الرئيسية / القرآن الكريم / تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة النساء

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة النساء

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

63

((أُولَئِكَ)) المنافقون ((الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) وأن قصدهم لم يكن الإحسان والتوفيق وإنما الإعراض عنك لأنك تحكم بالحق ولا تقبل الرشوة ((فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)) ولا تُظهر لهم القبول حتى يتمادوا في غيّهم ويظنّون أنهم تمكّنوا من إغوائك ((وَعِظْهُمْ)) بأن تبيّن لهم خطأ طريقتهم ((وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ))، أي قل لهم قولاً يبلغ قرارة نفوسهم، فإن من الأقوال ما يُقال ولا ينفذ الى القلب لعدم وجود حرارة وحماس في القول ليعيه القلب، ومن الأقوال ما يُقال وينفذ في النفس فكان النفس محل إيداع القول ((قَوْلاً بَلِيغًا)) يبلغ نفوسهم.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

64

((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ)) فليس الرسول لمجرد الوعظ حتى يراجعه الناس مهما شائوا ويراجعوا غيره إذا لم يشاءوا مراجعته، بل إن الرسول أُرسل لإطاعة الناس له في جميع شؤونهم فهو المأذون من قِبَل الله سبحانه في أن يُطاع، أي ليس لأحد أن يطيع أحداً جبراً إلا إذا كانت السلطة ناشئة من قِبَل الله وإذنه وإلا فأية سيطرة لأحد على أحد، مع العلم أن الأشياء كلها مُلك لله سبحانه، ثم إن الله سبحانه لا يقطع صلته بهؤلاء المنافقين بل يفتح لهم مجال الرجوع والإنابة ((وَلَوْ أَنَّهُمْ))، أي هؤلاء المنافقين والعصاة ((إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ)) بالنفاق والمعصية فإن العصيان يعود ضرره الى العاصي ((جَآؤُوكَ)) تائبين معتذرين ((فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ))، أي طلبوا غفرانه وعفوه ((وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ)) بأن وجدهم أهلاً لطلب المغفرة من الله لهم ((لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا))، أي كثير التوبة وقد تقدّم أن معنى كون الله تواباً أنه كثير الرجوع الى عبده العاصي كلما تاب العبد ورجع ((رَّحِيمًا)) يرحم بهم ويغفر ذنوبهم.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

65

وهنا يتردد سؤال هو أنه كيف يُقال عن هؤلاء أنهم “يزعمون أنهم آمنوا بك” ؟ أليس إيمانهم حقيقياً فإنهم آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر والتزموا بشرائع الإسلام من صلاة وزكاة وصيام؟ والجواب ((فَلاَ وَرَبِّكَ))، أي ليس بمؤمنين حلفاً بربك يارسول الله ((لاَ يُؤْمِنُونَ)) إيماناً مرضياً أمَرَ به الله ورتّب عليه الجنة والثواب ((حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ))، أي يجعلوك حاكماً ((فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ))، أي فيما وقع بينهم من الخصومة ((ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا))، أي لا يجدوا في قلوبهم صعوبة من قضائك كما هو شأن المغلوبين في القضاء حيث لا يتقبّلون الحكم بسهولة بل يظنون أن الحاكم بَخَسَهم حقّهم ((مِّمَّا قَضَيْتَ)) وحكمت ((وَيُسَلِّمُواْ))، أي ينقادوا لقضائك وحكمك ((تَسْلِيمًا)) مطلقاً بلا صعوبة ولا حرج حتى في نفوسهم، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال : “لو أن قوماً عبدوا الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا شهر رمضان وحجّوا البيت ثم قالوا لشيء صنعه رسول الله ألا صنع خلاف ما صنع؟ أو وجدوا من ذلك حَرَجاَ في أنفسهم لكانوا مشركين” ثم تلا هذه الآية، وفي بعض التفاسير أن الآية نزلت في الزبير وابن أبي بلتعة حيث تنازعا فحكم الرسول للزبير فخرجا وقال ابن أبي بلتعة متهماً الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قضى لابن عمته وعيّرهم بذلك يهودي فقال : كيف تعتقدون أنه رسول الله ثم تتهمونه في قضاء قضى؟.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

66

كيف أنهم يجدون حرجاً من قضاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والحال أنه يجب إطاعة الرسول في كل شيء حتى لو قال بأنهم يقتلون أنفسهم -كما أمر موسى قومه- (توبوا الى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) فتابوا وفعلوا ما أَمَرَهم به ((وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا))، أي أوجبنا ((عَلَيْهِمْ))، أي على هؤلاء الذين يجدون حرجاً في أنفسهم مما قضيت ((أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ)) بأن يقتل بعضكم بعضاً أو يقتل الشخص نفسه ((أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم)) بأن تهاجروا مساكنكم الى بلاد الغُربة، كما خرج قوم موسى الى التيه من منازلهم التي كانت في مصر ((مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ)) لما في ذلك من إهلاك النفس والمشقة ((وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ)) من عدم الحرج في قضاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واتباع أوامره وأحكامه ((لَكَانَ )) فعلهم ذلك ((خَيْرًا لَّهُمْ)) في دنياهم وآخرتهم ((وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا)) فإن الإنسان كلما أطاع أثبت دينه وأقوى مَلَكة وعقيدته فإن العقيدة بتكرار العقل وتكرار التذكّر والإستسلام تقوى وتشتد، فما أمروا ليس فيه جهد قتل النفس وإخراجها من الديار ومع ذلك خير لهم وتثبيت اعقيدتهم المؤدية لكل سعادة.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

67

((وَإِذاً ))، أي إذا فعلوا ما يوعظون به ((لَّآتَيْنَاهُم ))، أي أعطيناهم ((مِّن لَّدُنَّا ))، أي لدن أنفسنا وهذه الكلمة تفيد تأكيد الوعد إذا الله تعالى عاجزاً لا يتمكن من إنجاز وعده ولا بخيلاً أو مخلفاً لوعده حتى لا يفي بما قال ((أَجْراً عَظِيمًا))، أي كبيراً، وفي الأحاديث أن نعيم الجنة بنحو “لا عين رأت ولا أُذُن سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشر”.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

68

((وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا))، أي ثبّتناهم وقد تقدّم في سورة الحمد (إهدنا الصراط المستقيم) أن المعنى ثبِّتنا بالتقريب الذي سبق أو المراد هدايتهم صراط يوم القيامة الذي هو جسر على جهنم.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

69

ثم يُنهي السياق الى القاعدة العامة التي توجب خير الدنيا والآخرة ((وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ)) باتباع أوامرهما ونواهيهما بصورة عامة ((فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم )) في الدنيا بالمكانة الرفيعة في القلوب والذِكر الرفيع والنُصرة كما قال تعالى (إنّا لننصر رُسُلُنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا) ((مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ )) الصدّيق هو الملازم للصدق في أقواله وأعماله أو هو المداوم على التصديق بما يوجبه الحق ((وَالشُّهَدَاء )) الذين استشهدوا في سبيل الله ويُسمى الشهيد شهيداً لشهادة الملائكة والناس له بأنه من أهل الجنة ((وَالصَّالِحِينَ )) الفاعلين للصلاح الملازمين له ((وَحَسُنَ أُولَئِكَ )) الأشخاص ((رَفِيقًا))، أي مرافقين لمن يطع الله والرسول.

شاهد أيضاً

الصيحة التي ستظل الأعناق لها خاضعة بقلم سالم الصباغ

الصيحة التي ستظل الأعناق لها خاضعة بقلم سالم الصباغ قراءة في علامات عصر الظهور   ...