الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر
14 دقيقة مضت
الاسلام والحياة
0 زيارة
المقدِّمة
الحمدُ للّه ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وبعد :
جاءت الرسالة الإسلامية الخاتمة لهداية الإنسان ، وتحريره من جميع ألوان الانحراف في فكره وسلوكه وتحريره من ضلال الأوهام وظُلمة الخرافات ، وتحريره من عبادة الالهة المصطنعة ، وتحريره من الانسياق وراء الشهوات والمطامع ، وتهذيب نفسه من بواعث الانانية والحقد والعدوان ، وتحرير سلوكه من الرذيلة والانحطاط ، بتهيئة العقول والقلوب للتلقي والاستجابة للمنهج الالهي المرسوم ، واستتباعها بالعمل الايجابي ـ وفق المفاهيم والقيم الالهية الثابتة ـ الذي يترجم الآراء والنصوص إلى مشاعر وعواطف وأعمال وممارسات وعلاقات متجسدة في الواقع ، لكي يكون الإنسان والمجتمع بمستوى المسؤولية المناطة به في الحياة ، والمتمثلة بحمل الامانة وخلافة اللّه تعالى في الأرض ، والترقي في سلم الكمال والسمو الروحي والسلوكي.
وهداية الإنسان تعني تغيير محتواه الداخلي في عقله وقلبه وارادته لينسجم مع المنهج الالهي في الحياة ، ويكون فكره وعاطفته وسلوكه وحدة واحدة لا ازدواجية فيها ولا تناقض.
والتغيير ليس أمرا هينا اذا نظرنا إلى طبيعته ، وطبيعة الميدان الذي يحلّ فيه وهو ميدان النفس البشرية ، فهو يواجه محدودية الإنسان
وضعفه وعجلته ، ويواجه شهوات النفس ونزواتها المتجذرة والطارئة والمتقلبة ، ويواجه كبرياء النفس وغرورها ، ويواجه اعتزاز الناس بمفاهيمهم وقيمهم التي أنسوا بها ، وأصبحت جزءا من كيانهم الموروث والمكتسب ، ويواجه ما يتلبس بتلك المفاهيم والقيم من مصالح ذاتية ومطامع شخصية ، ويواجه المغريات الخارجية التي تناغي الرغبات والشهوات وتهتف بالانسان لاشباعها ، ويواجه اصنافا من الناس تختلف بعدا أو قربا من الدين والتديّن ، وتختلف مواقفها من حملة التغيير اندفاعا وانكماشا.
وتتجسد عملية التغيير باداء مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اداءً ينسجم مع ضخامة الواقع البشري ، وضخامة الاهداف المراد ـ من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ـ تحقيقها في الواقع.
فلا بدّ من عمل دؤوب وحركة متواصلة تبدأ بتغيير النفس أولاً ثم المجتمع ثانيا ، ولا بدّ من اطلاعٍ دقيق وتشخيص واعٍ لمستويات الناس الفكرية والعاطفية والسلوكية ، والمعرفة الواعية للظروف والعوامل المتحكمة في المجتمع ، والقوى المؤثرة فيه ، ليضع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لكلِّ مستوىً ولكلِّ ظرفٍ خطة ، يصلون بها إلى تحقيق الأهداف ، وأُسلوبا ينفذون من خلاله إلى خلجات القلوب ويجعلونها تتهيأ للتلقي والاستجابة ، ثم الانتقال إلى مرحلة العمل الايجابي بعد مرحلة التأثر الوجداني.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم التكاليف التي ينبغي القيام بها ، فيه تقام الفرائض ويتوجه الانسان إلى اللّه تعالى بكل كيانه ومقومات شخصيته ، وبه تتحقق الاستقامة في الفكر والعاطفة والسلوك
ويكون المنهج الالهي هو الحاكم على العقول والقلوب والارادة الانسانية.
وفي هذا البحث ـ ومن خلال استقراء آيات القرآن الكريم والاحاديث الشريفة وسيرة المعصومين : ومن خلال التجربة العملية ـ نتطرق إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أربعة فصول : نتناول في الفصل الأول : حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأهميتهما ، ثم نستعرض في الفصل الثاني : وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومراحلهما ، ونتناول في الفصل الثالث : خصائص وصفات الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ـ الذاتية والعملية ـ ونتناول في الفصل الرابع : آثار ونتائج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث الأداء وعدمه.
وحاولنا جهد الامكان استخدام العبارات والمصطلحات الواضحة الميسّر فهمها من قبل جميع المستويات ؛ لتعم الفائدة المتوخاة من متابعة فصوله والامعان في مباحثه.
واللّه وليّ التوفيق