مع الطب في القرآن الكريم – الدكتور محمد علي البار

إذا وصلت إلى الرحم كانت كتلة من الخلايا الصغيرة الضلعة، يطلب عليها اسم التوتة Marula حيث تشبه ثمرة التوت بتقسيمها الخارجي، ثم لا تلبث الخلايا السطحية لهذه الكتلة ان تفترق عن الخلايا الداخلية، وتصبح بشكل خلايا أسطوانية، ومهمة هذه الخلايا تأمين الغذاء وتسمى بالخلايا المغذية – Troph blast وبذلك يصبح محصول الحمل قابلا للتعشيش، فتغرس الخلايا المغذية استطالاتها في مخاطية الرحم. وتستمر عملية العلوق مدة (24) أربع وعشرين ساعة، وبذلك تنتهي مرحلة تشكل العلقة. وقد لا يدرك روعة التصوير القرآني لهذه المرحلة بالعلقة إلا من شاهد تلك الكتلة الخلوية وهي عالقة علوقا – وليس التصاقا – بواسطة تلك الاستطالات التي غرستها في مخاطية الرحم، وما أجدرنا هنا أن نعرج على هذه الآيات التي تذكر الانسان بتلك اللحظات التي كان فيها مجموعة خلوية عالقة بجدار رحم الام، تستمد منها الدفء والغذاء والسكن، فيقول في أول سورة نزلت من القرآن، وأسماها الحق تبارك وتعالى بالعلق: (اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الانسان من علق) [العلق: 1 – 2] – من العلقة إلى المضغة: (فخلقنا العلقة مضغة) [المؤمنون: 15].
بعد عملية العلوق تبدأ مرحلة المضغة في الأسبوع الثالث، بتشكل اللوحة المضغية، وذلك ابتداء من الخلايا المضغية Embryoblast، وهي الخلايا التي بقيت بعد انفصال الخلايا المغذية، واللوحة المضغية هي عبارة عن قرص مؤلف في البدء من وريقتين: خارجية Ectoderm، وداخلية Endoderm، ثم تتشكل بينهما وريقة ثالثة هي الوريقة المتوسطة Mesoderm، وحتى نهاية الأسبوع الرابع لا يكون هناك أي تمايز لأي عضو أو جهاز، ويمكن أن نسمي هذه المرحلة بالمضغة غير المخلقة. ثم يمر الحمل في أدق مراحله وأصعبها، حيث يطرأ على اللوحة المضغية المؤلفة من الوريقات الثلاث جملة تغيرات نسيجية هادفة ومدهشة ابتداء من الأسبوع الخامس، وتسمى بعملية التماييز Defferenriarion، أو كما أسماها القرآن ” التخلق ” فكل زمرة من خلايا هذه الوريقات تأخذ على عاتقها تشكيل واحد من أجهزة الجسم أو أعضائه، وذلك في إطار من التكامل

(٨١)

والتنسيق بين هذه الأجهزة، وهي تنمو وتتطور، ليكون الانسان في أحسن تقويم، وتنتهي عملية التخلق في نهاية الشهر الثالث تقريبا، ويكون طول الجنين عندها (10) سم، ويزن حوالي (55) غ. ويمكن تسمية هذه المرحلة بمرحلة المضغة المخلقة. فطور المضغة يمر إذا بمرحلتين: المرحلة الأولى حيث لم يتشكل فيها أي عضو أو جهاز وأسميناها مرحلة المضغة غير المخلقة، والمرحلة الثانية حيث تم فيها تمييز الأجهزة المختلفة وأسميناها مرحلة المضغة المخلقة، وهكذا يتضح جليا إعجاز القرآن الكريم في وصفه لطور المضغة بقوله: (ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة) [الحج: 5].
اللغز المحير: لابد أن يستوقفنا ونحن نتكلم عن عملية التخلق سؤال هام، وهو: كيف يمكن للخلايا المضغية Embryoblast المتماثلة تماما في بنائها أن تعطي هذه الوريقات الثلاث ” الداخلية والخارجية والمتوسطة ” المختلفة عن بعضها البعض؟، ثم كيف يمكن للخلايا المتماثلة في كل وريقة على حدة أن تعطي الأجهزة المختلفة في بنائها ووظائفها وخصائصها؟ (1)… فالوريقة الخارجية مثلا يتشكل منها: الدماغ، والأعصاب، وبشرة الجلد ولواحقه من الغدد والاشعار والأغشية المخاطية بالفم والأنف. والوريقة المتوسطة يتشكل منها:
القلب والأوعية الدموية، والدم، والعظام، والعضلات، والكليتين، وأدمة الجلد، وقسم من الغدد الصماء، أما الوريقة الداخلية، فيتشكل منها: مخاطية الجهاز التنفسي، والطريق الهضمي، والغدة الدرقية، والغدة جار الدرقية، والكبد، والبنكرياس.. وهكذا، أجل، كيف تم ذلك؟ ومن الذي دفع هذه الخلايا المتماثلة الضعيفة لتعطي كل هذا من مراكز التفكير والشعور والابداع؟
وكل هذا من مصانع الدم والسكاكر والبروتين؟ وكل هذا من أجهزة التكيف والراحة ومن وسائل الوقاية والحماية والامن في الجسم؟ إنه اللغز الذي حير وما زال يحير كل علماء الدنيا حتى يعلموا أن المبدع والموجه في هذه الحياة، هو الله… ويوم يصلون إلى حل هذا اللغز فسيوقنون أكثر أنه (هو الله الخلق
(1) الانقسام أو التكاثر الخلوي من أهم ميزات الخلية الحية، ومعروف أن الخلية عندما تنقسم تعطي خليتين متماثلتين تماما وبكل شئ في البناء والخصائص والوظائف…
(٨٢)

البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) [الحشر: 24].
ويتمالكنا العجب ونحن نرى أن القرآن قد أشار لهذا اللغز، في آيات تعد منارات هداية على طريق العلم، وبواعث تدفع للبحث والتحليل باستمرار، قال تعالى في سورة الحج: (ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة) ثم يؤكد على هذه الناحية حيث يقول في سورة المؤمنون (فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما) فهذه الآية لا تشير فقط إلى بدء تشكل العظام قبل تشكل اللحم ” العضلات ” كما لا تقتصر على الابداع التعبيري الواقعي في تصوير علاقة العضلات بالعظام على أنها علاقة كساء، ومن يدرس التشريح يعلم تماما كيف تحيط العضلات بالعظام كأنها كساؤها… أجل لا تقتصر الآية على ذلك فقط، وإنما تشير في تقديرنا إلى عملية التمايز والتخلق، التي تبتدئ من تلك المضغة الصغيرة (فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما).
– ثم أنشأناه خلقا آخر ” طور الجنين ” يميل محصول الحمل نحو الزيادة في الوزن بعد الشهر الثالث، وتسعى الأجهزة التي تشكلت نحو التكامل، حتى أن بعض الأجهزة تبدأ عملها أثناء الحياة الجنينية، كالقلب وجهاز الهضم، ويقوم نقي العظم بتكوين عناصر الدم…
وبشكل عام فإن أهم ما يطرأ على الجنين بعد الشهر الثالث هو: الحركة، ونبضان القلب، واستقلال إفراز المشيمة الغدي، والنمو المتسارع في حجم الجنين، وتكامل شكله الخارجي.
أما الحركة، فتبدأ في آخر الشهر الثالث وابتداء الرابع حيث تتم عملية اتصال الجهاز العصبي بالأجهزة، والعضلات، وتشعر الحامل بحركات جنينها الفاعلة في الشهر الرابع، أو قبل ذلك في المولودات، أما نبضات القلب، فتبدأ بعد بداية الشهر الرابع، ويمكن سماعها أيضا، وتكون واضحة في الشهر الخامس تذكر الدكتورة فلك الجعفري: ” أن أحد الأساتذة المصريين أراد تسجيل أول دقة للقلب، وعندما ابتدأ مشعر المسجل بالحركة، قال: هنا الله، أي: هنا قدرة الله “.

(٨٣)

Check Also

المرأة حقوق وحرية وحجاب

الفصل الثاني: الحضارة الغربية داخل الأسرة أمراً مهماً جداً. أليس ذلك ذنباً؟ أليس ذلك خيانة …