الرئيسية / بجوث اسلامية / أصل الغائية مبنى لتعيين الحد الوسط في الأخلاق

أصل الغائية مبنى لتعيين الحد الوسط في الأخلاق

بسم الله الرحمن الرحيم

كنا نفضل ترك البحث في الاختلاف بين الفعل الطبيعي والفعل الخلقي، لندخل في بحث نسبية الأخلاق، ولكن رأينا بعض الأمور التي لم نذكرها هنا فسوف لن تكون لنا فرصة أخرى نذكرها فيها، فلذا أجبرنا على العودة إليها ثانية، وقد طرحت عدة نظريات لابد من توضيحها، وان على كل باحث في التربية أن يحقق هذه الأمور ليحدد جذور وأسس الفعل الخلقي لدى الإنسان، وقد رأينا في النظريات المتقدمة أن البعض منها يرى أن معيار الفعل الخلقي هو إيصال النفع إلى الآخرين، وبعض آخر يعتقد أن الفعل الخلقي هو الناشئ من الإحساس بحب النوع، واعتقد بعض أنه نابع من الأحاسيس الطبيعية، في الواقع أن هذه ترى أن الفعل الخلقي من مقولة الحب، وأظن أنه قد استند في الأخلاق الهندية أكثر من كل شيء على هذه النقطة.

وهناك من يرى أن الأخلاق من مقولة الجمال، وهنا أيضاً عقيدتان كلتاهما ترى عدم انحصار الجمال بالحس، إن الجمال الذي يسترعي الحواس كالجمال البصري أو السمعي، هو جمال حسّي، وان هناك أيضاً جمالاً عقلياً معنوياً، إنه حقاً نوع من الجمال، إلا أنه غير محسوس، بل هو معقول، ومع أن كلتا العقيدتين تشترك في أساس واحد، وهو أن الجمال ليس منحصراً بالمحسوس، بل يشمل المعقول أيضاً، فإن إحداهما تستند على الفعل، فترى أن الجمال صفة في الفعل والعمل، وتقول: إن بعض الأعمال جميلة في ذاتها، فالصدق مثلاً جمال في نفسه، وله جاذبية خاصة، سواء للمتكلم أو للسامع، والصبر أيضاً من هذا النوع، وان الاستقامة وعلو النفس والشكر والحمد والعدل فيها جمال معنوي يجذب إليها، كل إنسان يتحلى بهذه الخصال ينجذب إليه الآخرون، لأنه سيكون جميلاً في نفسه، كما لو ارتدى ثياباً جميلة، فيغدو هو جميلاً أيضاً، فإن التصاق الفعل بالإنسان أشد من التصاق ثيابه به، فهم يرون ـ إذن ـ أن الفعل الخلقي هو الفعل الجميل، فعل يدرك جماله الإنسان بحسه للجمال المعنوي، ومعياره أيضاً في نفس الإنسان لا في شخص آخر.

الروح الجميلة

ويرى آخرون أن الأخلاق من مقولة الجمال، ولكنهم يدخلون الجمال أولاً وبالذات في نفس روح الإنسان، ويقولون: بصورة عاُمة أينما وجد التناسق يوجد الجمال، وتظهر الوحدة، أي توجد للجزء رابطة متناسبة مع الكل، كما أن أجزاء بدن الإنسان ان جاءت على وضع خاص توجد حسن تركيب ورشاقة وجمال، بنحو ينجذب حس الإنسان إليه، وما التناسب في الجسم إلا تناسق الجسد ومجموعة قوى الإنسان وقابلياته الروحية أيضاً إن كانت كل واحدة بمقدارها وحجمها المقرر والمحدد، ويظهر الانسجام وتغدو الروح نفسها جميلة ومطلوبة لنفسه وللذي يشاهدها، ولذا يقولون: إن لكل قابلية وقوة في الإنسان حداً ومقداراً محدداً، فإن جاوزها حدث الإفراط، وإن قصر عنها حصل التفريط فعين الإنسان مثلاً لها حجم معين، فإن صارت أكبر صار الإنسان قبيحاً، وإن صارت أصغر، لم يبد الإنسان جميلاً، وقد رزق الإنسان قوة الغضب، ولهذه القوة حد معين فإن قصرت عن هذا الحد لم يكن غضبه جميلاً، وكان غير متسق، وإن جاوزته فكذلك، إلا أن كلامنا هو في أننا من أين نحصل على هذا المعيار؟ وكيف نعين الحد الأوسط؟ فمثلاً ما هو الحد الوسط لغضب الإنسان؟

يمكن الإجابة بنحوين، أحدهما أن الجمال ليس قابلاً للتعريف مطلقاً، فالذي يدرك الجمال لم يخبر سابقاً بأن الجمال هو أن تكون العين بهذا الشكل والحاجب هكذا و…؟ كلا، إن هذا الشيء يدركه الإنسان بذوقه وينجذب إليه قبل أن يتمكن من تعريفه، إن هذا الأمر بالنسبة إليه أمر عقلي، والجمال العقلي كذلك أيضاً.

أصل الغائية مبنى لتعيين الحد الوسط في الأخلاق

إلا أنه رغم ذلك يمكن أن نجد ضابطاً ومعرفاً وهو أعلى بدرجة من الجمال الحسي، وهو أنه بناءً على أصل الغائية وهي أصل قطعي، تكون كل قوة وقابلية مخلوقة من أجل هدفٍ أو غاية، ومن الجميع تتشكل غاية كلية، ونحن إن أردنا أن نعرف هل أن هذه القوة في الحد الوسط أم في الافراط أو التفريط، علينا أن نكتشف هذه الجهة وهي أن هذه القوة لماذا خلقت؟ إن ما خلقت من أجله هو الحد الوسط، فإن استخدمت لأكثر مما خلقت من أجله فهو إفراط، أو أقل منه فتفريط، مثلاً قوة الغضب التي مثلنا بها، بديهي أنها لم تخلق في الإنسان عبثاً، فلو لم تكن هذه القوة لدى الإنسان فسوف لا يدافع عن نفسه أبداً، وإن لم يدافع ويذب عن نفسه، فسيحكم عليه بالفناء أمام الطبيعة وسائر الحيوانات والبشر، فإذن لابد له من هذه القوة ويدعى أيضاً أن الإنسان إنما يذهب إلى أعماق مندفعاً من قبل قوة شهوانية وميول إيجابية ويخرج منه تدفعه قوة الغضب، فإنه يغوص داخل الماء ليستمتع بالماء ولكنه عندما تنقطع أنفاسه لابد له من التخلص، فتأمره قوة الغضب أن يخرج، فلو لم تكن هذه القوة فإن الإنسان حينما يذهب داخل الماء ويهاجمه الماء، فسوف لا يمكنه الدفاع عن نفسه، أي لا يكون في نفسه حافز يدفعه للدفاع والذب عن نفسه وكذلك بقية وسائر الدفاع.

فإذن قوة الغضب بالمستوى الذي يدافع به الإنسان عن نفسه تكون حداً وسطا، فإن كانت أقل من ذلك يظهر الإنسان بمظهر الضعيف المنهار، وهو حد التفريط والنقص، وإن كانت أكثر من ذلك بحيث يكون الإنسان ذا نزعة عدائية يريد افتراس الآخرين فهو حد الإفراط، إن هذه القوة ليست من أجل أن يعتدي الإنسان على الآخرين، ولا لكي يبقى الإنسان عاطلاً ولا يدافع عن نفسه.

والغريزة الجنسية لها هدف، وطبقاً للدراسات التي أجريت ليست هي بقاء النسل فقط، نعم في الحيوانات الأمر كذلك، ولكن في الإنسان فإن الزوجين اللذين يعيشان معاً لابد أن تحصل بينهما حالة من الألفة والمودة على حد تعبير القرآن ويكونان على مستوى من التراحم يمكن أن يكون أساساً تقوم عليه الأسرة، لتكون منشأً لتوليد النسل، وينشأ الأولاد في هذه البوتقة الكبيرة هذه إحدى غايات الخليقة، فلو استخدمت الغريزة الجنسية لذلك تكون في حدها الوسط، ولو استخدمت لأكثر من ذلك وغدت المسألة طلباً للتنوع، وعلى حد تعبير الأحاديث (ذواقية) فيكون هذا حد إفراطها، وأقل من هذا الحد المتعارف أيضاً يكون نقصاناً فيها، وكذلك سائر القوى في الإنسان.

تقول هذه النظرية لو استخدمت هذه القوى التي يمكن على حدها بمعيار الغائية في الحد الذي لابد لها من أن تكون فيه، في المجموع ستكون روح الإنسان جميلة وإلا فستكون روحه قبيحة، وفرق هذه النظرية عن تلك التي كانت ترى الجمال صفة في الفعل ـ أي يكون الإنسان جميلاً باعتبار فعله ـ هو أن تلك النظرية كانت تقول بحكم السنخية الموجودة بين الطالب والمطلوب، فإن طالب الجميل جميل أيضاً، وأما هذه النظرية فإنها تقول: لا، إن نفس الروح جميلة، والفعل الذي يصدر عنها لابد أن يكون جميلاً، إذ إنه معلول لتلك العلة.

فإذن على نظرية يكتسب الإنسان جماله من فعله، وعلى نظرية أخرى يكسب الفعل جماليته من الإنسان، وعلى كل حال ففي كلتا النظريتين استند إلى أن الأخلاق من مقولة الجمال، ومن هذه الناحية يكون الفعل الخلقي حسناً إن كان جميلاً، وان الإنسان يمتلك غريزة الجمال، وغريزة الجمال ليست محدودة بالجمال الحسي، وإنما تشمل الجمال العقلي أيضاً.

سيطرة الروح والعقل

وهناك نظرية أخرى وهي نظرية استقلال الروح عن الجسد، إن هذه النظرية تبتنى على الأثنينية بين الروح والجسد، وإن الإنسان حقيقة مزدوجة من جوهرين، جوهر باسم النفس أو الروح، والآخر الجسد، وكأنما يوجد نوع اتحاد بين هذين الجوهرين، ولكن بينهما اثنينية أيضاً: إن كمال الروح في أن لا تكون خاضعة لإرادة الجسد، أو أن تكون متأثرة به بشكل قليل، إذ إن الروح باعتقاد أنصار هذه النظرية تكسب كمالاتها من الأعلى، وتستمد الفيض من القوى العليا لا من الجسد السفلي، ويرون أنه لو كانت حالة الروح بالنسبة إلى القوى الجسدية بهذا النحو من التعادل القائم بين جميع القوى فسيحفظ استقلال الروح في مقابل الجسد، وتكون الروح بمثابة الحاكم الذي له رعيه، فيضع رعيته بعضها أمام بعض بنحو لا ينتصر معه هذا على ذلك، وعندها يمكنه أن يحكم باستقلال وحرية، ولكن ما إن يقوى أحد أفراد رعيته، فإنه سيخضعها لسيطرته، إنهم يرون أن أفضل حالة لكمال الروح والنفس في أن لا تتأثر إلا قليلاً بالجسد، وكلما انعدم التأثير كان أحسن، ومن أجل أن تحافظ الروح على استقلالها في مواجهة الجسد، ينبغي عليها أن تجعل تعادلاً بين جميع القوى، عندها يمكن للروح والعقل أن تحكم هذه القوى، وأما لو لم يكن هذا التعادل في البين وأصبح الإنسان شهوانياً وطالباً للجاه، أو بطنانا وعابداً لبطنه فسوف لا يكون حكم العقل والروح نافذاً، بل تغدو الروح تابعة وأسيره لشهوات الجسد.

تناصر هذه النظرية أيضاً تعادل القوى واتزانها، ولكن لا لأجل أن الجمال في هذا التعادل والاتزان، بل لأجل أن استقلال الروح وحكومتها على الجسد يكون فرع هذا التعادل والاتزان. (وبعبارة أخرى: ان الحرية فرع التعاون والاتزان) وأن الأخلاق المعتدلة هي الأخلاق الناشئة من الحكومة المطلقة للعقل على الجسد.

أعتقد القدماء أن جوهر روح الإنسان قوة عاقلة فقط، وإن سائر القوى مادية وجسدية، حتى قوة التصور هي قوى مادية، ويرون أنه عندما يموت الإنسان يبقى جوهر روحه وهو العقل، وأما بقية القوى فتتبع الجسد وتفنى معه، ولكن الملا صدرا لا يرى ذلك.

بناءً على هذه النظرية لا تكون الأخلاق من مقولة الحب ولا من مقولة الجمال، بل من مقولة حرية العقل وحكومته المستقلة، وترجع الروح الخلقية إلى حاكمية العقل على الجسد، وإلى حرية العقل أمام القوى الجسدية.

النظرية الأخرى التي نقلت عن (كانت) هي أن الأخلاق ليست من مقولة الحب ولا من مقولة الجمال ولا مرتبطة بالعقل، بل إنه يعتقد بوجدان خلقي متأصل وبحسٍّ وقوة ملهمة في الإنسان تأمره بشكل مستقل، يقول: إن الحس الخلقي حسنّ مستقل، غير مرتبط بحب النوع ولا بالجمال ولا بالعقل والفكر، بل هو وجدان منح للإنسان، وهذا الحس بنفسه مقولة مستقلة غير هذه الأشياء، راجع إلى مقولة التكليف، إلا أنه تكليف وجداني، تكليف ناشئ من وجدان الإنسان لا من غيره.

النظرية الأخرى التي نقلت هي نظرية تنكر كل هذه النظريات من الأساس، فهي لا تقول باحساسات حب النوع في الإنسان بحيث تكون حقاً غاية فعل الإنسان منافع الآخرين، ولا تعتقد بالجمال المعنوي والمعقول، ولا بالعقل المجرد عن الجسد، ولا بالوجدان الخلقي، بل إنها تعتقد بالفردية التاُمة وتقول: ان الإنسان خلق نفعياً لا يفعل شيئاً إلا لمنفعته الخاصة، واعطي ذكاء ليرشده لأن يحصل على منافعه من الطريق الأفضل والأكثر اطمئناناً، وعندما يزداد ذكاء الإنسان ينتهي إلى الفعل الخلقي، أي الفعل الذي فيه صلاح المجتمع.

ان الإنسان بحكم أنه خلق نفعياً يسعى للحصول على منفعته الخاصة ويجهد دوماً ليحصل من بين المنافع على أحسنها، وأن يختار من بين الضررين الضرر الأقل والأخف شدة، وهو دائماً يتخبط بين النفع والضرر، ليختار الأحسن نسبياً، فيدرك بقوة ذكائه أن الحياة اجتماعية، ولا يمكن العيش خارج نطاق المجتمع، وإنه ان أراد أن يعيش ضمن إطار المجتمع وأن يؤمن احتياجاته فأحسن طريق له هو أن يحترم حدود الآخرين، فينظم نشاطه بشكل يحافظ فيه على حقوقهم أو في الأقل لا يكون فيه إضرار بهم، لأنه يعلم أنه لو أقدم على هذا العمل فسيقابله الآخرون بعمل مماثل، فعلى هذا يكون الفعل الخلقي ناشئاً من الذكاء، إذ يقول للإنسان: إن كنت تريد تحصيل منافعك بأعلى مستوى، فعليك تحصيلها ضمن منافع المجتمع، أي نظم منافعك مع منافع المجتمع، فإن عملت للمجتمع فسوف تؤمن منافعك بشكل أحسن.

على أساس هذه النظرية تكون الأخلاق من مقولة الذكاء الفردي، الذكاء الذي يستخدم في تحقيق منافع الفرد، فإنه يشخص أن منفعة الفرد في منفعة المجتمع، كثيرون هم الذين يفكرون بهذا الشكل ومن جملتهم (راسل) في كتاب باسم (العالم الذي أعرفه).

إن الإشكال المهم الذي أورد على هذا الكلام هو أن الإنسان لا يشكل دائماً صغرى وكبرى كهذه، فإنه يقدم على ذلك فيما إذا كان أضعف من الآخرين، أو تكون قوته مساوية لقوة الآخرين، أما لو كان الإنسان في وضع تكون قوته أكثر من الآخرين فهو في النهاية يطمئن لعدم ردهم المؤثر، إذ إن مقياس إيصال نفعه للآخرين هو تأمين منفعته بشكل أحسن، فعندما يرى أنه لو سرق حقوق الآخرين أو استثمرهم أو اعتدى على حدودهم تضمن مصالحه بشكل أحسن، فمن المسلم أنه سيختار هذا الطريق، فعلى هذا لا يمكن أن يكون هذا الطريق صحيحاً ومطمأناً به، فمن الممكن أن يعتقد شخص أن من الخطأ أن تكون للإنسان أخلاق، ولكن لو ادعى مثل (راسل) أن يأتي بأساس للأخلاق يريد أن يربي الناس عليه دون أن يتحلوا حقاً بالأخلاق الاجتماعية، فإن هذا الطريق ليس صحيحاً.

طرق التربية في العقائد المختلفة

مع الالتفات إلى العقائد التي ذكرناها، لو أردنا أن نربي أفراد المجتمع تربية خلقية صحيحة، فعلى بعض العقائد علينا أن نسعى لتقوية إحساسهم بحب النوع، ترى هذه العقيدة أن جذور الأخلاق هي الإحساس بحب النوع، فلابد من تقوية هذه الأحاسيس، ولابد من اعدام موجبات البغض والعداء.

ومن يعتقد أن الأخلاق من مقولة الجمال يقول: إن جذور الأخلاق وجدان مستقل يرى أن نفس الأخلاق ينبغي تنميتها، وطريق ذلك هو أن كل غريزة عندما نزيد من نشاطها فإنها تنمو، فإذن لابد من الإكثار من أعمال الخير لينمو ذلك الوجدان.

وان من يعتقد بالروح المجردة يقول: إن أردتم أن تضعوا أساساً صحيحاً للأخلاق علموا الإنسان أن له روحاً وجسداً، وان كمال روحه غير كمال جسده، أنه يموت وتبقى بعده روحه، فإذن يجب أن يشرع بأساس التربية من الروح الباقية والمستقلة عن الجسد.

ومن يعتقد أن الأخلاق هي الذكاء يقول: لابد من إفهام الناس أن منافعهم كامنة في رعاية حقوق المجتمع، فإذن طريق التربية يختلف بناءً على كل واحدة من هذه العقائد.

الأخلاق المذهبية

يدعي بعض أن الفعل الخلقي مساو للفعل الديني، وفي هذه الصورة يكون جميع ما ذكرناه سابقاً خطأ، فكل فعل ديني هو فعل خلقي، وإلا فليس خلقياً، فلا أقل من أن نأخذ بعض الأفعال الدينية بنظر الاعتبار، وهي الأفعال الدينية التي أخذ فيها نفع الآخرين بنظر الاعتبار، وبالتالي فإن أساس كون الفعل خلقياً هو كونه دينياً، فإذن لا يمكننا أن نحصل على أخلاق علمية، فلسفية وعقلية، وإنما فقط وفقط يمكننا أن نحصل على أخلاق مذهبية.

طبعاً يمكن تقرير هذا الأمر بنحوين: الأول: ما يقرره (ول ديورانت) من أن الأخلاق القديمة كانت أخلاقاً دينية، إذ إنها كانت مبتنية على الخوف والطمع في ما يخص عالم الآخرة، إنها تقرر: قل الحق، ولا تكذب إذ إنك لو كذبت ستعاقب في الآخرة، كن أمينا حتى تحصل على ثواب عملك في عالم الآخرة.

هذه النظرية شبيهة جداً بنظرية مضادة ـ للأنا ـ وهي نظرية أمثال (راسل) إذ لم يكونوا يرون أية جذور للأخلاق في روح الإنسان، وكانوا يقولون: إن الإنسان خلق نفعياً ولا يمكنه أن يختار سوى الطريق الذي يمكنه من تحقيق منافعه، ولأجل أن يقدم على عمل فيه منفعة الآخرين عليه أن يستفيد من ذكائه واحساسه النفعي لوعي هذا الأمر هو أن منفعتك كامنة في رعايتك لحقوق الآخرين، هذه النظرية في الحقيقة تريد أن تقول أيضاً: إن الإنسان خلق نفعياً ولابد له أن يستفيد أخلاقياً من حسه النفعي ولكن لا عن طريق الذكاء والعقل، بل عن طريق الإيمان، لابد أن يقال له: أيها الإنسان: أيها النفعي، هناك عالم آخر، فإن أقدمت على العمل الفلاني ستتضرر فيه، وان أقدمت على العمل الآخر فإنك ستحصل على ثواب كبير في عالم الآخرة. إذن لابد أيضاً من الاستفادة من حسه النفعي، وجعل الخوف والطمع كفيلاً وضامناً لممارسة الأعمال الخلقية واقرارها.

النحو الثاني: هو أن الأخلاق الدينية لا تريد أن تستفيد من الاحساسات النفعية لدى الإنسان، بل إنها تريد أن تستفيد من إحساسه العبودي لله الموجود في كل إنسان بالفطرة، التي جبل عليها من الإيمان المرتكز في شعوره.

المذهب دعاُمة الأخلاق

إن أغلب هذه النظريات صحيحة من جهة وغير صحيحة من جهة أخرى، فإنها تكون صحيحة بأجمعها فيها إذا كانت مستندة إلى اعتقاد ديني، فإن الله في رأس سلسلة المعنويات وهو الذي يثيب على الأعمال الحسنة، والإحساس بحب النوع وهو أمر معنوي إنما يتجلى في الإنسان إذا كان معتقداً بالمعنويات أي إذا اعتقد بالله، حينئذ يمكنه أن يحب الناس، فالاعتقاد الديني دعاُمة للقواعد الخلقية، فإن لم نقل بحقيقة جمال مطلق معقول ومعنوي اسمه الله، لا يمكننا أن نؤمن بجمال معنوي آخر، فجمال الروح المعنوي أو جمال الفعل المعنوي، إنما يتحقق معناه إذا اعتقدنا بالله، فإن لم يكن الله موجوداً فلا معنى لأن يكون الفعل جيداً وجميلاً في الدنيا فقط، وأساساً إن الفعل الجميل معناه الفعل الذي يسطع عليه شعاع من نور الله، الوجدان الخلقي الذي يراه (كانت) أيضاً ما لم يعتقد الإنسان بالله لا يتحقق له معنى لدى الإنسان، هؤلاء بأجمعهم يقولون للإنسان: إن الحق هذا، حسناً لو لم يكن هناك شيء غير المادة، فسوف لا يكون هناك معنى للحق والحقيقة، ولو كان اعتقاد بالمعاد لاستقامت نظرية الذكاء، فوفقاً لها خلق الإنسان نفعياً ولا يريد سوى منفعته، فإنه سيبدأ حساباته في أية جهة سيكون النفع في نهاية الأمر، وإن كان هناك اعتقاد بالعدل الإلهي فإن هذا الإحساس سيكون ضامناً جيداً لإقرار الأخلاق، ولكن عندما لا يكون هذا الاعتقاد موجوداً وينحصر كل الوجد في هذه الدنيا، فقد يعتقد الإنسان في ظل ظروف معينة أن نفعه في أن يحقق أيضاً منافع الآخرين، فإذن هذه النظرية أيضاً تعطي تلك النتيجة النهائية فيما إذا كان في البين اعتقاد بالله والعدل الإلهي.

تعريف الفعل الخلقي

فعلى هذا تكون جميع هذه النظريات واهية، إلا إذا استقرت على أساس من الاعتقاد الديني والاعتقاد بالله، فحينئذ يمكن أن نرتضيها بأجمعها ونقول بصحتها، ولا توجد ضرورة في حصر الفعل الخلقي بواحدة منها.

إن الفعل الخلقي هو ذلك الفعل الذي لا يكون الهدف منه هو المنافع المادية والفردية، سواء فعله الإنسان لأجل إحساسه بحب النوع أو لأجل جمال الفعل أو لأجمل جمال روحه أو لأجل استقلال روحه وعقله أو لأجل الذكاء فإذا لم تكن في البين (الأنا) والمنفعة الفردية، يكون الفعل خلقياً، وعلى هذا لا توجد ثمة ضرورة تلجئنا لاختيار واحدة من تلك العقائد، بل إن الفعل الخلقي هو الفعل الذي لا يكون هدفه تحصيل المنافع المادية الدنيوية سواء كان الأثر الذي ينشأ منه في هذه الدنيا هو إيصال النفع إلى الغير أو أي شيء آخر.

وبناءً على هذا الجذر الرئيس الذي يجب سقيه هو الاعتقاد بالله، وفي ضوء الاعتقاد بالله لابد من تقوية إحساس حب النوع وتنمية حس الجمال، وكذلك تقوية الاعتقاد بالروح المجردة، والعقل المجردة، والعقل المستقبل عن الجسد، والاستفادة حتى من الحس النفعي لدى الإنسان كما صنع ذلك في الأديان، فإنكم ترونه أنه استفيد في الأديان من الحس النفعي لدى البشر وأيضاً من حس الهرب من الضرر لصالح أخلاق الإنسان.

.