الآيات ، مريم ” 19 ” واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا ” نبيا ”
* ورفعناه مكانا ” عليا ” 56 – 57 .
الأنبياء ” 21 ” وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين
* وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين 85 – 86 .
تفسير : قال الطبرسي رحمه الله : ” واذكر في الكتاب ” أي القرآن ” إدريس ” هو جد أب نوح عليه السلام ، واسمه في التوراة أخنوخ ،
وقيل : إنه سمي إدريس لكثرة درسه الكتب وهو أول من خط بالقلم ، وكان خياطا ” ، وأول من خاط الثياب ،
وقيل : إن الله سبحانه علمه النجوم والحساب وعلم الهيئة وكان ذلك معجزة له ” إنه كان صديقا ” أي كثير التصديق في أمور الدين ،
وقيل : صادقا ” مبالغا ” في الصدق فيما يخبر عن الله تعالى ” نبيا ” ” أي عليا “رفيع الشأن برسالات الله تعالى ” ورفعناه مكانا ” عليا ” ” أي عاليا ” رفيعا ” ،
وقيل : إنه رفع إلىالسماء السادسة ، عن ابن عباس والضحاك ، وقال مجاهد : رفع إدريس كما رفع عيسى وهو حي لم يمت ، وقال آخرون : إنه قبض روحه بين السماء الرابعة والخامسة ،
وروي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام ، وقيل : إن معناه : ورفعناه محله ومرتبته بالرسالة ولم يرد رفعة المكان . ( 1 )
1 – علل الشرائع : بالإسناد إلى وهب أن إدريس عليه السلام كان رجلا ” ضخم البطن ، عريض الصدر ، قليلا ” شعر الجسد ، كثيرا ” شعر الرأس ، وكانت إحدى اذنيه أعظم من الأخرى ، وكان دقيق الصدر ، دقيق المنطق ، قريب الخطاء إذا مشى ، وإنما سمي إدريس لكثرة ما كان يدرس من حكم الله عز وجل وسنن الإسلام وهو بين أظهر قومه ، ثم إنه فكر في عظمة الله وجلاله فقال : إن لهذه السماوات ولهذه الأرضين ولهذا الخلق العظيم والشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر وهذه الأشياء التي تكون لربا يدبرها ويصلحها بقدرته فكيف لي بهذا الرب فأعبده حق عبادته ، فجلا بطائفة من قومه ( 1 )
فجعل يعظهم ويذكرهم ويخوفهم ويدعوهم إلى عبادة خالق هذه الأشياء ، فلا يزال يجيبه واحد بعد واحد حتى صاروا سبعة ثم سبعين إلى أن صاروا سبعمائة ثم بلغوا ألفا ” ، فلما بلغوا ألفا ” قال لهم : تعالوا نختر من خيارنا ( 2 )
مائة رجل ، فاختاروا من خيارهم مائة رجل ، واختاروا من المائة سبعين رجلا ” ، ثم اختاروا من السبعين عشرة ، ثم اختاروا من العشرة سبعة ، ثم قال لهم : تعالوا فليدع هؤلاء السبعة وليؤمن بقيتنا فلعل هذا الرب جل جلاله يدلنا على عبادته فوضعوا أيديهم على الأرض ودعوا طويلا ” فلم يتبين لهم شئ ، ثم رفعوا أيديهم إلى السماء فأوحى الله عز وجل إلى إدريس عليه السلام ونبأه ودله على عبادته ، ومن آمن معه فلم يزالوا يعبدون الله عز وجل لا يشركون به شيئا ” حتى رفع الله عز وجل إدريس إلى السماء و انقرض من تابعه على دينه إلا قليلا ” ، ثم إنهم اختلفوا بعد ذلك وأحدثوا الأحداث و أبدعوا البدع حتى كان زمان نوح عليه السلام . ( 3 )
2 – إكمال الدين : أبي وابن الوليد وابن المتوكل جميعا ” ، عن سعد والحميري ومحمد العطار ، عن ابن عيسى وابن هاشم جميعا ” ، عن ابن محبوب ، عن إبراهيم بن أبي البلاد ، عن أبيه ، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام قال : كان بدء نبوة إدريس عليه السلام أنه كان في زمانه ملك جبار ( 4 )
وإنه ركب ذات يوم في بعض نزهه فمر بأرض خضرة لعبد مؤمن من الرافضة ( 5 )
فأعجبته ، فسأل وزراءه : لمن هذه الأرض ؟ قالوا : لعبد من عبد الملك فلان الرافضي ، فدعا به فقال له : أمتعني بأرضك هذه ، ( 6 )
فقال لها : عيالي أحوج إليها منك ، قال : فسمني بها أثمن لك ، قال : لا أمتعك ولا أسومك دع عنك ذكرها ، فغضب الملك عند ذلك وأسف وانصرف إلى أهله وهو مغموم مفكر في أمره ، وكانت له امرأة من الأزارقة ( 1 ) وكان بها معجبا ” يشاورها في الأمر إذا نزل به ، فلما استقر في مجلسه بعث إليها ليشاورها في أمر صاحب الأرض فخرجت إليه فرأت في وجهه الغضب ، فقالت له : أيها الملك ما الذي دهاك ( 2 )
حتى بدا الغضب في وجهك قبل فعلك ( 3 )
فأخبرها بخبر الأرض وما كان من قوله لصاحبها ومن قول صاحبها له فقالت : أيها الملك إنما يغتم ويأسف ( 4 )
من لا يقدر على التغيير والانتقام وإن كنت تكره أن تقتله بغير حجة فأنا أكفيك أمره واصير أرضه بيدك بحجة لك فيها العذر عند أهل مملكتك ، قال :
وما هي ؟ قالت : أبعث إليه أقواما من أصحابي أزارقة حتى يأتوكبه فيشهدوا عليه عندك إنه قد برئ من دينك فيجوز لك قتله وأخذ أرضه ، قال : فافعلي ذلكقال : فكان لها أصحاب من الأزارقة على دينها يرون قتل الرافضة من المؤمنين ، فبعثت إلى قوم منهم فأتوهم فأمرتهم أن يشهدوا على فلان الرافضي عند الملك أنه قد برئ من دين الملك فشهدوا عليه أنه قد برئ من دين الملك فقتله واستخلص أرضه ،
فغضب الله للمؤمنعند ذلك فأوحى الله إلى إدريس عليه السلام أن ائت عبدي هذا الجبار فقل له : أما رضيت أن قتلت عبدي المؤمن ظلما حتى استخلصت أرضه خالصة لك فأحوجت عياله من بعده وأجعتهم ؟ أما وعزتي لانتقمن له منك في الآجل ، ولأسلبنك ملكك في العاجل ، ولأخربن مدينتك ، ولأذلن عزك ، ولأطعمن الكلاب لحم امرأتك ، فقد غرك يا مبتلى حلمي عنك .
فأتاه إدريس عليه السلام برسالة ربه وهو في مجلسه وحوله أصحابه .
فقال : أيها الجبار إني رسول الله إليكم ( 5 )
وهو يقول لك : أما رضيت أن قتلت عبدي المؤمن ظلما ” حتى استخلصتأرضه خالصة لك ، وأحوجت عياله من بعده وأجعتهم ؟ أما وعزتي لأنتقمن له منك فيالآجل ، ولأسلبنك ملكك في العاجل ، ولأخربن مدينتك ، ولأذلن عزك ، ولأطعمنالكلاب لحم امرأتك ،
فقال الجبار : اخرج عني يا إدريس فلن تسبقني بنفسك ،
ثم أرسل إلى امرأته فأخبرها بما جاء به إدريس فقالت : لا يهولنك رسالة إله إدريس ، أنا ارسل إليه من يقتله فتبطل رسالة إلهه وكل ما جاءك به ، قال : فافعلي ، وكان لإدريس أصحاب من الرافضة مؤمنون يجتمعون إليه في مجلس له فيأنسون به ويأنس بهم ، فأخبرهم إدريس بما كان من وحي الله عز وجل إليه ورسالته إلى الجبار وما كان من تبليغ رسالة الله إلى الجبار ، فأشفقوا على إدريس وأصحابه وخافوا عليه القتل ، وبعثت امرأة الجبار إلى إدريس أربعين رجلا ” من الأزارقة ليقتلوه فأتوه في مجلسه الذي كان يجتمع إليه فيه أصحابه فلم يجدوه ، فانصرفوا وقد رآهم أصحاب إدريس فحسوا أنهم أتوا إدريس ليقتلوه فتفرقوا في طلبه فلقوا فقالوا له :
خذ حذرك يا إدريس فإن الجبار قاتلك ، قد بعثاليوم أربعين رجلا ” من الأزارقة ليقتلوك فاخرج من هذه القرية ، فتنحى إدريس عن القرية من يوم ذلك ومعه نفر من أصحابه ، فلما كان في السحر ناجى إدريس ربه فقال :
يا رب بعثتني إلى جبار فبلغت رسالتك ، وقد توعدني هذا الجبار بالقتل ، بل هو قاتلي إن ظفر بي ، فأوحى الله إليه أن تنح عنه وأخرج من قريته وخلني وإياه ، فوعزتي لأنفذن فيه أمري ، ولأصدقن قولك فيه وما أرسلتك به إليه .
فقال إدريس : يا رب إن لي حاجة ، قال الله : سلها تعطها ، قال : أسألك أن لا تمطر السماء على أهل هذه القرية وما حولها وما حوت عليه حتى أسألك ذلك ، قال الله عز وجل : يا إدريس إذا تخرب القرية ويشتد جهد أهلها ويجوعون ، فقال إدريس : وإن خربت و جهدوا وجاعوا ، قال الله : فإني قد أعطيتك ما سألت ولن أمطر السماء عليهم حتى تسألني ذلك وأنا أحق من وفى بعهده ، فأخبر إدريس أصحابه بما سأل الله عز وجل من حبس المطر عنهم وبما أوحى الله إليه ووعده أن لا يمطر السماء عليهم حتى أسأله ذلك ،
فاخرجوا أيها المؤمنون من هذه القرية إلى غيرها من القرى ، فخرجوا منها وعدتهم يومئذ عشرون رجلا فتفرقوا في القرى ، وشاع خبر إدريس في القرى بما سأل الله تعالى ، وتنحى إدريس إلى كهف في الجبل شاهق فلجأ إليه ووكل الله عز وجل به ملكا ” يأتيه بطعامه عند كل مساء وكان يصوم النهار فيأتيه الملك بطعامه عند كل مساء ، وسلب الله عز وجل عند ذلك ملك الجبار وقتله وأخرب مدينته وأطعم الكلاب لحم امرأته غضبا ” للمؤمن .
وظهر في المدينة جبار آخر عاص فمكثوا بذلك بعد خروج إدريس من القرية عشرين سنة لم تمطر السماء قطرة من مائها عليهم ، فجهد القوم واشتدت حالهم وصاروا يمتارون الأطعمة ( 1 ) من القرى من بعد ، فلما جهدوا مشى بعضهم إلى بعض فقالوا : إن الذي نزل بنا مما ترون بسؤال إدريس ربه أن لا يمطر السماء علينا حتى يسأله هو ، وقد خفي إدريس عنا ولا علم لنا بموضعه والله أرحم بنا منه ، فأجمع أمرهم على أن يتوبوا إلى الله ويدعوه ويفزعوا إليه و يسألوه أن يمطر السماء عليهم وعلى ما حوت قريتهم ،
فقاموا على الرماد ولبسوا المسوح ،وحثوا على رؤوسهم التراب ( 2 ) ورجعوا إلى الله عز وجل بالتوبة والاستغفار والبكاء والتضرع إليه ، وأوحى الله عز وجل إليه : يا إدريس أهل قريتك ( 3 ) قد عجوا إلي بالتوبة والاستغفار والبكاء والتضرع ، وأنا الله الرحمن الرحيم أقبل التوبة وأعفو من السيئة وقد رحمتهم ، ولم يمنعني إجابتهم إلى ما سألوني من المطر إلا مناظرتك فيما سألتني أن لا أمطر السماء عليهم حتى تسألني ، فاسألني يا إدريس حتى أغيثهم وأمطر السماء عليهم .
قال إدريس : اللهم إني لا أسألك ذلك ، قال الله عز وجل : ألم تسألني يا إدريس فسلني ، ( 4 ) قال إدريس : اللهم إني لا أسألك ، فأوحى الله عز وجل إلى الملك الذي أمره أن يأتي إدريس بطعامه كل مساء أن احبس عن إدريس طعامه ولا تأته به ، فلما امسى إدريس في ليلة ذلك اليوم فلم يؤت بطعامه حزن وجاع فصبر ، فلما كان في اليوم الثاني فلم يؤت بطمامه اشتد حزنه وجوعه ، فلما كانت الليلة من اليوم الثالث فلم يؤت بطعامه اشتد جهده وجوعه وحزنه وقل صبره فنادى ربه :
يا رب حبست عني رزقي من قبل أن تقبض روحي ؟ ! فأوحى الله عز وجل إليه : يا إدريس جزعت أن حبست عنك طعامك ثلاثة أيام ولياليها ، ولم تجزع ولم تنكر جوع أهل قريتك وجهدهم منذ عشرين سنة ؟ ! ثم سألتك عن جهدهم ورحمتي إياهم أن تسألني أن أمطر السماء عليهم فلم تسألني وبخلت عليهم بمسألتك إياي فأذقتك الجوع ( 1 ) فقل عند ذلك صبرك وظهر جزعك ، فاهبط من موضعك فاطلب المعاش لنفسك فقد وكلتك في طلبه إلى حيلك ، فهبط إدريس من موضعه إلى غيره يطلب اكلة من جوع ، فلما دخل القرية نظر إلى دخان في بعض منازلها فأقبل نحوه فهجم على عجوز كبيرة وهي ترقق قرصتين لها على مقلاة ( 2 )
فقال لها : أيتها المرأة أطعميني فإني مجهود من الجوع ، فقالت له : يا عبد الله ما تركت لنا دعوة إدريس فضلا ” نطعمه أحدا ” – وحلفت أنها ما تملك شيئا ” غيره – فاطلب المعاش من غير أهل هذه القرية ، قال لها : أطعميني ما امسك به روحي وتحملني به رجلي إلى أن أطلب ، قالت : إنهما قرصتان : واحدة لي والأخرى لابني فإن أطعمتك قوتي مت ، وإن أطعمتك قوت ابني مات ، وما هنا فضل أطعمكاه ، فقال لها : إن ابنك صغير يجزيه نصف قرصة فيحيى بها ويجزيني النصف الآخر فأحيى به وفي ذلك بلغة لي وله ، فأكلت المرأة قرصها وكسرت القرص الآخر بين إدريس وبين ابنها ، فلما رأى ابنها إدريس يأكل من قرصه اضطرب حتى مات ، قالت أمه : يا عبد الله قتلت علي ابني جزعا ” على قوته ؟ !
قال إدريس : فأنا أحييه بإذن الله تعالى فلا تجزعي ،ثم أخذ إدريس بعضدي الصبي ثم قال : أيتها الروح الخارجة من بدن هذا الغلام بإذن الله ارجعي إلى بدنه بإذن الله وأنا إدريس النبي ، فرجعت روح الغلام إليه بإذن الله
فلما سمعت المرأة كلام إدريس وقوله : أنا إدريس ونظرت إلى ابنها قد عاش بعد الموت قالت : أشهد أنك إدريس النبي ، وخرجت تنادي بأعلى صوتها في القرية : أبشروا بالفرج فقد دخل إدريس قريتكم ، ومضى إدريس حتى جلس على موضع مدينة الجبار الأول وهي على تل فاجتمع إليه أناس من أهل قريته فقالوا له :
يا إدريس أما رحمتنا في هذه العشرين سنة التي جهدنا فيها ومسنا الجوع والجهد فيها ؟ فادع الله لنا أن يمطر السماء علينا ، قال :لا حتى يأتيني جباركم هذا وجميع أهل قريتكم مشاة حفاة فيسألوني ذلك ، فبلغ الجبار قوله فبعث إليه أربعين رجلا ” يأتوه بإدريس ، فأتوه فقالوا له : إن الجبار بعث إليك لتذهب إليه
فدعا عليهم فماتوا ، فبلغ الجبار ذلك فبعث إليه خمسمائة رجل ليأتوه به فقالوا له : يا إدريس إن الجبار بعثنا إليك لنذهب بك إليه ، فقال لهم إدريس : انظروا إلى مصارع أصحابكم ، فقالوا له : يا إدريس قتلتنا بالجوع منذ عشرين سنة ثم تريد أن تدعو علينا بالموت ! أما لك رحمة ؟
فقال : ما أنا بذاهب إليه ، ولا أنا بسائل الله أن يمطر السماء عليكم حتى يأتيني جباركم ماشيا ” حافيا ” وأهل قريتكم ، فانطلقوا إلى الجبار فأخبروه بقول إدريس واسألوه أن يمضي معهم وجميع أهل قريتهم إلى إدريس حفاة مشاة ، فأتوه حتى وقفوا بين يديه خاضعين له طالبين إليه أن يسأل الله لهم أن يمطر السماء عليهم ،
فقال لهم إدريس : أما الآن فنعم ، فسأل الله تعالى إدريس عند ذلك أن يمطر السماء عليهم و على قريتهم ونواحيها فأظلتهم سحابة من السماء وأرعدت وأبرقت وهطلت ( 1 ) عليهم من ساعتهم حتى ظنوا أنها الغرق فما رجعوا إلى منازلهم حتى أهمتهم أنفسهم من الماء . ( 2 ) قصص الأنبياء : بإسناده إلى الصدوق مثله . ( 3 )
بيان : فسمني أي بعني . أثمن لك : أعطيك الثمن . قبل فعلك أي إتيانك بما غضبت له . فلن تسبقني بنفسك هو تهديد بالقتل ، أي لا يمكنك الفرار بنفسك والتقدم بحيث لا يمكنني اللحوق بك لإهلاكها ، أو لا تغلبني في أمر نفسك بأن تتخلصها مني ، ويحتمل أن يكون المراد : لا تغلبني متفردا بنفسك من غير معاون فلم تتعرض لي . حتى أهمتهم أنفسهم أي خوف أنفسهم أوقعهم في الهموم ، أو لم يهتمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها . ثم اعلم أن الظاهر أن أمره تعالى إدريس عليه السلام بالدعاء لهم لم يكن على سبيل الحتم والوجوب بل على الندب والاستحباب ، وكان غرضه عليه السلام في التأخير وفي طلب القوم أن يأتوه متذللين تنبيههم وزجرهم عن الطغيان والفساد ولئلا يخالفوا ربهم بعد دخوله بينهم ، ( 4 ) وأن أولياء الله يغضبون لربهم أكثر من سخطه تعالى لنفسه لسعة رحمته وعظم حمله تعالى شأنه .
3 – تفسير علي بن إبراهيم : أبي عن ابن أبي عمير ، عمن حدثه ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن الله تبارك وتعالى غضب على ملك من الملائكة فقطع جناحه وألقاه في جزيرة من جزائر البحر ، فبقي ما شاء الله في ذلك البحر ، فلما بعث الله إدريس عليه السلام جاء ذلك الملك إليه فقال : يا نبي الله ادع الله أن يرضى عني ويرد علي جناحي ، ( 1 )
قال : نعم ، فدعا إدريس ربه فرد الله عليه جناحه ورضي عنه ، قال الملك لإدريس : ألك إلي حاجة ؟ قال : نعم ، أحب أن ترفعني إلى السماء حتى أنظر إلى ملك الموت ، فإنه لا تعيش لي مع ذكره ، فأخذه الملك إلى جناحه ( 2 )
حتى انتهى به إلى السماء الرابعة فإذا ملك الموت جالس يحرك رأسه تعجبا ” ، فسلم إدريس على ملك الموت وقال له : ما لك تحرك رأسك ؟ قال : إن رب العزة أمرني أن أقبض روحك بين السماء الرابعة والخامسة ، فقلت : رب ( 3 )
كيف يكون هذه وغلظ السماء الرابعة مسيرة خمسمائة عام ، ومن السماء الرابعة إلى السماء الثالثة مسيرة خمسمائة عام ( ومن السماء الثالثة إلى الثانية مسيرة خمسمائة عام خ ل ) وكل سماء وما بينهما كذلك ، فكيف يكون هذا ؟ ! ثم قبض روحه بين السماء الرابعة و الخامسة وهو قوله : ” ورفعناه مكانا ” عليا ” قال : وسمي إدريس لكثرة دراسة الكتب . ( 4 )
4 – معاني الأخبار : معنى إدريس أنه كان يكثر الدرس بحكم الله عز وجل وسنن الإسلام ( 5 )
5 – الخصال ، معاني الأخبار : في خبر أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أنزل الله على إدريس ثلاثين صحيفة . ( 6 )
6 – الإحتجاج : فيما احتج به أمير المؤمنين عليه السلام على يهودي الشام : إن إدريس عليه السلام رفعه الله مكانا ” عليا ” ، واطعم من تحف الجنة بعد وفاته . ( 7 )
7 – قصص الأنبياء : بالإسناد إلى الصدوق ، عن أبيه ، عن محمد العطار ، عن ابن أبان ، عن ابن أورمة ، عن محمد بن عثمان ، عن أبي جميلة ، عن جابر الجعفي ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن ملكا ” من الملائكة كانت له منزلة فأهبطه الله من السماء إلى الأرض فأتى إدريس النبي عليه السلام فقال له : اشفع لي عند ربك ، فصلى ثلاث ليال لا يفتر وصام أيامها لا يفطر ثم طلب إلى الله في السحر للملك فأذن له في الصعود إلى السماء فقال له الملك : أحب أن أكافيك فاطلب إلي حاجة ، فقال : تريني ملك الموت لعلي آنس به فإنه ليس يهنؤني مع ذكره شئ ، فبسط جناحيه ثم قال : اركب ، فصعد به فطلب ملك الموت في سماء الدنيا فقيل : إنه قد صعد ، فاستقبله بين السماء الرابعة والخامسة فقال الملك لملك الموت : ما لي أراك قاطبا ” ؟( 1 )
قال : أتعجب إني كنت تحت ظل العرش حتى أمرت أن أقبض
روح إدريس بين السماء الرابعة والخامسة ، فسمع إدريس ذلك فانتفض من جناح الملك ( 2 ) وقبض ملك الموت روحه مكانه ، وذلك قوله تعالى : ” واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا “ نبيا ” * ورفعناه مكانا ” عليا ” ” . ( 3 )
8 – قصص الأنبياء : بهذا الإسناد عن ابن أورمة ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن محمد بن مروان عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : كان إدريس النبي عليه السلام يسيح النهار ( 4 ) ويصومه ويبيت حيث ما جنه الليل ويأتيه رزقه حيث ما أفطر ، وكان يصعد له من العمل الصالح مثل ما يصعد لأهل الأرض كلهم ، فسأل ملك الموت ربه في زيادة إدريس عليه السلام وأن يسلم عليه ، فأذن له فنزل وأتاه ،
فقال : إني أريد أن أصحبك فأكون معك ، فصحبه وكانا يسيحان النهار ويصومانه فإذا جنهما الليل اتي إدريس فطره فيأكل ويدعو ملك الموت إليه فيقول : لا حاجة لي فيه : ثم يقومان يصليان ، وإدريس يصلي ويفتر وينام ، وملك الموت يصلي ولا ينام ولا يفتر ، فمكثا بذلك أياما ” ثم إنهما مرا بقطيع غنم وكرم قد أينع ، فقال ملك الموت : هل لك أن تأخذ من ذلك حملا ” أو من هذا عناقيد فنفطر عليه ؟ فقال : سبحان الله أدعوك إلى مالي فتأبى فكيف تدعوني إلى مال الغير ! ؟
ثم قال إدريس عليه السلام : قد صحبتني وأحسنت فيما بيني وبينك من أنت ؟ قال : أنا ملك الموت ، قال إدريس : لي إليك حاجة ، فقال : وما هي ؟ قال : تصعد بي إلى السماء ، فاستأذن ملك الموت ربه في ذلك فأذن له ، فحمله على جناحه فصعد به إلى السماء ، ثم قال له إدريس عليه السلام : إن لي إليك حاجة أخرى ، قال : وما هي ؟ قال : بلغني من الموت شدة فأحب أن تذيقني منه طرفا ” فأنظر هو كما بلغني ، فاستأذن ربه له فأذن فأخذ بنفسه ساعة ثم خلى عنه ، فقال له : كيف رأيت ؟ قال : بلغني عنه شدة وأنه لأشد مما بلغني ، ولي إليك حاجة أخرى تريني النار ، فاستأذن ملك الموت صاحب النار ، ففتح له فلما رآها إدريس عليه السلام سقط مغشيا ” عليه ، ثم قال : لي إليك حاجة أخرى تريني الجنة ، فاستأذن ملك الموت خازن الجنة فدخلها فلما نظر إليها قال : يا ملك الموت ما كنت لأخرج منها ، إن الله تعالى يقول : ” كل نفس ذائقة الموت ” وقد ذقته ، ويقول : ” وإن منكم إلا واردها ” وقد وردتها ، ويقول في الجنة : ” وما هم بخارجين منها ” . ( 1 )
بيان : الخبران السابقان أقوى وأصح سندا ” كما لا يخفى فالمعول عليهما ، وهذا أوفق بروايات العامة .
9 – قصص الأنبياء : بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب بن المنبه قال : إن إدريس كان رجلا ” طويلا ” ، ضخم البطن ، عظيم الصدر ، قليل الصوت ، رقيق المنطق ، قريب الخطى إذا مشى – وساق الحديث إلى آخر ما مر في صدر الباب – ثم قال : وأنزل الله على إدريس عليه السلام ثلاثين صحيفة ، وهو أول من خط بالقلم ، وأول من خاط الثياب ولبسها ، وكان من كان قبله يلبسون الجلود ، وكان كلما خاط سبح الله وهلله وكبره ووحده و مجده ، وكان يصعد إلى السماء من عمله في كل يوم مثل أعمال أهل زمانه كلهم ، قال : وكانت الملائكة في زمان إدريس عليه السلام يصافحون الناس ويسلمون عليهم ويكلمونهم و يجالسونهم وذلك لصلاح الزمان وأهله ، فلم يزل الناس على ذلك حتى كان زمن نوح عليه السلام وقومه ثم انقطع ذلك ، وكان من أمره مع ملك الموت ما كان حتى دخل الجنة ، فقال له ربه : إن إدريس إنما حاجك فحجك بوحيي وأنا الذي هيأت له تعجيل دخول الجنة ، فإنه كان ينصب نفسه ( 1 ) وجسده يتعبهما لي ، فكان حقا علي أن أعوضه من ذلك الراحة والطمأنينة ، وأن أبوئه بتواضعه لي وبصالح عبادتي من الجنة مقعدا ” ومكانا “ عليا ” . ( 2 )