه لمجرد إرضائهم.
الإنسان لا تزداد قيمته بما يملك، ولا بما يقال عنه، وإنما بما هو عليه.
فقيمة الإنسان تظهر في صدقه عندما يستطيع الكذب، وفي أمانته عندما لا يراقبه أحد، وفي رحمته عندما يكون قادرًا على القسوة، وفي تواضعه عندما يملك أسباب التكبر، وفي ثباته على الخير حتى عندما لا يصفق له أحد.
ومن عرف قدر نفسه، احترمها.
ومن احترم نفسه، لم يبع كرامته لإرضاء الآخرين.
ومن صالح نفسه، وجد السلام الذي لا يستطيع الآخرون أن يمنحوه له ولا أن يسلبوه منه.
فقيمة الإنسان الحقيقية ليست فيما يملك، ولا فيما ينجز، ولا فيمن ينتمي إليه؛ بل في الإنسان الذي اختار أن يكونه.