الرئيسية / الاسلام والحياة / زادُ السَّالك وصيّةُ الفيضِ الكاشانيّ

زادُ السَّالك وصيّةُ الفيضِ الكاشانيّ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

 

رويَ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “.. من أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه نجا، ومن أراد به الدنيا فهي حظه”1.

 

إذا كان العلم إنّما يُطلب في حقيقته لأجل الوصول إلى العبادة والمعرفة الحقيقيّة بالله تعالى وأسمائه وصفاته، والّتي بها يتحقّق

1- الكليني: الكافي، ج1، ص46.

 كمال الإنسان الّذي خُلق لأجله، فإنّه يغدو عنصراً أساساً ومهمّاً لا بدّ للإنسان أن يدقّق عمّن يأخذه كيلا ينحرف عن بلوغ مقصده وتحقيق غايته، حاله من هذه الجهة كحال الطعام الّذي لا بدّ أن يتفحّصه ليكون غذاءً لجسده، لا أن يتحوّل إلى مادّة سامّة تضرّ بالجسد وتحرفه عن مزاجه الصحيح والسليم… ولذا ورد عن زيد الشحّام عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ2 قال: قلت: ما طعامه؟ قال: “علمه الّذي يأخذه عمّن يأخذه”3.

 

ومن هنا تأتي أهميّة التدقيق في المناهج السلوكيّة والأخلاقيّة، فإنّها في الوقت الّذي يحتاج إليها الإنسان لتحديد الطريق الموصل إلى الهدف، تشكّل خطورة تتمثّل في الانحراف والابتعاد عن تعاليم

2- سورة عبس، الآية: 24.

3- الحرّ العاملي: وسائل الشيعة، ج18، ص43، باب 7 من أبواب صفات القاضي الحديث 10.

 الدِّين والشريعة الغرّاء.

 

ويستطيع الإنسان تحصين نفسه من التيه والضلال والانحراف. بالمحافظة على الموازين العامّة، كأحكام العقل القطعيّة، وتعاليم الثقلين: الكتاب والعترة الطاهرة اللذَين من تمسّك بهما نجا ومن تخلّف عنهما غرق وهوى.

 

وحيث كان لهذا العلم أهله وأربابه، وهم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام بالأصالة، والعلماء العاملين والسائرين على نهجهم بالتبع؛ فإنّ أخذ العلم عن أهله يشكّل حصانة للنجاة تضاف لما سبق ذكره، كما أشير إليه في الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “من أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه نجا”…

 

وقد وجدنا العديد من علمائنا الكبار الّذين هم أهل العلم

 وفرسان ساحته في ميدان العمل، قد كتبوا بعضاً من الوصايا أو الرسائل الأخلاقيّة والسلوكيّة، والّتي استندوا فيها إلى الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الواردة عن النبيّ وعترته الطاهرة عليهم السلام.

 

فأحببنا أن نجمع ما يتسنّى لنا جمعه منها ونضعه بين يدي القارئ العزيز لما فيه من الموعظة والعبرة والفائدة حيث إنّهم يمثلون القدوة بعد الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، عسى أن يكون ذكرى نافعة لنا وله، وجهداً متواضعاً في طريق التذكير النافع للمؤمنين  ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾4.

4- سورة الذاريات، الآية: 55.

عملنا في هذه الرسالة (الوصيّة):

  1. أخذنا النصّ المعرّب من شرح المحدّث الأرمويّ لهذه الرسالة.

  2. قمنا بتدقيق النصّ مجدّداً وإعادة تعريب العديد من فقراته.

  3. خرّجنا العديد من مصادر الروايات الّتي أشار إليها المصنّف في المتن.

  4. أضفنا بعض الروايات الّتي رأينا مناسبتها لما هو مذكور في الرسالة أو كونها توضّح بعض مطالبها، دون أن نستقصي كلّ شيء في هذا المجال.

  5. قمنا بذكر ترجمة حياة المولى الفيض الكاشانيّ في آخر هذه الرسالة.

 

مركز نون للتأليف والترجمة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾1

 

أمّا بعد، فهذه الرسالة الموسومة بـ “زاد السالك” كتبت جواباً لسؤال أحد الأخوة الروحانيّين الذي كان قد سأل عن كيفيّة سلوك طريق الحقّ.

 

إعلم- أيّدك الله بروح منه- كما أنّ للسفر الصوري2 مبدأ ومنتهى، ومسافة ومسير، وزاد وراحلة، ورفيق ودليل،

1- سورة النمل الآية 59.

2- أي السفر المتعارف وهو الانتقال من مكان إلى مكان ومن بلد إلى بلد.

 فكذلك للسفر المعنوي الذي هو سفر الروح نحو الحقّ سبحانه وتعالى جميع هذه الأمور.

 

فمبدأه: الجهل والنقصان الطبيعي الذي أُخرج معه من بطن أمّه:﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا3.

 

ومنتهاه: الكمال الحقيقي الذي هو فوق جميع الكمالات، وهو الوصول إلى الحقّ سبحانه وتعالى:﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى4.

 

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيه5.

3- سورة النحل، الآية 78.

4- سورة النجم، الآية 42.

5- سورة الإنشقاق، الآية 6.

ومسافة الطريق في هذا السفر: هي مراتب الكمالات العلميّة والعمليّة التي تطويها الروح شيئاً فشيئاً، فيما لو كانت موافقة لصراط الشرع المستقيم الذي هو طريق الأولياء والأصفياء.

 

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ6.

 

وهذه الكمالات مترتّبة بعضها على بعض، فلا يمكن الانتقال إلى الكمالات المتأخّرة ما لم يُطو الكمال المتقدّم.

 

ومنازل هذا السفر: هي الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة، حيث يحصل الترقّي والانتقال في أحوال ومقامات

6- سورة الأنعام، الآية 153.

 الروح من كلّ منزلة إلى المنزلة التي فوقها بشكل تدريجي:

 

والمنزل الأوّل هو اليقظة والّتي هي عبارة عن المعرفة، والمنزل الأخير هو التوحيد الذي هو عبارة عن المقصد الأقصى لهذا السفر.

 

وتفاصيل هذه المنازل ودرجاتها مذكورة في كتاب “منازل السائرين”7.

 

ومسير هذا السفر: هو السعي التامّ والجهد البالغ وانتخاب الهمّة في قطع هذه المنازل بمجاهدة النفس ورياضتها؛ بحمل أعباء التكاليف الشرعيّة من الفرائض والسنن والآداب ومراقبة النفس ومحاسبتها آناً فآناً ولحظة

7- وهو للخواجة أبي إسماعيل عبد الله الأنصاري، وعليه شروح عديدة من أشهرها شرح منازل السائرين لكمال الدين عبد الرزاق القاساني (الكاشاني)، وشرحه الآخر لعفيف الدين سليمان التلمساني.

 فلحظة، وحصر الهموم وجعلها همّاً واحداً والانقطاع إلى الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾8.

 

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا9.

 

وزاد هذا السفر: هو التقوى، ﴿تَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى10.

 

والتقوى عبارة عن القيام بما أمر به الشارع والاجتناب عمّا نهى عنه عن بصيرة، ليكون القلب بنور الشرع وصيقل11 تكاليفه مستعدّاً لتلقّي فيوض المعرفة من الحقّ عزّ وجلّ.

8- سورة المزمل، الآية 8.

9- سورة العنكبوت، الآية 69.

10- سورة البقرة، الآية 197.

11- صقله جلاه، فهو مصقول وصقيل وصيقل: شحاذ السيوف وجلائها.

﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ12.

 

وكما أنّ المسافر الصوري ما لم يحصل على قوّة البدن من الزاد لا يقدر على قطع الطريق، فكذلك المسافر المعنوي ما لم يقم بالتقوى والطهارة الشرعيّة ظاهراً وباطناً، ويقوّي الروح بها، فلن تُفاض عليه العلوم والمعارف والأخلاق الحميدة المترتبة على التقوى، والّتي تحصل التقوى منها أيضاً- لا على سبيل الدور- ومَثَله كمثل شخص كان في ليلة مظلمة، بيده مصباح، يرى بنوره طريقاً ويمشي فيه، وكلّما يرفع قدماً تُضاء له قطعة من ذلك الطريق فيمشي فيها، وهكذا. وما لم يرفع قدمه ويمشي فلا ضياء، وما لم يُضاء له فلا يقدر على المشي. فتلك الرؤية بمنزلة المعرفة، وذلك السير بمنزلة العمل والتقوى.

12- سورة البقرة، الآية 282.

من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم13.

 

إنّ العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل14.

 

“لا يقبل الله عملاً إلا بمعرفة، ولا معرفة إلا بعمل، فمن عرف دلّته المعرفة على العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له، ألا إنّ الإيمان بعضه من بعض” كذا عن الصادق عليه السلام 15.

 

وكما أنّ من لا يعرف الطريق في السفر الصوري لا يصل إلى المقصد، فكذلك من لم تكن له بصيرة في العمل في السفر المعنوي لا يصل إلى المقصد.

 

“العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا يزيده

13- في التوحيد للشيخ الصدوق ص 416 عن الإمام الصادق عليه السلام: “من عمل بما علم كفي ما لم يعلم”.

14- المجلسي، بحار الأنوار، ج 1، ص 79.

15- الكليني، الكافي ج 1 ص 44.

 كثرة (سرعة) 16 السير إلا بُعداً”17.

 

وراحلة هذا السفر: هي البدن وقواه، فكما أنّ في السفر الصوري إذا كانت الراحلة ضعيفة وفيها علّة لا يمكنها طيّ الطريق، فكذلك في هذا السفر إذا لم يكن البدن صحيحاً وقويّاً لا يمكنه الاتيان بأيّ عمل. فإذاً تحصيل المعاش ضروريّ من هذه الجهة. وما هو ضروريٌّ واجب بمقدار الضرورة.

 

إذاً، فطلب الفضول في المعاش مانع من السلوك. والدنيا المذمومة التي ذكروا التحذير منها هي عبارة عن ذلك الفضول الذي هو وبال على صاحبه. وأمّا المقدار الضروريّ منه فداخل في أمور الآخرة وتحصيله عبادة.

 

وكما أنّ من ترك راحلته ترعى كيف تشاء فإنّه لا يطوي

16- ما بين الهلالين أثبتناه من الكافي.

17- الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام كما في الكافي للكليني ج 1 ص 43.

 الطريق، فكذلك في هذا السفر إذا ترك بدنه وقواه تفعل كلّ ما تشتهيه، ولم تُقيّد بالآداب والسنن الشرعيّة، ولم يمسك لجامها بيده، فإنّه لا يطوي طريق الحقّ.

 

ورفاق هذا الطريق: هم العلماء والصلحاء والعبّاد السالكون الذين يمدّ أحدهم الآخر ويعين بعضهم بعضاً، فليس كلّ شخص يمكنه الاطلاع بسرعة على عيب نفسه، ولكنّه يقف بسرعة على عيب غيره. إذاً، فإذا قام عدّة أشخاص ببناء أنفسهم سويّة وأخبر أحدهم الآخر بعيوبه وآفّاته فإنّ الطريق يُطوى لهم بسرعة، ويأمنون من اللصّ وسارق الدِّين، فإنّ الشيطان إلى المنفرد أقرب منه إلى الجماعة، و”يد الله على الجماعة18.

18- ورد في بعض كلمات أمير المؤمنين عليه السلام للخوارج: “وخير الناس فيَّ حالاً النمط الأوسط، فالزموه والزموا السواد الأعظم فإنّ يد الله على الجماعة. وإيّاكم والفرقة فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب”. أنظر نهج البلاغة الخطبة رقم 127.

وإذا خرج أحدهم عن الطريق فسيخبره الآخر بذلك وأمّا إذا كان وحيداً فهيهات أن يقف على ذلك.

 

ودليل هذا الطريق: هو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الأئمّة المعصومين عليهم السلام الّذين هم أدلّاء الطريق، وقد وضعوا السنن والآداب، وأخبروا عن مصالح الطريق ومفاسده، وسلكوا هذا الطريق بأنفسهم، وقد طلب من الأمّة الاقتداء والتأسّي بهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ19. ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ20.

19- سورة الأحزاب، الآية 21.

20- سورة آل عمران، الآية 31.

التوصية بخمس وعشرين أمراً

هي أصول لتهذيب النفس:

 

الأوّل: المحافظة على الصلوات الخمس، أعني إقامتها في أوّل الوقت جماعة بسننها وآدابها. فإذا أخّرها عن أوّل وقتها من غير عذر وعلّة، أو لم يحضر الجماعة، أو ضيّع سنّةً من سننها أو أدباً من آدابها إلا نادراً 21، فإنّه يخرج عن سلوك الطريق، ويكون حاله مساوياً لحال سائر العوام التائهين في صحراء الجهالة والضلالة، لا علم له بمقصد ولا طريق، وسوف لن يترقّى أبداً.

21- أي إلا ما كان تضييعه من تلك السنن والآداب نادراً، واستظهر بعضهم كون إلا هنا بمعنى ولو، أي ولو كان تضييعه قليلاً ونادراً، وهو بعيد.

الثاني: المحافظة على صلاة الجمعة والعيدين والآيات مع اجتماع الشرائط- إلا مع العذر المسقط- فقد ورد أنّه: “إذا ترك الجمعة ثلاثاً متواليات بغير علّة طبع الله على قلبه22.

 

الثالث: المحافظة على النوافل المعهودة للرواتب اليوميّة والتي عُدَّ (في بعض الروايات) تركها معصية23، إلا أربع ركعات من نافلة العصر وركعتين من نافلة المغرب والوتيرة، فإنّ تركها من غير عذر جائز أيضاً.

22- الحرّ العاملي، وسائل الشيعة ج 7 ص 298، باب 1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها الحديث رقم 11. عن الإمام الباقر عليه السلام.

23- كما عبّرت بذلك بعض الروايات، أنظر: الحرّ العاملي، وسائل الشيعة ج 3 ص 42، باب 14 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها وما يناسبها حديث 1، وقد صرح الشيخ النراقي في المستند بأنه يجوز تركها بدون عذر إجماعاً، وأنّ التعبير بالمعصية للتأكيد في فعلها، (مستند الشيعة ج 5 ص 428) وقال الشيخ البهائي رحمه الله: ولعلّ إطلاق المعصية عليها للمبالغة وتغليظ الكراهة، أو لأنّ ترك النوافل بالمرة معصية حقيقة لما فيه من التهاون بأمر الدين كما قاله الأصحاب. (الحبل المتين ص 133).

الرابع: المحافظة على صوم شهر رمضان وإكماله كذلك بضبط اللسان من اللغو والغيبة والكذب والكلام البذيء ونحوها، وكذا ضبط سائر الأعضاء من الظلم والخيانة والإفطار على الحرام والشبهة، أكثر من سائر الأيّام.

 

الخامس: المواظبة على صيام السنّة، وهو الأيّام الثلاثة المعهودة من كلّ شهر، والتي تعادل صوم الدهر، ولا تترك من غير عذر، وإذا تركها قضاها أو تصدّق بدلها بمدٍّ من الطعام24.

24- عن محمّد بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: “كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصوم حتّى يقال: لا يفطر ويفطر حتّى يقال: لا يصوم، ثمّ صام يوماً وأفطر يوماً، ثمّ صام الاثنين والخميس ثمّ آل من ذلك إلى صيام ثلاثة أيّام في الشهر، الخميس في أوّل الشهر، وأربعاً في وسط الشهر، والخميس في آخر الشهر، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ذلك صوم الدهر..الحديث”. (الحر العاملي، وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الصوم المندوب الحديث 5). وعن عيص بن القاسم قال: سألته عمّن لم يصم الثلاثة أيّام من كلّ شهر وهو يشتدّ عليه الصيام، هل فيه فداء؟ قال عليه السلام: “مدّ من طعام في كلّ يوم”. (الحرّ العاملي، وسائل الشيعة باب 11 من أبواب الصوم المندوب الحديث 1).

السادس: المحافظة على الزكاة على وجه لا يجوز معه التأخير والتأنّي إلا مع العذر كفقدان المستحقّ أو انتظار أفضل المستحقّين ونحو ذلك.

 

السابع: المواظبة على إنفاق الحقّ المعلوم من المال، أعني ما هو مقرّرٌ إعطاؤه للسائل أو المحروم، في كلّ يوم أو في كلّ أسبوع أو في كلّ شهر بالقدر المناسب، وبالشكل الّذي لا يؤدّي إلى الإخلال به. وإذا لم يطّلع أحد على ذلك أيضاً فهو أفضل.

 

﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ25.

 

وفي الحديث أنّه غير الزكاة26.

25- سورة المعارج، الآيتان 24 – 25.

26- أنظر، الكليني، الكافي ج 3 ص 499.

الثامن: المحافظة على حجّة الإسلام، وكذلك المبادرة إليها في سنة وجوبها، ولا يجوز تأخيرها من غير عذر.

 

التاسع: زيارة القبور المقدّسة للنبيّ والأئمّة المعصومين عليهم السلام وخصوصاً الإمام الحسين عليه السلام فقد جاء في الحديث:

“لو أنّ أحدكم حجّ دهره ثمّ لم يزر الحسين بن علي عليه السلام لكان تاركاً حقّاً من حقوق الله وحقوق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّ حقّ الحسين عليه السلام فريضة من الله واجبة على كلّ مسلم27.

 

وجاء في حديث آخر:

“إنّ لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام

27- الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام كما في كامل الزيارات لابن قولويه ص 238.

 الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم”28.

 

العاشر: المحافظة على حقوق الإخوان وقضاء حوائجهم، وقد أُكّد عليه بشدّة، بل لقد قُدّم على أكثر الفرائض29.

 

الحادي عشر: تدارك ما فات من الأمور المذكورة مهما أمكن حينما ينتبه إلى ذلك.

 

الثاني عشر: تهذيب نفسه عن الأخلاق الذميمة مثل الكبر والبخل والحسد وأمثال ذلك من خلال الرياضة والمضادّة، وتقييدها بالأخلاق الحميدة كحسن الخلق والسخاء والصبر وغير ذلك حتّى تصير ملكة.

28- الرواية عن الإمام الرضا عليه السلام كما في كامل الزيارات لابن قولويه ص 237.

29- عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: “احرصوا على قضاء حوائج المؤمنين، وإدخال السرور عليهم، ودفع المكروه عنهم، فإنّه ليس شيء من الأعمال عند الله عزَّ وجلَّ بعد الإيمان، أفضل من إدخال السرور على المؤمنين”(المحدث النوري، مستدرك الوسائل ج 12 ص 403).

الثالث عشر: ترك المنهيّات جملةً، وإذا وقعت منه معصية على سبيل الندرة فليتداركها سريعاً بالاستغفار والتوبة والإنابة ليصير محبوب الحقّ تعالى.

 

﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾30.

 

و”إنّ الله يحبّ كلّ مفتن توّاب31.

 

الرابع عشر: ترك الشبهات الموجبة للوقوع في المحرّمات وقد قالوا:

“من ترك أدباً حُرِمَ من سنّة، ومن ترك سنّة حُرِمَ من فريضة”.

30- سورة البقرة، الآية 222.

31- عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: “إن الله يحبّ العبد المفتن التوّاب ومن لم يكن ذلك منه كان أفضل”(الكليني، الكافي ج 2 ص 435).

الخامس عشر: عدم الخوض في “ما لا يعني” الموجب للقسوة والخسران. وفي الحديث:

“من طلب ما لا يعنيه فاته ما يعنيه32.

 

وإذا صدر منه ذلك غفلة فليتداركه بعد التنبّه بالاستغفار والإنابة.

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُون33.

 

وما لم ينته عن مجالسة البطّالين والمغتابين والّذين لا يبالون بما يقولون فإنّه لا يتخلّص ممّا لا يعنيه. وهو لا شيء

32- عن أمير المؤمنين عليه السلام: “من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه”(الريشهري، ميزان الحكمة ج 4 ص 2791، عن غرر الحكم للآمدي).

33- سورة الأعراف، الآيتان 201- 202.

 مثله في إحداث القسوة والغفلة وتضييع الوقت.

 

السادس عشر: ليكن شعار بناء الذات هو: قلّة الأكل وقلّة النوم وقلّة الكلام، والّتي لها دخل تامّ في تنوير القلب34.

 

السابع عشر: تلاوة مقدار من القرآن في كلّ يوم، وأقلّه خمسين آية35 بتدبّر وتأمّل وخضوع، وإذا وقع بعض ذلك في الصلاة كان أفضل.

 

الثامن عشر: أن يكون له مجموعة من الأذكار والدعوات بحيث يجعلها ورداً له في أوقات معيّنة، خصوصاً بعد صلوات

34- عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال: “إذا أراد الله سبحانه صلاح عبده، ألهمه قلّة الكلام، وقلّة الطعام، وقلّة المنام” (المحدّث النوري، مستدرك الوسائل ج 16 ص 213، عن غرر الحكم للآمدي).

35- عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “القرآن عهد الله إلى خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده وأن يقرأ منه في كلّ يوم خمسين آية” (الكليني، الكافي ج 2 ص 609).

 الفريضة. وإن استطاع أن يجعل لسانه في أكثر الأوقات مشغولاً بذكر الحقّ تعالى- وإن كانت جوارحه مشغولة في أعمال أخرى- فتلك هي السعادة.

 

ونُقل (في حال) الإمام محمّد الباقر عليه السلام أنّ لسانه في أكثر الأوقات كان مشغولاً بذكر الكلمة الطيّبة (لا إله إلا الله) إن أكل شيئاً أو تكلّم بشيء أو كان يسير في الطريق إلى غير ذلك36، فهذا عون وإمداد قويّ للسالك. وإذا كان الذكر القلبيّ مقارناً للذكر اللسانيّ فإنّه سينال فتوحات كثيرة في زمن قصير، ليتمكّن من السعي بأن يكون متذكّراً للحقّ لحظة بعد لحظة لئلّا يغفل. وليس هناك من أمر يبلغ هذا في

36- عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: “وكان أبي عليه السلام كثير الذكر، لقد كنت أمشي معه وإنّه ليذكر الله، وآكل معه الطعام وإنّه ليذكر الله، ولقد كان يحدّث القوم (و) ما يشغله ذلك عن ذكر الله، وكنت أرى لسانه لازقا بحنكه يقول: لا إله إلا الله. وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتّى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا، ومن كان لا يقرأ منّا أمره بالذكر” (الكليني، الكافي ج 2 ص 499).

 السلوك. وهو مددٌ قويّ في ترك مخالفة الحقّ سبحانه وتعالى بالمعاصي.

 

التاسع عشر: صحبة العالم وسؤاله والاستفادة من العلوم الدينيّة بقدر طاقته؛ ليتمكّن من السعي في زيادة بعض من العلم إلى علمه. “أكيس الناس من جمع علم الناس إلى علمه37.

 

وأن يعدّ صحبة الأعلم منه فوزاً عظيماً له، وإذا وجد عالماً عاملاً بعلمه فليحسب اتّباعه له أمراً لازماً عليه وأن لا يخرج عن حكمه. وما يقوله الصوفيّة عن “الشيخ” هو عبارة عن مثل هذا الشخص.

 

والمراد من العلم علم الآخرة لا علم الدنيا. وإذا لم

37- عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: “سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن أعلم الناس، قال: من جمع علم الناس إلى علمه”(الصدوق، الخصال ص 5).

يجد مثل هذا الشخص ولم يحصل على من هو أعلم منه، فليصحب الكتاب والناس ذوي السيرة الصالحة؛ ليكتسب منهم الأخلاق الحميدة. وكلّ صحبة تذكّر بالحقّ والنشأة الآخرة فلا يضيعنّها من يده.

 

العشرون: معاشرة الناس بحسن الخلق والانشراح؛ لكي لا يكون ثقيلاً على أحد، ويحملون أفعاله على حسن الظنّ، وأن لا يُسيء الظنّ بأحد.

 

الحادي والعشرون: أن يكون شعاره في بناء ذاته: الصدق في الأقوال والأفعال.

 

الثاني والعشرون: التوكّل على الحقّ سبحانه وتعالى في جميع الأمور، وعدم النظر إلى الأسباب، والإجمال في طلب الرزق وعدم الجدّ كثيراً في ذلك، وأن لا يذهب بأفكاره بعيداً

فيه، وأن يقنع بالقليل ويترك الفضول إلى حدّ الإمكان.

 

الثالث والعشرون: الصبر على جفاء الأهل والأقارب، وأن لا يكون متسرّعاً منفعلاً شرس الطبع، ومهما ازداد الجفاء وتلقّاه بعدم المبالاة فإنّ ذلك يبلغ به إلى الغاية بشكل أسرع.

 

الرابع والعشرون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقدر الوسع والطاقة، ومشاركة الآخرين في أفراحهم وأحزانهم وإشراكهم مع نفسه في السلوك إذا كان لديه قوّة نفسيّة، وإلا فليجتنب صحبتهم، مع المداراة والتقيّة، لئلّا يؤدّي ذلك إلى حصول الوحشة.

 

الخامس والعشرون: تنظيم أوقاته، وأن يكون له ورد في كلّ وقت من الليل والنهار حتّى لا تضيع أوقاته “فإنّ كلّ

وقت تابع للموقوت له” وهذا أمر أساس في السلوك. وهو الّذي وصلنا عن المعصومين عليهم السلام أنّهم كانوا يفعلونه بأنفسهم ويدعون غيرهم إليه. وأمّا الالتزام بالأربعين يوماً وعدم أكل ما هو حيواني و“ذكر الضروب الأربعة” وغير ذلك ممّا هو منقول عن الصوفيّة، فهو لم يرد عنهم عليهم السلام.

 

والظاهر أنّ بعض المشايخ أمثال هؤلاء كانوا يأمرون به بسبب ما يرونه مناسباً لنفوس بعضهم في سهولة السلوك. ومن المحتمل أن يكون مستند الالتزام بالأربعين يوماً هو حديث:

من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه38.

38- المجلسي، بحار الأنوار ج 53 ص 326، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه: “من أخلص العبادة لله”.

ومستند ترك الحيواني: “لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوانات” ونحوها39. ولا شكّ في أنّ قلّة أكل اللحوم والجلوس في الخلوة وفراغ البال والتوجّه التامّ أثناء الذكر له دخل تامّ في تنوير القلب، ولكن بشرط أن لا يكون مانعاً عن الجمعة والجماعة.

 

ومن جملة الأمور الّتي تعتبر عمدة في السلوك: الحريّة، أي التحرّر من “شوائب الطبيعة” و”وساوس العادة” و“نواميس العامّة“، فإنّ السالك لا يجد سدّاً أعظم من هذه الأمور الثلاثة. وقد أطلق عليها بعض الحكماء اسم رؤساء الشياطين، ولو تأمّلت جيّداً في كلّ قبيح يصدر من أيّ أحدٍ لوجدته منتهياً إلى واحدٍ من هذه الثلاثة.

39- قال العلامة المجلسي رحمه الله في البحار ج 53 ص 326: وورد أنّ من ترك اللحم أربعين صباحاً ساء خلقه، لأنّ انتقال النطفة في أربعين يوماً، ومن أكل اللحم أربعين صباحاً ساء خلقه.

أمّا “شوائب الطبيعة”: فمثل الشهوة والغضب وتوابع ذلك من حبّ المال والجاه وغير ذلك:﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا40.

 

وأمّا “وساوس العادة”: فمثل تسويلات النفس الأمّارة وتزييناتها والأعمال غير الصالحة بسبب الخيالات الفاسدة والأوهام الكاذبة ولوازم ذلك من الأخلاق الرذيلة والملكات الذميمة:﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾41.

 

وأمّا “نواميس42العامّة“: فمثل اتّباع الغيلان الّذين هم في بدنٍ آدمي، وتقليد الجهلاء أشباه العلماء والاستجابة

40- سورة القصص الآية 83.

41- سورة الكهف الآيتان 103- 104.

42- جمع ناموس، معرّب، يأتي بمعنى القانون أو الشريعة…

 لإغواء شياطين الجنّ والإنس والانخداع بحيلهم وتلبيساتهم:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ43.

 

وأمّا بعض العادات والرسوم المقرّرة في عُرف الزمان، في مثل الملابس ومعاشرة الناس فيجب على الظاهر اتّباع الجمهور.

 

فالامتياز باعث على الوحشة والغيبة، إلا أن يكون في متابعته لهم مخالفة لأمر دينيّ مهمّ، والّذي يؤدّي تركه إلى ضرر في السلوك، فعندها لا تكون المتابعة لازمة إلا من باب التقيّة. ومثل هذه

43- سورة فصّلت الآية 29.

 الأمور ينبغي أن ترجع إلى نظر البصير بزمانه44.

44- عن حمّاد بن عثمان قال: كنت حاضراً عند أبي عبد الله عليه السلام إذ قال له رجل: أصلحك الله ذكرت أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجيّد؟ قال: فقال عليه السلام له: “إنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشهّر به، فخير لباس كلّ زمان لباس أهله، غير أنّ قائمنا إذا قام لبس لباس عليّ عليه السلام وسار بسيرته” (الكليني، الكافي ج 6 ص 444).

الوصيّة الأخيرة

 

وكلّ من جعل هذه الأمور الخمسة والعشرين لازمة عليه، وعمل بها على نحو الجدّ وبإخلاص (أي لوجه الله تعالى لا لغرض دنيويّ عاجل)، فإنّ حاله سيكون في ترقٍّ يوماً بعد يوم، فحسناته في زيادة، وسيّئاته مغفورة ودرجاته مرفوعة. فإذا كان من أهل العلم، أعني أنّه قد طرقت أسماعه المسائل العلميّة الإلهيّة من أحوال المبدأ والمعاد ومعرفة النفس وأمثال ذلك، وكان يعلم بأنّ العلم بها هو المقصد الأقصى، وكان له كامل الاهتمام بمعرفة ذلك وكان أهلاً لأن يعلم ذلك، فإنّ معرفته ستزداد يوماً بعد يوم بإلهام الحقّ تعالى بمقدار استعداده الّذي يحصل

 له من العبادة وصحبة العلماء وحديثهم، وإن لم يكن من أهل العلم يحصل له صفاء الباطن والدعوة المستجابة ونحو ذلك من الكمالات الّتي تُضيء له في سعيه وتوجّهه. وعلى كلّ تقدير يحصل له القرب من الحقّ سبحانه والمحبّة والنور، والمحبّة الكاملة والنور الوافر هما ثمرة المعرفة الّتي يمكن أن تصل أحياناً إلى حدّ يُشاهد معها في هذه النشأة أكثر أمور الآخرة، كما نقل ذلك عن حارثة بن نعمان، والمذكور حديثه في الكافي1.

1- عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: “إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلّى بالناس الصبح، فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه، مصفرّاً لونه، قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله موقناً، فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله وقال: إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال: إنّ يقيني يا رسول الله هو الّذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري فعزَفَت نفسي عن الدنيا وما فيها حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد نُصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة، يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون وعلى الأرائك متّكئون، وكأنّي أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذّبون مصطرخون وكأنّي الآن أسمع زفير النار، يدور في مسامعي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان، ثمّ قال له: الزم ما أنت عليه، فقال الشاب: ادع الله لي يا رسول الله أن ارزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر” (الكليني، الكافي ج 2 ص 53).

وكلّما اشتدّت المحبّة ووصلت إلى حدّ العشق والوله بذكر الحقّ عبّر عن ذلك بـ: “اللقاء” و“الوصول” و”الفناء في الله” و”البقاء بالله” ونحو ذلك، وهذا هو الغاية والغرض من إيجاد الخلق، كما ورد في الحديث القدسيّ: “كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف”2.

 

وفي التنزيل:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ3 قيل: أي ليعرفون، وإنّما عبّر عن المعرفة بالعبادة لأنّها لا تنفك عنها، وإنّما عبّر عن اللازم بالملزوم لئلّا يتوهّم أنّ المقصود أيّة معرفة كانت، بل المعرفة الخاصّة الّتي لا تحصل إلا من جهة العبادة.

وللمعرفة أنواع متعدّدة وطرق متكثّرة، وليست

2- أورده العلامة المجلسي في البحار ج 84 ص 199.

3- سورة الذاريات الآية 56.

 كلّ معرفة توجب القرب والوصول، فإنّ أكثر العامّة أيضاً تحصل لهم المعرفة عن طريق التقليد، والمتكلّمون تحصل لهم المعرفة أيضاً عن طريق الدلائل الجدليّة الّتي تتألّف مقدّماتها من المسلّمات والمقبولات والمظنونات، وكذلك الفلاسفة تحصل لهم المعرفة عن طريق البراهين العقليّة الّتي تتألّف مقدّماتها من اليقينيّات.

 

وليس شيء من هذه المعارف موجباً للوصول والمحبّة. إذاً فكلّ من حصلت له المعرفة عن طريق عبادته فذاك ثمرة شجرة الخلقة والغاية المقصودة من إيجاد العالم، والموجودات الأخرى طفيليَّات وجدت بوجوده4 ومن أجل خدمته.

4- أي بوجود من حصلت له المعرفة.

شعر:

الوجود الطفيلي عاشق للإنس والجنّ

                                        فأظهر الإرادة لتنال السعادة5

 

ولهذا ورد في الحديث القدسيّ خطاباً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “لولاك لما خلقت الأفلاك6.

 

إذاً من كانت همّته عالية وأضاء الجوهر في قلبه، يجب عليه أن يسعى ليقترب من هذه المرتبة عن طريق العبوديّة والتقوى والطهارة.

 

فإذا وصلت إلى مقصدك فتلك هي السعادة، وإن متّ

5- من أشعار حافظ الشيرازي بالفارسية:

طفيل هستي عشقند آدمي وبري                 ارادتي بنما تا سعادت ببري

6- أورده العلامة المجلسي في البحار ج 71 ص 116.

 في هذا الطريق فتلك هي الشهادة!

 

﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّه﴾ِ7.

 

والتوفيق من الله العزيز الحكيم، والحمد لله ربّ العالمين والصلاة على محمّد وآله أجمعين.

7- سورة النساء الآية 100.

ترجمة مختصرة عن حياة المولى الفيض الكاشاني رحمه الله

 

كان المولى محمّد بن المرتضى المدعوّ بـ “محسن” والمعروف بـ”الفيض الكاشاني” أحد نوابغ العلم والمعرفة في القرن الحادي عشر، وكان- مضافاً إلى علمه وفضله- حكيماً متكلّماً محدّثاً مفسّراً عارفاً أديباً متبحّراً في جميع العلوم والمعارف.

 

ولد رحمه الله في سنة (1007هـ.ق.) في مدينة قمّ المشرّفة ونشأ فيها، ثمّ انتقل إلى كاشان ليشدّ الرحال بعدها إلى مدينة شيراز للانتهال من العلَمين: السيّد ماجد

 بن عليّ البحرانيّ وصدر المتألّهين الشيرازيّ، حيث تزوّج من ابنة الأخير، وما إن ارتوى من تلك المعارف عاد إلى مدينة كاشان ليكون هناك مرجعاً فذّاً لا ندّ له، إلى أن توفّي فيها سنة (1091هـ.ق.) وهو ابن أربع وثمانين عاماً ودفن فيها، وقبره هناك مشهور يقصده العلماء والعارفون.

 

أقوال العلماء فيه:

 

نعته المحدّث الشيخ الحرّ العاملي بقوله: “كان فاضلاً عالماً ماهراً حكيماً متكلّماً محدّثاً فقيهاً محقّقاً شاعراً أديباً حسن التصانيف…1.

 

وقال عنه الرجاليّ الكبير محمّد بن عليّ الأردبيلي: “محسن بن المرتضى رحمه الله العلّامة المحقّق المدقّق، جليل القدر، عظيم

1- الحرّ العاملي، أمل الآمل ج 2 ص 305.

 الشأن، رفيع المنزلة، فاضل كامل أديب، متبحّر في جميع العلوم2.

 

وقال صاحب الروضات: “أمره في الفضل والفهم والنبالة في الفروع والأصول وكثرة التأليف مع جودة التعبير والتوصيف أشهر من أن يخفى في هذه الطائفة على أحد إلى منتهى الأبد3.

 

وقال المحدّث القمّي: “وأمره في الفضل والأدب وطول الباع وكثرة الاطّلاع وجودة التعبير وحسن التحرير والإحاطة بمراتب المعقول والمنقول أشهر من أن يخفى4.

 

وقال العلّامة الأميني في ترجمة علم الهدى ابن المؤلّف: “هو ابن المحقّق الفيض علم الفقه، وراية الحديث، ومنار الفلسفة، ومعدن العرفان، وطود الأخلاق، وعباب العلوم والمعارف،

2- الأردبيلي، جامع الرواة ج 2 ص 42.

3- الخوانساري، روضات الجنات ج 6 ص 79.

4- القمّي، الكنى والألقاب ج 3 ص 35.

 وهو ابن ذلك الفذّ الّذي قلّ ما أنتج الدهر بمثيله، وعقمت الأيّام أن تأتي بمشابهه5.

 

ونقل عن العلّامة الطباطبائي صاحب الميزان قوله: “هو ممّن جمع العلوم وقلّ نظيره في العالم الإسلامي”6.

 

مصنّفاته:

 

صرف المولى محسن الفيض عمره الشريف في ترويج الآثار المرويّة والمعارف الإلهيّة تدريساً وتأليفاً، فخلّف ثروة علميّة عظيمة في شتّى أنحاء العلم والمعرفة من الفقه والحديث والحكمة والعرفان والأخلاق والتفسير والأدعية والأشعار وغيرها، ناهزت المائة والعشرين مصنفاً، منها:

5- الأميني، الغدير ج 11 ص 362.

6- مهر تابان ص 26.

 “الصافي” و”الأصفى” في التفسير، و“الوافي” و“النوادر” في الأخبار، و”معتصم الشيعة” و”مفاتيح الشرائع” في الفقه، و”عين اليقين” و“علم اليقين” في الحكمة والكلام، و”المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء“.

 

وقد امتازت تأليفاته بجودة التحقيق وحسن البيان والتأليف وسلامة الألفاظ ومتانة المباني ودقّة المعاني وعلوّ المقاصد.

 

لقد أولى الفيض اهتماماً متزايداً وعناية بالغة بالقرآن والحديث، واستدلّ على آرائه في جميع مصنّفاته بأدلّة من الكتاب العزيز وبالحديث الصادر عن الرسول وآله الطاهرين، وله في التفسير مسلك خاصّ، جمع فيه بين الطريقة والشريعة، ألّف في الحقائق القرآنيّة التي أسّست على أصول الفطرة والحكمة المتعالية- الّتي تنطبق على

 نواميس الطبيعة والعرفان الصحيح الّذي يلائم الفطرة والعقل- تفسيريه “الصافي” و”الأصفى7.

 

حول هذه الرسالة:

 

قال في الذريعة تحت عنوان (زاد السالكين): فارسيّ، في كيفيّة سلوك طريق الحقّ. للمحقّق المحدّث الفيض الكاشاني المولى محسن بن الشاه مرتضى المتوفّى (1091هـ.ق.) أوّله: (الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى…) ذكر فيه ما ملخّصه: (چنانچه سفر صوري را مبدأ ومنتهى ومسافت وسير وزاد وراحله ورفيق وراهنما ميباشد، همچنين در سفر روح بجانب حقّ سبحانه كه سفر معنوي است همهء اينها ضروراست، اما مبدأش جهل طبيعي، منتهايش وصول بحقّ، مسافت مراتب كماليه، منازل صفات حميده.. وتفاصيل إين منازل ودرجات در كتاب “منازل

7- اقتبسنا هذه الترجمة من مقدّمة التحقيق لكتاب تفسير الأصفى للمؤلف ج 1 ص 9.

 السالكين” است) إلى قوله: (وراهنما حضرت پيغمبر وآل أطهار..) ثمّ ذكر خمسة وعشرين أمراً ممّا وصل منهم عليهم السلام من لوازم السالك وما لابدّ منه من المستحبّات الشرعيّة الأكيدة كالمواظبة على أوقات الصلوات والنوافل اليوميّة وأمثالها، والنسخة مع “منازل السالكين” و”فهرس العلوم” كلّها للفيض بخطّ السيّد عليّ بن إسماعيل بن زين العابدين السنجاني المولد الغروي المسكن في 15 شوال 1297 رأيتها عند الشيخ إبراهيم الكنّي في النجف. ورأيت منه نسخاً أخرى في طهران وغيرها. وقد اختصرتها أنا في قرب خمسين بيتاً قبل خمسين سنة وضممت المختصر إلى مجموعة كلّها بخط جدّي المولى محمد رضا (المتوفّى 1275) ابن الحاج محسن التاجر الطهراني. وقد طبع الأصل بتصحيح جلال الدين المحدّث بطهران بعنوان زاد السالك في 1331 في 124 صفحة8.

8- الطهراني الآغا بزرك، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج 12 ص 2.

وينقل العلّامة جلال الدين المحدّث الأرموي المشار إليه عن صاحب الذريعة قوله مشافهة: يحتوي هذا الكتاب الشريف على مطالب يمكن التعبير عنها بكلمة جامعة بـ: السلوك الشرعيّ والطريقة الدينية9.

 

وينقل عنه أيضاً قوله: عندما رأيت نسخة هذا الكتاب ونظرت في محتوياته ترك في نفسي تأثيراً إلى درجة لم أستطع أن أكتفي بمطالعة واحدة، فقمت بتلخيصه في صفحة واحدة جاعلاً إيّاها على شكل فهرس، وذلك لأستفيد أنا وعائلتي من مطالعة مضامينها الحقّة والعمل بإرشاداتها ودستوراتها الشرعيّة10.

 

والحمد لله ربّ العالمين

9- الأرموي جلال الدين المحدّث، العرفان والسلوك عند أهل البيت عليهم السلام المعروف بشرح رسالة زاد السالك ص 6-7.

10- كنجينة عرفان- بالفارسية- ص 11.