الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / مواعظ قرآنية – الإنسان تقواه وتوقعه في التهلكة

مواعظ قرآنية – الإنسان تقواه وتوقعه في التهلكة

فإذا كانت الإجارة من العقود والمعاملات الّتي شُرّعت لصلاح معايش العباد، فلا ينبغي أن يتخلّلها ما يُفسد علاقاتهم ويتطرّق بالتالي إلى إفساد الودّ والألفة فيما بينهم، فهذا ينقض الغرض، ولذلك جعلت الشريعة ضوابط وآداباً لتنظيم هذه المعاملة، وتلافي ما يُمكن أن يحدث من منازعات بين المتعاملين قد تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه سواء على صعيد الدنيا أم الآخرة، ومنها:

 

1- دفع الغرر

 

يجب دفع الغرر وذلك بمعلومية كلٍّ من المنفعة والعوض عليها من دون أن يشوبهما إبهام، وتحديد المدّة. ومن هنا تبنّى مشهور الفقهاء تعريف الإجارة بأنّها: “عبارة عن تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم “4, وقالوا: ثمرتها نقل المنافع بعوض معلوم مع بقاء الملك على أصله5.

 

وهذا واضح الدلالة والحكمة، فإنّ التغرير بالآخرين هو الّذي يفتح باب المنازعة وطريق الشيطان إلى القلوب.

 

2- استحباب مقاطعة الأجير

 

حثّت الشريعة بشكل كبير على مقاطعة الأجير قبل العمل “أي الاتّفاق معه قبل العمل”, وفي رواية الإمام الرضا عليه السلام مبالغة في التأكيد على الاتّفاق بشأن الأجرة قبل الشروع في العمل.

 

فقد روى سليمان بن جعفر الجعفريّ قال:

 

كنت مع الرضا عليه السلام في بعض الحاجة فأردت أن أنصرف إلى منزلي فقال لي: “انصرف معي فبِتْ عندي الليلة”، فانطلقت معه فدخل إلى داره مع المغيب فنظر

 

 

4- القواعد الفقهية، السيّد البجنوردي، ج 4، ص 61.

5- قواعد الأحكام، العلامة الحلّي، ج 2، ص 281.

 

  إلى غلمانه يعملون في الطين أواري “والأريّ بتشديد الياء وبدون التشديد محبس الدابّة” الدوابّ وغير ذلك وإذا معهم أسود ليس منهم، فقال:

 

“ما هذا الرجل معكم؟”

 

قالوا: يعاوننا ونُعطيه شيئاً.

 

قالعليه السلام: “قاطعتموه على أجرته؟”

 

قالوا: لا، هو يرضى منّا بما نُعطيه، فأقبل عليهم (يعنّفهم) وغضب لذلك غضباً شديداً، فقلت: جعلت فداك لم تدخل على نفسك؟ فقال: ” إنّي قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرّة أن يعمل معهم أحد (أجير) حتّى يقاطعوه على أجرته.

 

واعلم أنّه ما من أحد يعمل لك شيئاً بغير مقاطعة ثمّ زدته لذلك الشيء ثلاثة أضعاف على أجرته إلا ظنّ أنّك قد نقّصته أجرته، وإذا قاطعته ثمّ أعطيته أجرته حمدك على الوفاء، فإن زدته حبّة عرف ذلك لك، ورأى أنّك قد زدته”6.

 

ولا يخفى ما في كلام الإمام عليه السلام من تشديد بهذا الشأن، فلا ينبغي التفريط به حتّى لو كان الاعتماد على الثقة بين الطرفين وأنّهما لا يختلفان وذلك لقطع منبت الفساد من جذوره.

وطبعاً هناك روايات أخرى تؤكّد وتُشدّد على هذا الأمر:

 

– فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا استأجر أحدكم أجيراً فليعلمه أجره”7.

 

– وعن الإمام عليّ عليه السلام: “نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يستعمل أجير حتّى يعلم ما أجرته”8.

 

  • وعن الإمام الصادق عليه السلام: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يستعملن

 

6- وسائل الشيعة “الإسلامية”، الحرّ العاملي، ج 31، ص 245.

7- ميزان الحكمة، الريشهريّ، ج 1، ص 26.

8- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج 4، ص 10.

 

  أجيراً حتّى يعلمه ما أجره” 9

 

ويندرج هذا الأمر وهو الحثّ على المقاطعة بين المستأجر والأجير تحت المبدأ الّذي ذكرناه وهو ضمان عدم المنازعة بعد العمل، أو قل تقليص فرصها إلى أقصى الحدود.

 

فالدِّين الحنيف يعمل في أحكامه وتشريعاته وإرشاداته على رفع مقتضيات التنازع وإرساء موجبات الودّ والرضا لكي يحفظ الحياة الإنسانية بأرقى صورها وأجلى قيمها وأبهى حللها، فتتوطّد العلاقات وتسود المحبّة والألفة بين المؤمنين، وتغيب مظاهر التنازع والشحناء وما يتعقّبها من حقد وتباغض..

 

إذاً، من المندوب شرعاً أن نتكلّم بالأجرة سواء كنت أجيراً لأحد، أم كنت مستأجراً له، ولا تستخفّ بهذا المستحبّ، فمثلاً:

 

– إذا استأجرت سيارة لتقلّك إلى مكان، حدّد المنطقة بشكل واضح، واتّفق مع السائق على الأجرة، ولا تقل تلك المقولة الّتي يردّدها أكثر الناس: “سوف لا نختلف” إلّا أنّهم وللأسف كثيراً ما يختلفون عند انتهاء العمل.

 

– إذا استأجرت بنّاء ليبني لك، أو حدّاداً، أو نجّاراً أو أيّ عامل لأيّ حرفة، اتّفق معه على قدر الأجرة.

 

– لا تقل إنّي أستحيي أن أقاطعه، فتبدأ بالعمل قبل أن تُحدِّد الأجرة.

 

تذكّر أنّ الاتّفاق على الأجرة قبل العمل هو من الأحكام الشرعية المستحبّة فطبّقه ولا تتخلّف عن امتثاله ولك ثواب عليه.

شاهد أيضاً

الطريق إلى الله تعالى للشيخ البحراني49

37)وهو سبحانه برأفته ورحمته لك ، لا يرضى لك إلا ذلك المكان الطيّب الطاهر ، ...