الرئيسية / الاسلام والحياة / السنن الإلهية في بناء المجتمع

السنن الإلهية في بناء المجتمع

خصوصية وصية المعصوم إلى المعصوم
إنّ وصيّة الإمام المعصوم إلى الإمام المعصوم:
1- تتجاوز الطابع الفرديّ والآنيّ الذي ربما يكون هو الغالب على وصايا عامّة الناس، فالمعصوم قائد الأمّة، وهاديها، ومرشدها، والقائم على تربية نفوس أبنائها، وتكميل عقولهم، لا بل هو أبو هذه الأمّة، كما يُستفاد من قول رسول الله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: “أنا وعليّ أبوا هذه الأمّة” ، والمسلمون أبناؤه، فإن انقطعوا عنه كانوا أيتامه، كما في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: “أشدّ من يُتْم اليتيم الذي انقطع من أمّه وأبيه يُتْم يتيمٍ انقطع عن إمامه، ولا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حُكْمه فيما يُبتلى به من شرائع دينه” . فوصيّة المعصوم

وصيّةٌ لجميع أبنائه، فهم ـ جميعاً ـ معنيّون بمضمونها، مخاطَبون بمقالتها، مأمورون بقبولها وحفظها. وهي نافذة سارية المفعول في كلّ عصرٍ وزمان، لا يختصّ بها وقت دون وقت.

2- تهدف إلى إعداد المعصوم الموصَى إليه لتسلّم أعباء الإمامة، ليكون خير خلفٍ لخير سلف، بل ربما كان من جملة دواعيها وأهدافها: أن يُعلن المعصوم الموصِي أمام الملأ أنّ الموصَى إليه هو المعصوم الموكَل إليه أمر الناس في دينهم ودنياهم من بعده. فهي ـ لهذا ولذاك ـ تحظى بأهمّيّةٍ استراتيجيّة وغير عاديّة.

مضمون الوصيّة
احتوت هذه الوصيّة الشريفة على ثلاث نصائح هامة وهي:
1- “مَنْ كَشَفَ حجاب غيْره انكشفَتْ عَوْرات بيته”.
2- “ومَنْ سَلَّ سيف البغي قتلَه”.
3- “ومن احتفر لأخيه بئراً سَقَط فيها”.

إنّ هذه النصائح الثلاث تشترك في التعبير عنها بالجملة الشرطيّة، بما تدلّ عليه الجملة الشرطيّة من ترتيبٍ للجزاء على الشرط. فهذه النصائح ـ في حقيقة أمرها ـ إنّما تشير إلى حتميّات كونيّة وتاريخيّة واجتماعيّة ثلاث، أو فقل: إلى ثلاث سنن إلهيّة أجراها الله في خلقه، ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ .

1- كشف العيوب وإفشاء الأسرار:
كلّ إنسان في هذه الدنيا ـ إلّا من عصمه الله تعالى ـ يعاني نقصاً ما وانحرافاً على الصعيد الخُلُقيّ، بحيث تميل نفسه الأمّارة بالسوء بطبعها عن جادّة

الحقّ، وطريق الوسط والاعتدال، وتنحرف إلى إحدى المُهلكتين: الإفراط أو التفريط. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، وكما قال إمامنا زين العابدين عليه السلام في بعض أدعية الصحيفة السجّاديّة: “إلهي إليك أشكو نفساً بالسوء أمّارة، وإلى الخطيئة مبادرة، وبمعاصيك مولعة، ولسخطك متعرّضة، تسلك بي مسالك المهالك، وتجعلني عندك أهون هالك، كثيرة العلل، طويلة الأمل…” .

هذا النقص الخُلُقيّ، وهذا الميل الطبعيّ للنفس الإنسانيّة إلى الانحراف، يجعل في شخصيّة الإنسان عيوباً. ومن الطبيعيّ أن يميل الإنسان، كلّ إنسان، نحو إخفاء عيوب نفسه عن الآخرين، فهو يسعى جهده لأن يُعمي عيون الآخرين عنها، ويضرب عليها حجاباً سميكاً، ويظلّ في قلقٍ من أن يكتشف الآخرون عورات نفسه، وما يُخفيه من عيبه.

وفي الحقيقة، إنّ من يضرب هذا الحجاب على عيوب العبد وعوراته ومعاصيه هو الله تبارك وتعالى، ذلك أنّ “الله حييّ كريم” ، كما ورد في الحديث، فحياء الله تعالى، وغيرته على المؤمن، يجعلان عيوب العبد وذنوبه مستورةً بسترٍ من الله، فستر العيوب صفة من أوصاف الله سبحانه. ورد في الحديث: “إنّ الله تعالى إذا ستر على عبدٍ عورته في الدنيا فهو أكرم من أن يكشفها في الآخرة، وإن كشفها في الدنيا فهو أكرم من أن يكشفها أُخرى” .

وإذا كان الأمر كذلك، فمن أطاع شيطانه ونفسه الأمّارة وتصدّى لكشف حجاب غيره، فقد بارز الله تعالى بالتحدّي، قبل أن يبارز ذلك الغير، وقد أقدم على هتك

حجاب الله وستره، قبل أن يهتك الحجاب الذي ضربه العبد على نفسه. ومن بارز الله بالتحدّي، وانتهك حرمةً من حرمات الله، وكشف حجاباً ضربه الله، قَصَم الله ظهره، وحقّت عليه العقوبة سريعةً معجّلة، وعرّض حرمة نفسه للهتك، فيرفع الله حجابه عن عيوب نفسه، وعن عورات بيته، فتنكشف للآخرين.

وقديماً قيل:
إذا شئْتَ أن تَحْيَى سليماً من الأذى وذنبك مغفورٌ وعِرْضك صَيِّن
لسـانَك لا تـذكرْ به عـورة امرىءٍ فكلّك عورات وللناس ألسن

2- الظلم والبغي:
لا نحتاج إلى كثيرٍ من الكلام للحديث عن قبح الظلم والبغي والعدوان على الآخرين وعاقبته السيئة، فالقرآن الكريم حافل بقصص الأنبياء، ومواجهتهم التاريخيّة مع الظلم والظالمين، وهي كلّها ـ هذه المواجهات ـ كان لها نهاية واحدة، هي: محق الظالمين، وقصْم ظهرهم، وأخذهم أخذاً وبيلاً.

ولا يختصّ الأمر بعصر الأنبياء عليهم السلام ومواجهاتهم فحسب، بل ما من ظالمٍ إلّا وانتهى أمره سريعاً إلى الوبال والهلاك، وما من باغٍ على الناس إلّا وانتقم الله منه، وكانت عاقبة أمره ويلاً وثبوراً.

كلّ تلك الحقائق تؤكّد لنا: أنّ من سلّ سيف الظلم والبغي والعدوان على الناس قتله ظلمه وبغيه وعدوانه، فمن شهر سيف الظلم والبغي، فهو إنّما يشهره ويسلّه على نفسه, إذ هو مَن يُقتل به، دون سواه.

فأمّا المظلوم، فله أجره عند ربّه، فهو إنّما انتقل بسيف الظالم إلى رحمة ربّه.
وأمّا الظالم، فإنّما قتله سيفه الذي هو سلّه وأرداه، وأركسه إلى غضب الله وسخطه.

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ أعجل الشرّ عقوبةً البغي” .

وقديماً قيل: إنّ فرس الباغي عَثور، وعلى الباغي تدور الدوائر.

3- المكر والغدر والخديعة:
المؤمن أخو المؤمن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ، والأخ لا يغدر بأخيه، ولا يمكر به، ولا يكيد له المكائد، ولا يحفر له الحُفَر، ولا يتآمر عليه، ولا يتربّص به الدوائر، ولا يخونه، ولا يخدعه.

قال بعضهم: ثلاث خصالٍ مَنْ كُنّ فيه كُنّ عليه:
1- المكر، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ .
2- النكث، قال تعالى: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ .
3- البغي، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ .

فهذه الخصال الثلاث هي من أسباب دمار أهلها، والعلاقة وثيقة بين الأسباب والمسبّبات، وبين المقدّمات ونتائجها، وهلكة الماكر والباغي أمر يقينيّ محتوم، ومهما طال الأمد فهي مسألة وقت ليس أكثر.

بل إنّ المكر والخديعة، ونظراً لما يكشفان عنه من خبثٍ في النفس، وخسّةٍ في السريرة، ودناءةٍ في الطويّة، فإنّ الله يمقتهما، ولا يطيقهما، فمن ثمّ يبادر هو بنفسه إلى التنكيل بالماكر، وردّ مكره إلى نحره. قال عزّ من قائل: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ .

فمن أراد أن يُردي أخاه، وترصّد به، وحفر له حفيرة، أنجى الله أخاه من تلك الحفيرة – فمن حفر حفرة لأخيه وقع فيها – وارتدّ الأمر على الماكر، فابتلاه الله بمكره وأذلّه وأخزاه.

شاهد أيضاً

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان

قال المولى جل وعلا في الآية (١٨٥)من سورة البقرة ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان ...