بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين, المربّي الحقيقيّ للبشر، الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، والصلاة والسلام على رسوله وأهل بيته عليهم السلام الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فكانوا مدرسة تربوية نموذجية للناس أجمعين.
يتميّز الإنسان عن باقي الكائنات المشاركة له في وحدة الحياة بأنه كائنٌ يمتلك قابليّة التغيّر واستعداد الانتقال من حال إلى حال، كائنٌ قادر على صناعة هويّته وتشكيل شخصيّته بالإرادة الحرّة والاختيار، فهو بالمشيئة – وفق تعبير القرآن الكريم[1]-، أي يستطيع أن يتقدّم ويعرج في مراتب الكمال ليصير كالملائكة، أو أن يتأخّر ويتسافل في درجات النقص ليصبح كالأنعام بل أضلّ سبيلاً. فالإنسان يعيش بين الكينونة والصيرورة، فهو بما هو كائن بالفعل غيره بما يُمكنه أن يكون بالقوّة، وهذا ما أشار إليه الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام في قوله: “إن الله عزّ وجلّ ركَّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم كليهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شرّ من البهائم”[2].
وهذا السلوك الاختياريّ للإنسان تجاه الكمال الملائكيّ أو النقص البهائميّ، يخضع لجملة عوامل ومؤثّرات، منها طبيعة النظام والمؤسّسات في الدولة التي يعيش فيها الإنسان، والبيئة المجتمعية المحيطة به، وخصائص البيت الأسريّ الذي ينمو فيه، والمدرسة التي
يتعلّم فيها، والجمعيات الكشفية أو الأندية الرياضية التي ينتسب إليها، والمكتسبات التي تنتقل إليه عن طريق الوراثة، والنماذج السلوكية التي يُحاكيها ويُقلّدها، وإمبراطورية الإعلام وشبكات وسائل التواصل والاتّصال (التلفزيون والسينما وأفلام الكرتون – الأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعيّ – الألعاب الإلكترونية – برامج الهاتف-الإعلانات والدعايات…). وكلّ هذه العوامل والمؤثّرات تندرج تحت كلّية مفهوم التربية بالمعنى الأعمّ، أي تنشئة وتنمية استعدادات الإنسان شيئاً فشيئاً في جميع جوانب شخصيّته. والتربية بهذا المعنى قابلة للتحرّك، إمّا بهذا الاتّجاه لتبلغ حدّ الكمال أو ذاك لتنزل إلى حدّ النقص. والبوصلة التي تُحدّد خطّ سير التربية هي الفلسفة والرؤية الكونية والمنظومة القيمية والمفاهيم الحقوقية والتشريعية التي ينتمي إليها المربّي. وانطلاقاً من عقيدتنا الدينية عن الله والكون والإنسان والحياة، يُعتبر القرآن الكريم وسنّة المعصومين عليهم السلام المصدرين الأساسين اللذين نستمدّ منهما المنهاج التربويّ الأفضل لاستكمال شخصية أطفالنا وأبنائنا وبناتنا في جميع جوانب هويّتهم وساحاتها وأبعادها، خصوصاً أنّ التجربة النبوية في تربية الإنسان من أكثر التجارب نضوجاً ورشداً في إيصال الإنسان إلى الهدف المنشود الذي يتناسب مع كمال طبيعته البشرية. وفي هذا السياق يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: “إذا كان لكلّ علم موضوع، فإنّ علم جميع الأنبياء هو الإنسان، فالإنسان هو موضوع بحث جميع الأنبياء، وموضوع تربيتهم”.
وعليه، مهما شرّق الإنسان أو غرّب في المدارس التربوية الحديثة والمعاصرة أو وجهات نظر المتخصّصين في ميدان التنظير التربويّ، مع ما فيها من الآراء المهمّة والنظريات المبتكرة, لن يجد علماً صحيحاً كالذي يخرج عن المصدر الوحيانيّ[3].
وهذه هي وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للأمة، حيث يقول صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فتمسّكوا بهما لئلّا تضلّوا”[4]. فمن ترك كتاب الله تعالى والنبيّ وأهل بيته عليهم السلام لا يمكن أن يصل إلى نتائج معرفية مشرقة ومضيئة في أيّ مجال من مجالات علوم الإنسان،
فعن الإمام الكاظم عليه السلام، قال: “من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيّه ضلّ، ومن ترك كتاب الله وقول نبيّه كفر”[5].
وفي هذا السياق، نُلاحظ أنّ الإمام القائد السّيد عليّ الخامنئيّ دام ظله يؤكّد في مناسبات كثيرة على العمل التأصيليّ لنظريات تتعلّق بحقل دراسة الإنسان كعلم النفس والاجتماع والتربية وغيرها في ضوء المباني الوحيانية والتصوّر القرآنيّ، حيث يقول: “العلوم الإنسانية الغربية تبتني على رؤية كونية مادّية متعارضة مع المباني القرآنية والإسلامية. إنّنا نقوم بتدريس هذه العلوم الإنسانية في الأقسام المختلفة لجامعاتنا، وننشرها على شكل ترجمات من دون أن نُعمِل أي بحث فكريّ إسلاميّ فيها، مع أنّه يجب تحرّي المهمّة في البحث عن مباني العلوم الإنسانية في القرآن الكريم واستخراجها”.
وهذا لا يعني – من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ- إغفال الاستفادة من منجزات التجربة المعرفية الغربية في علوم الإنسان، يقول دام ظله: “أنا أُظهر حساسية تجاه قضايا العلوم الإنسانية، لم نقل إنه لا ينبغي أن نستفيد بأي شكل من الأشكال من معارف الغربيين التي يوجد فيها الكثير من الطفرات عبر قرون عدّة في مجالات العلوم الإنسانية المختلفة أو أن لا نقرأ كتبهم، لكن ما نقوله هو أن لا تُقلّدوا…“[6].
ويعتبر سماحته أنّ “جميع التحرّكات الطلائعية في المجتمع هي الجسد، والعلوم الإنسانية هي روح هذا الجسد، وأنّ العلوم الإنسانية توجّه السير، وتُحدّد الاتّجاه الذي نتحرّك نحوه، والهدف الذي يسعى إليه علمنا. وعندما تنحرف العلوم الإنسانية وتقوم على أسس ورؤى كونية خاطئة تكون النتيجة أنّ جميع تحرّكات المجتمع تتّجه نحو نزعة منحرفة“[7].
وانطلاقاً من أهمّية وخطورة علم التربية في خارطة علوم الإنسان من جهة، ومن ضرورة أن تكون تربيتنا منسجمة مع الرؤية الكونية الوحيانية كما دعا الإمام الخامنئيّ، كان هذا الكتاب “المنهج الجديد في تربية الطفل، الرؤية الإسلامية للأبعاد والميادين“، دراسة تأصيلية، تهدف إلى توضيح المعالم العامة للمنهاج التربويّ الإسلاميّ في خطّ علاقة
المربّي مع الطفل المتربّي، من خلال استنطاق النصّ الدينيّ – القرآن والسنّة – في ضوء فهم علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام، لتكون حياتنا التربوية مع أطفالنا تعيش حالة التوفيق بين السلوك التربويّ من جهة والعقيدة والقيم والشريعة الإسلامية.
واعتقاداً منّا بأهمّية تفعيل العلاقة الجدلية بين النص الوحيانيّ وتجربة الواقع في الإنتاج المعرفيّ الإسلاميّ -كما هي دعوة الإمام الخامنئيّ دام ظله وأشار إليها الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره في كتاب المدرسة القرآنية-تمّ الأخذ بعين الاعتبار المنجزات التربوية للتجربة البشرية التي سجّلتها يد المتخصّصين والباحثين في حقل التربية وميادينها، فلم يتمّ إغفال النظريات التربوية المعاصرة من الحضور في طيّات أبحاث الكتاب، لأنّ “العالِم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس”[8]، على حدّ تعبير الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
وقد انعكست هذه النقطة أي النظر إلى معطيات الوحي الإلهيّ ومنجزات التجربة التربوية البشرية على الكتاب منهجاً وأسلوباً وشكلاً ومضموناً، أي من حيث أسلوب الكتابة ولغة التعبير الغنية بالمصطلحات العلمية، ومن حيث المنهج المشحون بالروح الاستدلالية والتحقيقية، أو مضمون الأفكار الحافل بمقدّمات مطويّة (تدرس في أصول الفقه، وعلم الفقه الاستدلاليّ، وقواعد اللغة العربية، وعلم الكلام، والفلسفة والمنطق…) التي من المفترض أن يكون الطالب/ الطالبة قد قطع شوطاً معها في الحلقات الدراسية السابقة، خصوصاً أنّ الجهة المستهدَفة بالكتاب هي المرحلة التخصّصية، لذا قد يجد الطالب نفسه معنياً ببذل جهد شخصيّ – بالإضافة إلى شرح الأستاذ- في فهم مطالب الكتاب ومباحثه.
ولكون الكتاب قد أكثر من النصوص الوحيانية في استدلالاته، نُشير إلى أنّنا اعتمدنا في تخريج الروايات على منهج التحقيب التاريخيّ للموسوعات الحديثية، بمعنى أنّه تمّ اللجوء إلى المصادر الروائية بحسب تسلسلها التاريخيّ، فإنْ عثرنا على الروايات في كتب القدماء كالشيخ الكلينيّ والصدوق والطوسي…، استندنا إليها، وهكذا نتحرّك تدريجياً حسب التسلسل التاريخيّ صعوداً وصولاً إلى كتب وسائل الشيعة وبحار الأنوار والوافي وجامع أحاديث الشيعة… إلخ.
كما أنّ كون الحصة الدراسية لها سقف زمنيّ محدّد، حال دون التوقّف بالشرح والتحليل والدراسة المقارنة والتفصيلية للعديد من متون الروايات مع كثرتها، ممّا ترك أيضاً مساحة يتحرّك فيها الأستاذ والطالب مع فقه الحديث، لاستخراج الكنوز المعرفية من البحر الواسع لعلوم المعصومين عليهم السلام.
ونُشير في الخاتمة، إلى أنّنا قد أكملنا مباحث هذا الكتاب بكتابٍ ثانٍ، نُعالج فيه التربيات المضافة، ونُسلّط الضوء فيه على الأبعاد والساحات التي تجري فيها العمليات التربوية، بالإضافة إلى الأساليب العامة للتربية، مثل: التربية باللعب، التربية بالحبّ والرحمة، التربية بالعقوبة، التربية بالثواب، التربية الاقتصادية، التربية الصحية، التربية الرياضية، التربية الجنسية…
وأخيراً، ندعو الله تعالى أن ينفع بيئتنا التربوية ومؤسّساتنا التعليمية خصوصاً التخصّصية منها بهذا الجهد المتواضع، سائلين إيّاه عزّ وجلّ أن يمنّ على مجتمعاتنا بالمزيد من الإنتاج المعرفيّ الأصيل فيما يتعلّق بميادين العلوم الإنسانية.
والحمد لله رب العالمين
مركز نون للتأليف والترجمة
الفصل الأول: تربية الطفل
المفهوم – الهدف
-
الدرس الأوّل: مفهوم تربية الطفل على ضوء تحليل الشبكة المعنائية.
-
الدرس الثاني: مفهوم تربية الطفل في العلوم التربوية المعاصرة.
-
الدرس الثالث: هدف تربية الطفل.
WILAYAH NEWS VOICE OF THE GLOBAL AWAKENING
