الرئيسية / صوتي ومرئي متنوع / صلى الله عليك ياأبا عبد الله.. من قالها ثلاث مرات حصل على ثواب الزيارة 6

صلى الله عليك ياأبا عبد الله.. من قالها ثلاث مرات حصل على ثواب الزيارة 6

التوجيهات العسكرية: إدارة الوقت والموارد
طلب الإمام تأجيل المعركة لليلة واحدة ليتاح له ولأصحابه التعبد والتهجد في الليل، ولذلك تأثير معنوي إيجابي على الأصحاب، وفي الصباح بدأ الإمام صلوات الله عليه بالخطاب والبيان والتوضيح إلى أن ضج المعسكر الآخر بأمر من قادته حتى لا يسمع كلمة الحق ولا يتزلزل عزمه للقتال، كل ذلك كان وقتاً مكتسباً لصالح معسكر الإمام على المستوى المعنوي. مع تقدم الوقت في ذلك النهار كانت قوات الإمام القليلة تخوض قتالاً تدريجياً، ففي البداية كانت الحملة الأولى إذ خرج عدد كبير من الأصحاب إلى المعركة واستشهدو جميعاً، ثم بدأت المعركة تأخذ وتيرةً أبطأ، حيث بدأ قتال المجموعات، كل أربعة رجال معاً، ثم بعد قليل أصبح القتال ثنائياً، وفي النهاية، بدأ النزال فرداً فرداً، إلى أن حان وقت الصلاة، وكانت لحظة معنوية لصالح معسكر الإمام، وفي النهاية برز الإمام وحيداً صلوات الله عليه، وقاتل حتى استشهد. لم يؤخذ المعسكر الصغير غيلةٌ، بل تمت الإستفادة من هذه القوات القليلة لإحداث أكبر الأثر المعنوي في صفوف العدو، الذي كان يطمح لمعركة حاسمة يتم فيها القضاء على المجموعة الصغيرة بسهولة ويسر ودون ضجة تذكر، ولكن التوجيهات العسكرية للإمام وإدارته الحكيمة للقتال منعت وقوع هذا السيناريو الذي يعني القضاء على مجموعة صغيرة بدون أثر.

التوجيهات المعنوية: الوجود المعنوي والتكويني للإمام، خطاب ليلة العاشر، كلماته لأصحابه يوم العاشر، الصلاة
الجاذبية التكوينية التي يمتلكها الإمام الحسين صلوات الله عليه هي نقطة محورية في الواقعة العاشورائية، ذلك أن خطاب الأصحاب ليلة العاشر كان بمنتهى الوضوح، كان القتال لأجل الإمام وللدفاع عنه، وليس هناك أي سياق آخر في كلماتهم، كان هو محور الحدث وبؤرة الحركة التاريخية برمتها. ليلة العاشر هي الأخرى تضمنت توجيهاً معنوياً أساسياً تجلى بالإختبار الحاسم الذي ألقاه الإمام على أصحابه، والمتمثل بإعطائهم الخيار في البقاء أو الرحيل، فأعطاهم إذناً شرعياً واضحاً بنكث بيعتهم وتركه في تلك الصحراء، في المعركة التي مشى إليها بقدميه، ولكنهم حسمو أمرهم بشكل نهائي وواضح، بل شديد الوضوح والبيان، فقد فضلوا الموت عشرات المرات، على الحياة بعد الحسين صلوات الله عليه، وكان ذلك اختباراً لقلوبهم. اللحظة الأخرى التي أعطت موقفاً معنوياً وروحانياً وسط المعركة، كانت صلاة الجماعة وسط السهام والرماح والسيوف.

عاشوراء والفتح 
* تجلي الإرادة الإلهية في صنع النموذج الضامن لاستمرار المسيرة الإلهية
* الفتح كأقصى ظهور ممكن للجمال والجلال الإلهي في الساحة الدنيوية
* الإنسان الكامل هو الذي يعلم الأسماء والصفات الإلهية ويتمثل بها
* كربلاء أقصى ما يمكن من ظهور لهذا الإنسان الكامل
* كربلاء إذن هي أقصى ظهور لهذه الأسماء والصفات

الإمام الحسين صلوات الله عليه، أعطى للواقعة الكربلائية تسمية تعكس طبيعتها في رؤيته، حيث أسماها الفتح، في سياق ينم عن معرفته بما سيحصل، فمن لحق بنا استشهد، فما سيجري على أرض الصحراء هو استشهاد كل من يلتحق بقافلته، وسيسيل دم كل الثوار على التراب الحارب والملتهب تحت الشمس الضارية، ولكن حقيقة ما سيحصل هو الفتح، ثمة انتصار أو ثمة فجر سينبلج وحقيقة ستظهر وسط المشهد الملحمي الدامي، وهذا الفتح يبلغه الملتحقون، وهو غير الشهادة التي سينالونها، فهناك اشارة إلى شيء فردي هوالشهادة وشيء علوي هو الفتح.

هنا إذا أخذنا الزاوية التاريخية في التحليل تبرز أمامنا إشكالية أساسية، فإن كان المقصود من الفتح هو نتائج المعركة الإستشهادية فإن الإشارة كانت إلى ذات الواقعة وليس إلى نتائجها، فمن تخلف عنا لم يبلغ الفتح، فهنا القول لا يشير إلى ما بعد الواقعة، بل إلى ذاتها، فما هو هذا الفتح، وما هي طبيعته؟

الجماعة البشرية التي التحقت بقافلة سيد الشهداء عليه السلام إنخرطت في تكوين هذا الفتح، وهو فتحب الشهادة وليس انتصاراً مادياً، بل هو تحقق وظهور للحقيقة الإلهية، فعندما بينا أن ميزة كربلاء هي في وضوحها وتجليتها للمعاني التي تحملها الجماعة التي صنعتها وأنتجتها بإيثارها ودمائها وأشلائها ودموع سباياها، هنا نطوي خطوة أخرى في السؤال عن ماهية الحقيقة الكلية التي أسماها الإمام الشهيد بالفتح.

محور الواقعة هو الإنسان الكامل، هو الإمام الشهيد الغريب العطشان وسط البيداء بلا ناصر ولا معين، هذا الإنسان الكامل في جماله ونوره وحمله لكل ما هو جميل في هذا الوجود، في روحه وعقله ووجوده، فهو أرقى تجلِّ للجمال المطلق، وهو خليفة الإله المطلق، وسائر المشاركين في الواقعة هم كالفراشات التي تطوف حول الشمعة وتحترق في نارها اللاهبة، فهم ضحوا بأنفسهم لأجله وتمنوا الموت مرات عديدة لو كان ذلك ممكناً، كل ذلك كان لأجله هو، وهو الذي اجتذبهم وأخذهم إلى تلك الملحمة الدامية وهم في غاية الشوق والعشق، وهو الذي أخذ القرار بالقدوم إلى تلك البيداء والإستمرار في ذلك رغم معرفته باستشهاد مسلم بن عقيل، وهو القائد والمحرك الفعلي لكل ما حصل، بروحه وكلماته وصبره ورؤيته الكونية والتاريخية والسياسية، فهو أصل وبؤرة كل الملحمة وهو قطب هذا الفتح ومفتاحه الوحيد، وهو قمة التجلي، والباقي هم تابعُ له.

التجلي الأسمى للوجود الإلهي في الكون المخلوق وهو أبا عبد الله الحسين صلوات الله عليه، كان في تلك الساحة، ساحة البلاء الأعظم، ساحة احتكاك الجمال والجلال الإلهي مع أضيق الظروف المادية الدنيوية، التي يمكن لإنسان، في طول التجربة البشرية، أن يتحملها، في تلك الساحة التي يذوب وينهدم فيها كل ما هو مادي ونفسي ومعنوي، ويظهر فيها الجمال والجلال الحسيني الإلهي، وهو ربما ما نفهمه من آية “كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام” فالظهور مشروع بالفناء.

إذن، نحن نشاهد في إصغائنا لقارئ العزاء، الإنسان عندما يخرج من كل ذاتياته ولا يبقى منها أي شيء على الإطلاق، هذا الإنسان الذي يفنى بكل الأبعاد أمامنا، يصبح شفافاً إلى أقصى الحدود الممكنة، بحيث نشاهد من خلاله الأسماء والصفات الإلهية العظيمة والسامية، وهذه هي الحقيقة التي أسماها سيد الشهداء الفتح، وأسمتها سيدة السبايا بنت علي عليه السلام، زينب سلام الله عليها بالجميل، فوالله ما رأيت إلا جميلاً، ولم يكن هناك شيء سوى الجمال، كان الجمال الإلهي ساطعاً ومشرقاً ومنيراً من بين الأسنة والحراب وسنابك الخيول والرؤوس المقطوعة.

هذا الفتح هو أعلى شهود بالعين والأذن البشرية حين تريد أن تلتمس الطريق إلى معرفة الجميل المطلق، ولذلك كانت الدمعة تمحي كل الذنوب، لأنها دمعة شهود مباشر وإدراك معنوي قلبي للحقيقة المطلقة للجمال، وربما يشير الإمام الخميني إلى هذا المعنى بعبارته “شمس الجمال الحسيني”، ولذلك فإن هذه القمة الشامخة للظهور الإلهي التي تتعدى ما شاهده موسى عندما اندك الجبل وخر صعقاً، هي حقيقة إيمانية تكتمل بها المعرفة الإنسانية بالخالق، ولذلك مر الأنبياء في كربلاء، وبكوا هناك على الشهيد الأكبر، الذي هو الفتح بعينه، قبل حصول الواقعة بقرون طويلة، فهي حقيقة وجودية ما فوق زمنية، هي قمة تجلي الجمال والجلال.

 

* هادي قبيسي.

شاهد أيضاً

الامام الحسين هو المنهج – الشيخ فاضل الصفار