الأمر الرابع : أن الأئمة عليهم السلام قد أخبروا بكلتي غيبته . – ففي البحار ( 3 ) عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال بعد عد الأئمة عليهم السلام : ثم يغيب عنهم إمامهم ما شاء الله ، ويكون له غيبتان ، إحداهما أطول من الأخرى ، ثم التفت إلينا رسول الله فقال رافعا صوته : الحذر الحذر إذا فقد الخامس من ولد السابع من ولدي . قال علي ( عليه السلام ) : فقلت : يا رسول الله فما يكون حاله عند غيبته ؟ قال : يصبر حتى يأذن الله له بالخروج فيخرج من قرية يقال لها كرعة ، على رأسه عمامتي متدرع بدرعي متقلد بسيفي ذي الفقار ومناد ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه ، الخ . – وعن أبي جعفر ( عليه السلام ) ( 4 ) أنه قال : إن لصاحب هذا الأمر غيبتين ، الخ . – وفي حديث آخر ( 5 ) عنه : إن للقائم غيبتين يقال في إحداهما هلك ولا يدرى في أي واد سلك . – وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ( 6 ) أنه قال لحازم بن حبيب : يا حازم ، إن لصاحب هذا الأمر غيبتين ، يظهر في الثانية ، إن جاءك من يقول إنه نفض يده من تراب قبره فلا تصدقه . – وفي حديث آخر ( 1 ) عنه ( عليه السلام ) قال : للقائم غيبتان : إحداهما قصيرة ، والأخرى طويلة ، الأولى لا يعلم بمكانه إلا خاصة مواليه في دينه . الأمر الخامس : أنه في زمن غيبته يشهد الناس ويراهم ولا يرونه . – ففي البحار ( 2 ) عن النعماني ، بإسناده عن سدير الصيرفي قال : سمعت أبا عبد الله الصادق ( عليه السلام ) يقول : إن في صاحب هذا الأمر لشبه من يوسف ، فقلت : فكأنك تخبرنا بغيبة أو حيرة ! فقال : ما ينكر هذا الخلق الملعون أشباه الخنازير من ذلك ! إن إخوة يوسف كانوا عقلاء ألباء أسباطا أولاد الأنبياء ، دخلوا عليه فكلموه ، وخاطبوه وتاجروه ، وراودوه وكانوا إخوته ، وهو أخوهم لم يعرفوه حتى عرفهم نفسه ، وقال لهم : أنا يوسف ، فعرفوه حينئذ فما تنكر هذه الأمة المتحيرة أن يكون الله جل وعز يريد في وقت أن يستر حجته عنهم ! لقد كان يوسف إليه ملك مصر ، وكان بينه وبين أبيه مسيرة ثمانية عشر يوما ، فلو أراد أن يعلمه مكانه لقدر على ذلك ، فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله يفعل بحجته ما فعل بيوسف ؟ أن يكون صاحبكم المظلوم المجحود حقه ، صاحب هذا الأمر يتردد بينهم ، ويمشي في أسواقهم ، ويطأ فرشهم ، ولا يعرفونه ، حتى يأذن الله له أن يعرفهم نفسه ، كما أذن ليوسف حتى قال له إخوته : * ( أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف ) * . – وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ( 3 ) قال : يفقد الناس إمامهم ، فيشهدهم الموسم فيراهم ولا يرونه . الأمر السادس : إن غيبته لا تنافي اللطف الموجب لإظهار الإمام ( عليه السلام ) ، أما بالنسبة إلى المجرمين ، فلأنهم السبب في خفائه ، كما عرفت في الوجه السادس ، وأما بالنسبة إلى الصالحين ، فلوجهين : الأول : أن الله تعالى قد أعطاهم من العقول والأفهام ما صارت الغيبة لهم بمنزلة المشاهدة كما صرح به سيد العابدين ( عليه السلام ) في حديث أبي خالد الكابلي الذي يأتي ذكره في الباب الثامن إن شاء الله تعالى . – وفي حديث محمد بن النعمان ( 1 ) عن الصادق ( عليه السلام ) : وقد علم أن أولياءه لا يرتابون ولو علم أنهم يرتابون ما أفقدهم حجته طرفة عين . وقد قدمنا هذا الحديث في أخباره عن غيبة القائم . وفي حديث المفضل عنه ( 2 ) قال : والله لأمرنا أبين من هذه الشمس ، وسنذكره في الباب الثامن . الوجه الثاني : أن مشاهدته ( عليه السلام ) غير ممنوعة عن بعض الصالحين ، كما يشعر بذلك قوله ( عليه السلام ) في التوقيع الذي قدمناه في الوجه السادس من أسباب غيبته ، فراجع هناك . – ويدل عليه ما في قضية علي بن إبراهيم بن مهزيار ( 3 ) ثم قال : ما الذي تريد يا أبا الحسن ، قلت : الإمام المحجوب عن العالم ، قال : وما هو محجوب عنكم ، ولكن حجبه سوء أعمالكم ، الخ ، والحديث مذكور في تبصرة الولي وغيره ، فإن شئت تفصيل ذلك فاطلبه هناك لانشراح صدرك وصلاح حالك ، مضافا إلى أن أدل الأمور على إمكان شئ وقوعه ، وقد وقع الفوز بلقائه ( عليه السلام ) لجمع من سلفنا الصالحين ، رحمة الله عليهم أجمعين ، وذكر تفصيل تلك الوقائع خارج عما نحن بصدده ، ولعل الله عز وجل يوفقني لذكر طرف منها في خاتمة هذا الكتاب ، فإنه الهادي إلى نهج الصواب وإن شئت ما يكفيك فانظر في كتاب النجم الثاقب ( 4 ) وكتاب جنة المأوى ، اللذين ألفهما العالم الرباني ، المستفيض بالفيض القدسي ، الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي ، رحمه الله تعالى . وقال السيد الأجل المرتضى علم الهدى رضي الله تعالى عنه في كتاب الغيبة : فإن قيل فأي فرق بين وجوده غائبا لا يصل إليه أحد ، ولا ينتفع به بشر ، وبين عدمه ؟ ألا جاز إعدامه إلى حين علم الله سبحانه بتمكين الرعية له ، كما جاز أن يبيحه الاستتار ، حتى يعلم منه التمكين له فيظهر ، قيل له أولا نحن نجوز أن يصل إليه كثير من أوليائه ، والقائلين بإمامته ، فهم ينتفعون به في حال الغيبة النفع الذي نقول إنه لا بد في التكليف منه ، لأنهم مع علمهم بوجوده ( عليه السلام ) بينهم ، وقطعهم على وجوب طاعته عليهم ولزومها لهم ، لا بد من أن يخافوه ويهابوه ، في ارتكاب القبائح ، ويخشوا تأديبه ومؤاخذته ، فيقل منهم فعل القبيح ، إلى آخر ما أفاده أعلى الله تعالى مقامه ، وزاد له أنعامه . وقال السيد العالم العابد الزاهد علي بن طاوس ( ره ) في كشف المحجة ( 1 ) مخاطبا لولده : والطريق مفتوحة إلى إمامك لمن يريد الله جل جلاله عنايته به وتمام إحسانه إليه ، إنتهى كلامه رفع مقامه . وإن ذكرت كلمات العلماء الصالحين في هذا الباب ، طال الكتاب ، ومل الأصحاب . فإن قلت : إذا أثبت جواز المشاهدة ، ووقوعها ، فكيف التوفيق بين ذلك وبين التوقيع الذي خرج إلى السمري ! فقد صرح فيه بتكذيب من يدعي المشاهدة . قلت : قد ذكر علماؤنا في ذلك وجوها أوجهها ما ذكره المجلسي في البحار ( 2 ) حيث قال بعد ذكر التوقيع المذكور : لعله محمول على من يدعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه ( عليه السلام ) إلى الشيعة على مثال السفراء ، لئلا ينافي الأخبار التي مضت وستأتي فيمن رآه والله يعلم . غربته ( عليه السلام ) إعلم أن للغربة معنيين : أحدهما البعد عن الأهل والوطن والديار ، والثاني قلة الأعوان والأنصار وهو روحي فداه غريب بكلا المعنيين فيا عباد الله أعينوه ويا عباد الله انصروه . ويدل على غربته بالمعنى الأول ما ذكرناه في عزلته وبالمعنى الثاني ما مر في حديث الجواد ( عليه السلام ) : فإذا اجتمعت له هذه العدة ، يعني ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من أهل الإخلاص أظهر الله أمره ، الخ ، فانظر أيها العاقل ، كيف طالت السنون ، ومضت الأعوام ، ولم تجتمع هذه العدة للإمام ( عليه السلام ) : فهذا أقوى شاهد على قلة أنصاره وغربته .