-
القهر لله:
والحقيقة الثالثة التي توجب عبادة الله سبحانه هي: أن الله تعالى هو القاهر وأن إرادته هي النافذة، ولا يستطيع أحدٌ أن يردّها أو يقاوم سلطانه ومشيئته، وليس أمام الإنسان إلاّ أن يخضع لإرادة خالقه ويلتزم بأوامره ونواهيه ويسلّم لحكمه: ﴿ وَهُوَ ٱلقَاهِرُ فَوقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلحَكِيمُ ٱلخَبِيرُ ﴾[1].
﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجنِ ءَأَربَاب مُّتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلوَٰحِدُ ٱلقَهَّارُ ٣٩ مَا تَعبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّا أَسمَاء سَمَّيتُمُوهَا أَنتُم وَءَابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلطَٰنٍ إِنِ ٱلحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعبُدُاْ إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعلَمُونَ ﴾[2]. ﴿ قُل إِنَّمَا أَنَا مُنذِر وَمَا مِن إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلوَٰحِدُ ٱلقَهَّارُ ﴾[3].
على أن هذا الخضـوع لإرادة اللـه القاهـرة، قائـمٌ على الاعتقاد بعدل الله وحكمته ورحمته، ولا يشبه الخضوع الذي يقع من الإنسان الضعيـف للطاغيـة الظالـم، فهنـاك فـرقٌ في شعـور الإنسان النفسي بين الحالتين، حالة ٌيخضع فيها لإرادةٍ ظالمةٍ غاشمةٍ بسبب قهرها وتسلّطها عليه فيخضع لها خضوعاً مكرهاً ولو استطاع التمرّد والخلاص منها لفعل،
لأنه لا يؤمن بعدالة هذا الخضوع القاهر الغاشم، وحالةٌ أخرى يخضع فيها الإنسان لقوّةٍ قاهرةٍ بسبب إيمانه بالعلاقة الحقيقية بين وجوده الضعيف وبين وجود هذه القوّة الإلهية القاهرة وكونها علاقة عادلة، لأنها تعبّر عن حقيقة الذاتين: ذاته التي هي ضعفٌ مطلقٌ، وذات الخالق التي هي قدرةٌ مطلقة. وليس في هذه العلاقة ظلمٌ ولا حيف، وإنما هي علاقةٌ قائمةٌ على أساس العدل والودّ والرحمة. ﴿ وَٱستَغفِرُواْ رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيم وَدُود ﴾[4]. ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظلِمُ مِثقَالَ ذَرَّة وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَٰعِفهَا وَيُؤتِ مِن لَّدُنهُ أَجرًا عَظِيما ﴾[5].
-
الأمر لله:
والحقيقة الرابعة التي تجعل من الإنسان عبداً لله هي: أن الإنسان لا يملك شيئاً من هذا الوجود، ولا يستطيع التصرّف فيه، ولا تسيير الأمور التي تجري عليه من الموت والحياة والأحداث الأخرى التي لا يملك إلاّ الرضا بها، فهي قضاءٌ محتومٌ عليه، وقدر لا يستطيع التصرّف فيه، أو الاعتراض عليه، فخضوعه لمثل هذه الأحداث إنما هو خضوعٌ تكوينيٌّ لأمر الله وإرادته: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذنِ ٱللَّهِ كِتَٰبا مُّؤَجَّلا وَمَن يُرِد ثَوَابَ ٱلدُّنيَا نُؤتِهِۦ مِنهَا وَمَن يُرِد ثَوَابَ ٱلأخِرَةِ نُؤتِهِۦ مِنهَا وَسَنَجزِي ٱلشَّٰكِرِينَ ﴾[6]. ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذنِ ٱللَّهِ وَمَن يُؤمِن بِٱللَّهِ يَهدِ قَلبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيم ﴾[7].
فليس أمام الإنسان إلاّ أن يسلّم أمره إلى الله يتصرّف به كيف يشاء، فيرضى بقضاء الله وقدره. ﴿ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمرِ مِن شَيء قُل إِنَّ ٱلأَمرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ﴾[8].
ولذا كان قول الإنسان المؤمن بالله الواثق بعدله وحكمته: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمرِي إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُ بِٱلعِبَادِ ﴾[9].
وهكذا تأتي العلاقة واضحة بين خروج الأمر والتصرّف من يد الإنسان، وانتظام الكون والحياة والحوادث والوقائع وفق إرادة الله ومشيئته من جهةٍ وبين عبودية الإنسان لله سبحانه وتعالى من جهةٍ أخرى، لأن الإنسان يمثّل في هذه العلاقة طرف الاستجابة والخضوع والعبودية لمشيئة الله وحكمته.
ولا يملك القدرة على الاستقلال في التصرّف وإيقاع الحوادث إلاّ بمشيئة الله وإذنه، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيما ﴾[10].
وفي الحديث القدسي عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوتي أديت فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قوياً، ما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذاك أني أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني، وذلك أنني لا أُسأل عمّا أفعل وهم يُسألون”[11].
ورجوع الأمر لله سبحانه، أي التصرّف في الخلق والكون من التقدير والقضاء والحدوث، هو نتيجة طبيعية لثبوت الملك والقهر لله سبحانه وتعالى. لأن المالك القاهر هو وحده القادرعلى التصرّف وتدبير الحوادث والوقائع وتنظيمها وفق إرادةٍ تكوينيةٍ قاهرةٍ نافذةٍ قادرةٍ على إمضاء المشيئة الخيّرة وجريان الحكم المنفّذ لهذه المشيئة والاختيار. وهكذا يجد الإنسان نفسه كائناً يدور في فلك العبودية التكوينية والخضوع الذي يشكّل أساساً ومنطلقاً لعبودية إرادية مختارة.
-
الربوبية لله:
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله