الرئيسية / اخبار اسلامية / أسرار الصلاة – الجليل الشيخ الجوادي الآملي 11
0568c10d-798a-4ca3-a590-be5baa115a99

أسرار الصلاة – الجليل الشيخ الجوادي الآملي 11

والشاهد عليه ما روي عن رسول اللَّه – صلَّى الله عليه وآله – أنّه قال : « إنّما الأعمال بالنيّات ، ولكلّ امرئ ما نوى ، فمن غزا ابتغاء ما عند اللَّه فقد وقع أجره على اللَّه ، ومن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالا لم يكن له إلَّا ما نوى » « 1 » . وفي وصيّة رسول اللَّه – صلَّى الله عليه وآله – لأبيّ ذرّ : « وليكن لك في كلّ شيء نيّة ، حتّى في النوم والأكل » « 2 » .

فالنيّة بمعنى : قصد التقرّب من اللَّه سبحانه هي روح العمل الذي بها يحيى وبدونها يموت ، ولا أثر للميّت ، وبها تصحّ العبادة ، وبدونها تبطل . وحيث إنّ للنيّة درجات فللصحّة مراتب وإن كانت مشتركة في أصل الامتثال ، وسقوط الإعادة أو القضاء ولكن لكلّ من تلك المراتب ثواب يختصّ بها ، وقرب يحصل منها ، ولا يحصل ذلك الثواب أو القرب بدونها .
وحيث إنّ المواقف الهامّة يوم القيامة ثلاثة : من النار ، والجنّة ، والرضوان – كما أشار إليه قوله تعالى * ( « وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ ا للهِ وَرِضْوانٌ » ) * « 3 » ، وأنّ الشؤون العمليّة الرئيسيّة للنفس الإنسانيّة ثلاثة أيضا : من الغضب الدافع للمنافي ، والشهوة الجاذبة للملائم ، والعقل العمليّ الشائق للكمال التامّ المجرّد المعقول – فلذا صارت العبادة ثلاثة أقسام ، وصار العبّاد ثلاثة « 4 » ، حيث إنّ قوما يعبدون اللَّه سبحانه خوفا من النار وتلك عبادة العبيد ، وإنّ قوما يعبدونه تعالى شوقا إلى الجنّة وتلك عبادة الحرصاء ، وإنّ قوما يعبدونه تعالى حبّا له تعالى وتلك عبادة الأحرار الكرام .

وكلّ واحدة من هذه العبادات الثلاثة صحيحة وإن كانت للصحّة مراتب في الثواب حسبما أشير إليه ؛ لأنّ كلّ واحدة منها للَّه تعالى لا لغيره محضا ، ولا له ولغيره
من النجاة من النار ، أو الالتذاذ بالجنّة بالشركة ، والامتياز بينها بأنّ الخائف لا يعبد إلَّا اللَّه ، وحيث إنّه لم يتحرّر عن رقّيّة الغضب لا يعرف أن يطلب من معبوده شيئا عدا النجاة من النار ، وكذا المشتهي لا يعبد إلَّا اللَّه ، ولمّا لم يتحرّر عن قيد الشهوة لا يفهم أن يتمنّى من مولاه المعبود شيئا وراء الفوز بالجنّة . وأمّا العاقل الشائق لرضا مولاه فهو حرّ يعرف ما يريد .

والدليل على صحّة عبادة القسم الأوّل وكذا الثاني هو : أنّ النصّ قد عبّر عن فعل هؤلاء بالعبادة ، وعنهم بالعباد ، وأنّهم عبدوا اللَّه ، وأنّ عبادة القسم الثالث – أي : عبادة الأحرار – أفضل العبادات ، فلو لم تكن عبادة غير الأحرار صحيحة وفاضلة لم تكن عبادة الأحرار أفضل ؛ ولا شاهد هنا على أنّ لفظ الأفضل للتعيّن لا للترجّح .

والحكماء الأحرار الَّذين تأسّوا بمواليهم المعصومين – عليهم السّلام – في العبادة ولم يتحرّروا ؟ ؟ ؟ من عبادتهم سوى رضا اللَّه تعالى قد حكموا بصحّة عبادة من لا يريد في عبادته من اللَّه شيئا سوى رضوانه : كالنجاة من النار ، كما قال الشيخ الرئيس قدّس سرّه : ( والمستحلّ توسيط الحقّ مرحوم ) « 1 » ، ولم يقل بأنّه محروم .
وأشار سيّدنا الأستاذ العلَّامة الطباطبائي – قدّس سرّه – في رسالة الولاية إلى قبول عبادة هؤلاء بالتفضّل الإلهيّ وإن قصّر هؤلاء في المعرفة والقربة .

ولو كان قصد شيء سوى اللَّه مبطلا للعبادة لكانت عبادة من قصد الشكر وتحصيل الرضا والمحبّة أيضا باطلة ؛ لأنّ ذلك كلَّه خارج عن الهويّة المطلقة الواجبيّة . فالحقّ هو ما أفاده الشيخ البهائيّ – قدّس سرّه – في الأربعين « 2 » من صحّة عبادة هؤلاء .

وقال العلم والحجّة ، الحاج الميرزا جواد آقا الملكيّ التبريزيّ قدّس سرّه : إنّ
القول ببطلان العبادة من جهة خوف العقاب أو طمع الجنّة وإن صدر عن بعض الأجلَّة ولكنّه صادر عن الغفلة ، ولا غرو في وقوع أمثال هذه الغفلات والعثرات من الأجلَّة والأعيان ، لحكمة إلهيّة في ابتلائهم بأمثاله « 1 » .
أقول : لعلّ المراد من بعض الأجلَّة هو : رضي الدين عليّ بن طاوس – قدّس سرّه – حسبما نقل الشيخ البهائيّ – قدّس سرّه – عنه في الأربعين « 2 » .

والحاصل : أنّ نيّة هؤلاء خالصة غير مشوبة ، وأنّهم يعبدون اللَّه تعالى ولا يعبدون غيره أصلا ، لا بالاستقلال ، ولا بالمشاركة ، ولا بالمظاهرة ، ولكنّهم لقصور معرفتهم لا يدرون ما يطلبون من معبودهم ، أعلى من انفكاك عن النار أو الفوز بالجنّة ، وكم فرق بين هذا الأمر وبين أنّه لولا الخوف أو الفوز لم تكن هناك عبادة أصلا ؛ لخروجه عن الكلام رأسا ! وما قال بحر العلوم – قدّس سرّه – في درّته النجفيّة :

وكلّ ما ضمّ إلى التقرّب
من غاية يبطله في الأقرب
فالمراد من الضميمة هناك : ما هو المبحوث عنه في الفقه : كالتبرّد ونحوه في الوضوء ، لا ما هو المعنون هنا ، ولقد تفطَّن الجامع بين الفقهين النراقيّ – قدّس سرّه – في الفتوى بصحّة العبادة المقصود بها النجاة من النار ، أو الفوز بالجنة ، وتزييف أدلَّة القائلين بالبطلان ، فراجع المستند « 3 » .

شاهد أيضاً

8d2b35d5-4e80-4eea-8f0f-3351df8c3e4a

المرأة والأسرة

 اقتران العلم بالأخلاق والقيم المعنوية إنّ المزج بين العلم والعاطفة الإنسانية أمر مهمّ وضروريّ في ...