الحسين عليه السلام سماته وسيرته 17

22 – الحج ، في سيرة الحسين عليه السلام
للحج في تراث أهل البيت عليهم السلام شأن عظيم ، وموقع متميز بين
عبادات الإسلام ، فهم يبالغون في التأكيد على أن الكعبة هي محور الدين ، ومدار
الإسلام ، ونقطة المركز له ، وقطب رحاه ، على المسلمين غاية تعظيمه والوفادة
إليه .
ومن الواضح أن من الفوائد المنظورة للحج ، والتي صرحت بها الآيات
الكريمة ، وأصبحت لذلك أفئدة المؤمنين تهوي إليه هو دلالته الواضحة على
خلوص النية ، والتركيز على وحدة الصف الإسلامي ، وتوحيد الأهداف
الإسلامية ، التي تركزت عند الكعبة ، وتمحورت حولها .
وأهل البيت عليهم السلام كانوا في هذا التكريم العظيم جادين أقوالا
وأفعالا ، فالنصوص الواردة لذلك مستفيضة بل متواترة ، وقد أقدموا على ذلك
عمليا بأساليب شتى :
منها : الإكثار من أداء الحج ، وقد جاء في سيرة الحسين عليه السلام : [ 2 – 193 ] إنه حج ماشيا خمسا وعشرين ، وإن نجائبه معه ،
معه ، تقاد وراءه ( 1 ) .
إنها الغاية في تعظيم الحج ، بالسعي إلى الكعبة على الأقدام ، لا عن قلة راحلة ،
بل إمعانا في تجليل المقصد والتأكيد على احترامه .
وهذا على الرغم من ازدحام سني حياته بالأعمال ، فلو عددنا سني إمامته
العشر ، وسنوات إمامة أخيه الحسن العشر كذلك ، وسنوات إمامة أبيه الخمس ،
لاستغرقت خمسا وعشرين حجة .
فهل حج الحسين عليه السلام في الفترة السابقة بعض السنوات ؟
وأسلوب آخر من تعظيم أهل البيت للكعبة والبيت والحرم : أنهم لم يقدموا
على أي تحرك عسكري داخل الحرم المكي ، وكذلك الحرم المدني ، رعاية لحرمتهما أن
يهدر فيهما دم ، وتهتك لهما حرمة على يد الحكام والأمراء الظالمين ، وجيوشهم
الفاسدة ، المعتدية على حرمات الدين .
ومن أجل ذلك خرج الإمام علي عليه السلام من الحجاز ، وكذلك الإمام
الحسين عليه السلام ، وكل العلويين الذين نهضوا ضد جبابرة عصورهم ،
وطواغيت بلادهم ، خرجوا إلى خارج حدود الحرمين حفظا لكرامتهما ، ورعاية
لحرمتهما ( 2 ) .
وبهذا الصدد جاء في حديث سيرة الحسين عليه السلام أنه خرج من مكة
معجلا ، جاعلا حجه عمرة مفردة ، حتى لا تنتهك حرمة البيت العتيق بقتله ، بعد
أن دس يزيد جلاوزته ليفتكوا بالإمام ، ولو كان متعلقا بأستار الكعبة
وإذا كان الظالمون لا يلتزمون للكعبة والحرم بأية حرمة ، ويستعدون لقتل
النفوس البريئة فيه ، وهتك الأعراض في ساحته ، وحتى لهدمه وإحراقه ، كما
أحدثوه في تاريخهم الأسود مرارا ، وصولا إلى أغراضهم السياسية المشؤومة .
فإن بإمكان الحسين عليه السلام أن يسلبهم القدرة على تلك الدنائة ، فلا يوفر
لهم فرصة ذلك الإجرام ، ولا يجعل من نفسه ودمه موضعا لهذا الإقدام الذي
يريده المجرمون ، فلا يحقق بحضوره في الحرم ، للمجرمين أغراضهم الخبيثة ،
بقتله وهتك حرمة الحرم ، وإن كان مظلوما على كل حال .
وهذه هي الغاية القصوى في احترام الكعبة ، وحفظ حرمة الحرم .
وقد صرح الإمام الحسين عليه السلام بهذه الغاية لابن عباس ، لما وقف أمام
خروجه إلى العراق ، فقال :
[ 243 ] : لئن أقتل بمكان كذا وكذا ، أحب إلي من أن استحل
حرمتها .
[ 244 ] وفي نص آخر : . . . أحب إلي من أن يستحل بي
ذلك ( 1 )
والنص الوارد في نقل الطبراني : . . . أحب إلي من أن يستحل بي حرم الله
ورسوله ( 2 )
وهذه مأثرة اختص بها أهل البيت عليهم السلام لا بد أن يمجدها المسلمون .

شاهد أيضاً

الشعب الإيراني كل ليلة يخرج للشوارع لدعم الدولة بإعداد كبيرة هل يوجد في العالم مثل هذه الملحمة

Haydari Nazar 50 المشهد الإيراني الحالي لافت جدًا من الناحية التاريخية، خصوصًا إذا كان المقصود …