الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / مواعظ قرآنية -من صفات الجنّة
8

مواعظ قرآنية -من صفات الجنّة

لا يبيد نعيمها، ولا يضمحّل حبورها، ولا ينقطع سرورها

 

الأمر الأوّل الّذي يُنغِّص على الإنسان سعادته في الدنيا الإبادة والاضمحلال والفقدان والانقطاع للنعيم. وهذا من أكبر المنغِّصات للسعادة، فالإنسان مهما كان وبأيّ نعيم حلّ ولو جمع كلّ لذّات الدنيا ماذا يفعل عندما يأتي أجله، وميعاد مفارقتها، كما ورد في الرواية “كان أشدّ لحسرته عند فراقها”، لذلك عبّر عن الموت “بهادم اللذّات”.

 

وهذا في الجنّة لا وجود له فإنّ النعيم والحبور والسرور لا تصرّم لها ولا زوال ولا اضمحلال.

 

- ولا يظعن مقيمها

 

فالإنسان إذا كان مقيماً في قصر منيف عدّة أيّام فإنّه يكون في لذّة ولكن حينما يتذكّر أنّه سيتركه بعد أيّام فإنّه ستتنغّص لذّته، وعندما يأتي وقت إخراجه منه يكون يوم تأسّف وألم يذهب باللذّة الّتي حصّلها في الأيّام الخالية.

 

 

3- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 75، ص 30.

 

 بينما في الجنّة لا يظعن المقيم أي لا يرتحل ولا يُفارق أبداً بل إقامته خالدة.

 

- ولا يهرم خالدها

 

والإنسان إذا بقي بقاءً طويلاً في الدنيا فإنّ هَرَمَه سينغّص عليه عمرَه ويُسئمُه الحياة كما عبّر بعضهم:

 

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش    ثمانين حولاً لا أب لك يسأم

 

والهرم بلوازمه يُفقد الحياة رونقها، والشهوات لذّتها..

 

وفي الجنّة بقاء وخلود بلا هرم وهذا من مقوِّمات السعادة الحقيقية.

 

- ولا يبؤس ساكنها وفي البحار/ج8/162 “لا ييأس ساكنها”

 

فلا بؤس ولا يأس في الجنّة، فإنّ البؤس وهو الشقاء يُباين اللذّة، وكذلك اليأس أو الملل يُخالف اللذّة والسعادة.

 

ونحن نجد أنّ في الدنيا ما من لذّة إلا ويشوبها البؤس واليأس والملل، ولذلك لا مقايسة للذّات الدنيا مع لذّات الآخرة في الجنّة.

 

- أمن سكّانها من الموت فلا يخافون

 

فالإنسان كما ذكرنا لو نال ما نال في الدنيا من نِعَم وكمالات بشتّى المجالات الّتي يتمنّاها فإنّ فكرة الموت بمجرّد أن تنتابه فإنّها ستسيطر على لبّه وتغلب على كيانه وتُفقده الأمن والسكينة والطمأنينة في حياته. وهذا الخوف؛ خوف فقدان النِّعَم، سيفقده السعادة..

 

هذا في الدنيا وأمّا في الآخرة في الجنّة فإنّ ساكنها سيكون آمناً من الموت ولا قلق عنده بل سكينة مطلقة وهذه، هي السعادة الحقيقية.

 

﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾4.

 

 

4- سورة الرعد، الآيتان: 23ـ 24.

 

ففي الجنّة سلام، والسلام من الملائكة، ومن ربٍّ كريم، وتحيّتهم في الجنّة سلام، وكلّ شيء فيها سلام، والسلام يقابل الشعور بعدم الأمن والقلق والخوف.

 

- قال ابن أبي الدنيا: حدّثني الحارث بن محمّد التميميّ عن شيخٍ، قال:

 

“مرّ الإسكندر بمدينةٍ قد ملكها أملاك سبعة وبادوا، فقال: هل بقي من نسل الأملاك الّذين ملكوا هذه الدنيا أحد؟ قالوا: نعم، رجل يكون في المقابر، فدعا به، فقال: ما دعاك إلى لزوم المقابر؟ قال: أردت أن أعزل عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدت عظامهم وعظام عبيدهم سواء. فقال له: فهل لك أن تتّبعني فأورثك شرف آبائك إن كانت لك همّة؟ قال: إنّ همّتي لعظيمة إن كانت بغيتي عندك، قال: وما بغيتك؟ قال: حياة لا موت فيها وشباب لا هرم معه وغنى لا فقر فيه وسرور بغير مكروه.

 

قال: لا، قال: فامضِ لشأنك ودعني أطلب ذلك ممّن هو عنده -عزّ وجلّ- ويملكه. قال الإسكندر: وهذا أحكم منّا”5.

 

أبلغ البيان في وصف جنّة الرحمن

 

أروع ما يُمكن أن تسمع في وصف الجنّة بعد كلام الخالق تعالى هو من أمير المؤمنين عليه السلام، يقول عليه السلام كما في نهج البلاغة:

 

“فلو رميت ببصر قلبك نحو ما يوصف لك منها لعزفت نفسك عن بدائع ما أخرج إلى الدنيا من شهواتها ولذّاتها وزخارف مناظرها، ولذهلت بالفكر في اصطفاق أشجار غيّبت عروقها في كثبان المسك على سواحل أنهارها، وفي تعليق كبائس اللؤلؤ الرطب في عساليجها وأفنانها، وطلوع تلك الثمار مختلفة في غلف أكمامها. تحنى من غير تكلّف فتأتي على منية مجتنيها، ويطاف على نزّالها في أفنية قصورها بالأعسال المصفقة، والخمور المروقة. قوم لم تزل الكرامة تتمادى بهم حتّى حلّوا دار القرار، وأمنوا نقلة الاسفار. فلو شغلت قلبك

 

 

5- تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 71، ص 355.

 

 أيّها المستمع بالوصول إلى ما يهجم عليك من تلك المناظر المونقة لزهقت نفسك شوقاً إليها، ولتحمّلت من مجلسي هذا إلى مجاورة أهل القبور استعجالاً بها. جعلنا الله وإياكم ممّن سعى بقلبه إلى منازل الأبرار برحمته”6.

 

فما أروع وما أبلغ وأبدع هذا الوصف على اختصاره، فلو دقّقت بمضمونه وخاصّة في الفقرة الأخيرة، فإنّ الإمام عليه السلام يقول لو كان عندك يقين بالفعل ووجّهت قلبك وشغلته بهمِّ الوصول إلى ما أعدّ لك فيها لزهقت نفسك أي قضيت وخرجت روحك من بدنك شوقاً إلى نعيمها، ولاخترت مجاورة أهل القبور استعجالاً في نيلها والوصول إليها.

 

“فلو شغلت قلبك أيُّها المستمع بالوصول إلى ما يهجم عليك من تلك المناظر المونقة لزهقت نفسك شوقاً إليها، ولتحمّلت من مجلسي هذا إلى مجاورة أهل القبور استعجالاً بها”ولزهدت نفسك في كلّ لذّات الدنيا ونعيمها.

 

“فلو رميت ببصر قلبك نحو ما يوصف لك منها لعزفت نفسك عن بدائع ما أخرج إلى الدنيا من شهواتها ولذّاتها وزخارف مناظرها”

 

هل نستطيع أن نتصوّر أنّ أنساناً ممكن أن يموت شوقاً للجنّة؟

 

نعم مع اليقين وشدّة الشوق قد يصل إنسان لذلك، كما روي عن همّام.

 

على أيّ حال هذا يحتاج إلى دعاء لاستنارة القلب بالبصيرة وإشراقات اليقين. وقد دعا الإمام عليه السلام ونحن ندعو بدعائه:

 

“جعلنا الله وإيّاكم ممّن سعى بقلبه إلى منازل الأبرار برحمته”.

 

ما السبب في زهد أهل الدنيا بالجنّة؟!

 

الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يتعجّب من الإنسان الّذي يزهد بجنّة قد جعلها ربٌّ كريم ويُقبل على دنيا هي بمثابة جيفة.

 

 

6- نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج 2، ص 75.

شاهد أيضاً

IMG-20140123-WA0030

الاكتفاء بما روي في أصحاب الكساء

(ثواب الصلاة على النبي(ص)): 140 – عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(ص): «مَنْ صلَّى ...