الرئيسية / اخبار اسلامية / الطريق إلى الله تعالى للشيخ البحراني
unnamed (31)

الطريق إلى الله تعالى للشيخ البحراني

12

الباب السادس : وكيف يسلك عباد الله الطريق إليه

اعلم أنّ كل شيء يهون بالنظر إلى ما فوقه ، وما هو أشدّ منه ، بل يضمحل ويفنى ، ولا يكون شيئاً مذكوراً. كالذي تشوكه شوكة فيلدغه عقرب ، فلا ريب أن الشوكة تكون عنده نسياً منسياً ، ولا ذكر لها عنده بوجه من الوجوه ، فالباري سبحانه وتعالى قد قهر كل شيء من الأشياء بوجود ما فوقه.

انظر إلى عظمة أمير المؤمنين (ع) ، وشدة بأسه وبطشه ، وبلوغه في كل كمال أقصاه ومنتهاه ، كيف يتصاغر عند ذكر محمد(ص) ، ويقرّ على نفسه بالعبوديـة حيث قــال: أنـا عبــد من عبيد محمد (ص). الكافي : 1/89
وهذه قاعدة محسوسة في سائر الممكنات والموجودات ، فإذا أردت أن تهون عليك الدنيا وشدائدها فانظر إلى ما هو أشد وأصعب ، وتأمّل أن لو أضيف إلى ما أنت فيه شدة أخرى مما هو أشدّ عليك كيف كنت تصنع ، فحينئذ يهون عليك ما أنت فيه بالنسبة إلى ما هو فوقه ، وترى تلك الحال نعمة وتقول:
الحمد لله الذي لم يشدده عليَّ ، ولو شاء لفعل.

وكذلك إذا أردت أن يهون عليك استحسان ما يتفق لك من الأعمال الحسنة ، بحيث تخلص من الابتهاج الذي هو مادة العجب والافتخار ، فانسبه إلى ما هو فوقه من الأعمال الحسنة مما يعملها من هو فوقك ، ومن هو أحسن منك.
أو أنت إذا ترقيت عن المقام الذي أنت فيه ، فإنك ترى ذلك العمل ذنباً وتقصيراً يحتاج إلى الاعتذار ، وتستحي من نسبته إلى نفسك ، فضلاً عن افتخارك وابتهاجك به.

وأنت إذا اعتدت هذه الحالة بإذن الله الكريم المتعال سرت إلى الله بلا انقطاع ، إذ ليس لمحبته غاية ولا نهاية ، إذ كلما تدرجت إلى مقام في الإخلاص والعمل ، شاهدت مقاماً أعلى وأبهى وأسنى وأرفع…..(1)

(1) إنّ الإحساس بالتجليات الإلهية – التي هي من أهم الهبات في عالم الوجود – نِعْمَ العون على المسير ، فإنّ العبد كلما كُشف له الغطاء في هذا المجال ازداد شوقاً لما هو أجلى وأحلى ، إذ لا تكرار في التجلّي .. فلكلّ إطلالةٍ من عالم الغيب بهاءٌ وجذبٌ خاصٌّ للعبد تختلف على سابقته ، ومن هنا فإنّ الأولياء المتنعّمين بلذّة التجليات ، لا يكاد ينتابهم ضيقٌ في الحياة بكلّ مراراتها ، لأنّ لذّة الوصل يُنسيهم ألم كلّ فراقٍ ، ولو كان ذلك الفراق عند أهل الدنيا عظيماً.( المحقق )

…..فإن كنت تريد النهاية به فليس هناك نهاية تصل إليها ، وتقف عندها ، وإن كنت تريد الوقوف من دون مانع عن الترقي فلا يسوغ لك ذلك ، إذ الكريم سبحانه يستدعيك بلطفه وَجُوده إلى القرب منه ، فبأي شيء تستبدل منه !.. وإلى أي شيء تتحول عنه !.. لقد خاب من رضي دونك بدلا ً، ولقد خسر من بغى عنك متحولاً.
فحيث اتضح بصريح العقل أنه لا بدّ من السير إلى الله بسلوك سبيل طاعته بلا انقطاع ، فاعلم أن ذلك إنما يتم لك بأن تكون في وقوفك عن الطاعة ملاحظاً وجهاً آخر من وجوه الطاعة ، فإنّ الله سبحانه يحب الأخذ برخصته ، كما يحب الأخذ بعزائمه.

فمن يكون طالباً لمحبة الله سبحانه وتعالى ، يفتح الله له هذا الباب بأن يجعل فعله للعبادة المندوبة الراجحة جالبا لمحبته عزّ وجلّ ، فإنها بالذات كذلك ، وكذلك يحصل بتركه لها في مقام يخشى على نفسه الملل والنفرة عن الطاعة – كما هو مقتضى الطبع البشري – مرخصاً فيه من الله ، وهو يحب الأخذ برخصته ، فيكون تركها جالبا لمحبته عزّ وجلّ بالعرض ، وإن لم يكن بحسب الذات كذلك.
فيكون العبد متعرّضاً لمحبته عزّ وجلّ في فعله وتركه ، إنّ هذا لهو الفوز العظيم ، لمثل هذا فليعمل العاملون.

ويشهد لهذا المعنى اختلاف المروي عن أمير المؤمنين (ع)وعن مولانا الحسن بن علي.
فعن الأمير (ع) أنه : إذا عرض له أمران كلاهما رضى الله اختار أشدهما على نفسه ، وعن الحسن (ع) أنه يختار أسهلهما على نفسه.
فالثاني من باب أنّ الله يحب أن يؤخذ برخصته كما يحب أن يؤخذ بعزائمه ، ومن باب الاقتصاد في العبادة ، ومن قولهم:

إنّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ، ولا تُكرهوا إلى عباد الله طاعة الله. [ الكافي : 2/70 ] .. ومن باب مخادعة النفس بالجلب إلى طاعة الله.
والأول وجهه ظاهر فإنه من باب المخالفة للنفس (2)…..

(2) إنّ تعبير المصنّف ( بكون مخالفة النفس مفتاح البركات ) ليس مبالغاً فيه ، إذ أنّ من قواعد السفر إلى الله تعالى التي لا تنخرم أبداً ، هي استحالة السير من دون السيطرة على زمام النفس ، إذ كيف يمكن سوق دابةٍ ولجامها بيد غير صاحبها .. وعليه فالخطوة الأولى في الحركة هو تطويع الوجود الإنساني بجوارحه وجوانحه للإرادة ، ومن المعلوم أنّ هذه المرحلة يمكن أن تعدّ قطعاً لنصف الطريق ، إذ أنّ الميل والشهوة والخيال من الأبواب التي تجرّ العبد إلى الهاوية مهما كان العبد جادّاً في قطع الطريق ، فإنّ الأمر لا يتمّ بالإيمان واليقين فضلاً عن الأماني .. ومن هنا قال الإمام الكاظم (ع) : وقد علمت أنّ أفضل زاد الراحل إليك عزمُ إرادة يختارك بها ، وقد ناجاك بعزم الإرادة قلبي . ( الإقبال ج3 ص277 ).( المحقق )

شاهد أيضاً

unnamed (32)

الطريق إلى الله تعالى للشيخ البحراني

13 …..الذي هو مفتاح البركات ، وكلاهما في مقام الإرشاد للعباد والهداية للخلق ، وإلا ...