الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / القدوة الاهمية وتحولات الدور
1218nwezha_20barana_20hawler

القدوة الاهمية وتحولات الدور

القدوةً الناعمةًً

 

والمقصود بذلك هو القدوة التي تتسلل الينا بهدوء وتدريجاًً ومن دون أي ضجيج من خلال وسائل الاعلام التي لا تتوقف عن البث طوال ساعات اليوم وطوال ايام السنة. هذه القضية من اهم واصعب القضايا التي تؤثر بشكل كبير على القدوة التي تقدم الينا.أولاًً لأنها لا تتوجه الى مرحلة عمرية محددة بل الى كل مراحل عمر الانسان. وثانياًً لأنها لا تقدم القدوة غالباًً بشكل مباشر، بل تتشكل عناصر هذه القدوة من خلال التكرار والايحاءات والصور التي تتحول بمرور الوقت الى قدوة. ومصدر هذه الخطورة هو في ما يمكن ان نسميه التسلل الهادئ والناعم للأفكار وللنماذج التي تتحول بمرور الوقت ومن خلال التكرار الى قيم جديدة نقتدي بها فتغير ليس فقط من طريقة تفكيرنا وبل من طريقة تصرفنا في الحياة. بحيث لا ننتبه في معظم الاحيان الى ان مواقفنا تجاه هذه القضية او تلك قد تغيرت. او ان اعجابنا بهذه الفكرة قد تبدل الى فكرة أخرى جديدة لم نكن نقبل بها سابقاًً.

 


قبل نصف قرن لم يطرح هذا السؤال. هذه الوسائل تقدم نماذج تصبح قدوة تكون غالباًً قدوة سلبية. لأن هذه الوسائل تفرض علينا طوال ساعات طويلة في اليوم … هنا علينا ان نحد من تأثير هذه الوسائل . أن نختار ما نرى , لا ان نكتفي بتلقي كل ما يعرض علينا من دون توقف.

 

ثمة أمثلة كثيرة تفسر لنا هذا التشكل “الناعمًً للقدوة على مستوى السلوك والأفكار.فالصور التي لا تتوقف معظم الفضائيات ومواقع الانترنت عن تقديمها عن الشباب ( من الذكور والاناث) الذي يعيش منفرداًً بعيداًً من اهله ومن دون أي رقابة اجتماعية، ويتنقل من هذا العمل الى ذاك ومن هذه العلاقة الى تلك …ولا يكترث للروابط الاسرية، ولا للعادات او التقاليد …سوف يشكل هذا النموذج –الفكرة- قدوة لشباب وشابات العالم الآخرين،خصوصاًً في المجتمعات الاسلامية، الذي يشاهدون هذا النمط من الحياة ويقارنون بينه وبين حياتهم حيث الضوابط الاخلاقية والدينية والسلوكية والاسرية المختلفة. بحيث يتوق الشاب او الفتاة الى تقليد ذلك النموذج ويطمح الى الاقتداء بما يراه. وهذا الأمر هو أحد اهم اسباب تلك الرغبة الجامحة لدى الكثير من الشباب في البلدان الاسلامية لمغادرة بلدانهم الى الغرب ظناًً منهم بأن ما يرونه في السينما وفي الفضائيات هو حقيقة سهلة يمكن الحصول عليها بمجرد ان تطأ اقدامهم تلك البلاد… وهكذا يتحول الغرب الى “قدوةًً.يعبر الشباب عن التعلق بها من خلال الرغبة في الهجرة التي تزداد نسبة ارتفاعها يوماًً

 


بعد آخر، وعاماًً بعد عام.وصولاًً الى ما يطلق عليه البعض “نزيف الادمغةًً.وهذه الظاهرة تثير القلق على مستويات عدة خصوصاًً وان فرص جذب “العمالة الماهرةًً من العالم النامي إلى الغرب المتقدم رفعت أعداد المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين من 175 مليوناً إلى نحو 190 مليوناً في العقد الأخير. ويقدر أن ما يزيد على 80% من هؤلاء المهاجرين هم من بلدان نامية نحو أوروبا وأميركا وكندا. كما أن ثلث تدفقات المهاجرين من البلدان النامية تتراوح أعمارهم بين 12 و 24 عاماً.

إن ما يحصل على هذا الصعيد ان نظاماًً جديداًً من القيم يحل تدريجاًً محل نظام آخر.ونظام القيم هو مجموعة من العادات والافكار ومن المفاهيم ذات الصلة بثقافة المجتمع .وعندما يختار الشاب الغرب قدوة له فإن الأمر سيؤدي تدريجاًً الى الالتحاق بنظام القيم المرتبط بهذا النموذج. ولأن هذا الانتقال لا يحصل بسهولة ولأن الانسان لا يتخلى ببساطة عن نظامه القيمي الذي تربى عليه وعاش في ظله سنوات فإننا نشهد حالات كثيرة من الارتباك ومن القلق لدى الكثيرين حتى بعد اختيارهم الغرب قدوة ونموذجاًً لهم. ليس فقط لأنهم قد يكتشفوا ان هذه القدوة لم تكن كما توقعوا بل لأن الانتقال نفسه من قدوة الى أخرى ومن نموذج قيمي الى آخر يترافق مع مخاض صعب يتأرجح فيه الانسان بين هذا وذاك قبل ان يستقر في مرحلة لاحقة على قدوة محددة، وقد يبقى في مثل هذا التأرجح النفسي والقيمي سنوات طويلة من دون أي استقرار…


الاستهلاك هو نموذج آخر “للقدوة الناعمةًً. وهو الذي يتحول الى طريقة في التفكير،والى سلوك يقود تصرفاتنا . الاستهلاك هو الرغبة في الشراء وفي اقتناء الاشياء المختلفة حتى لو لم نكن بحاجة اليها. ونقيض الاستهلاك بهذا المعنى هو ان نشتري ما نحتاج. أي ان المواجهة هي بين الرغبة وبين الحاجة. الرغبة عادة لا حدود لها. أما الحاجة فمحدودة . الاستهلاك يحرض الرغبة التي لا حدود لها بحيث يندفع الانسان الى الاقتناء والى الشراء حتى لو يكن بحاجة الى ما سيشتريه…هكذا تنشأ عادات وقيم جديدة تصبح بمرور الوقت والتكرار مثابة قدوة في التعامل مع الذات و مع الآخرين … ومن هنا تنشأ قيم التباهي وقيم التملك بحيث تصبح القدوة هنا هي النماذج التي تنسجم مع تلك القيم.

 

وهذا بدوره يفترض المزيد من الشراء ومن الاستهلاك طالما ان الاسواق تضخ من دون تدفق السلع التي يرتبط الحصول عليها بالمكانة الاجتماعية.عندما يتحول الاستهلاك الى سلوك او عادة والى وسيلة للترقي الاجتماعي يصبح قدوة “ناعمةًً تمارس نفوذها من دون أي صخب أو ضجيج .

وربما يصعب ان نفصل بشكل واضح بين القدوة التي نريد ان يقتدي بها الانسان في أي مرحلة من مراحل العمر وبين المثال الأعلى الذي يتخذه قدوة له يحاول ان يفعل مثله ويقتدي به ويسير على هدي سلوكه وافكاره…والمثال الأعلى هو غالباًً شخص محدد ولكنه قد يكون،كما أشرنا،فكرة في الوقت نفسه. بمعنى ان المثال الأعلى الذي يفترض الاقتداء به قد يكون

 


نمط حياة أونموذج للعيش أوطريقة في السلوك او في الاستهلاك او حتى طريقة في التفكير وفي التعامل مع الآخرين …

لذا تثير قضية الشباب اهتماماً مشوباً بالقلق في معظم بلدان العالم، نظراً للدور المتزايد لهذه المرحلة في التغيير السياسي والاجتماعي؛ وفي التأثير على مستقبل أي أمة في مشروعاتها وخططها للتنمية من جهة،أو لحماية نفسها من الاخطار أو التهديدات المختلفة.التي قد تواجهها. و يعتبر الشباب من مصادر القوة الاستراتيجية في أي مجتمع، يحرص على تعزيزها، وعلى عدم التفريط بها أو خسارتها… لذا كان الشباب على الدوام موضع اهتمام الاحزاب والحركات السياسية والاجتماعية في معظم المجتمعات قديماًً وحديثاًً. وقد انصرفت الكثير من المؤسسات البحثية ومراكز الدراسات إلى الاهتمام بهذه القضية على المستويات النّظرية والعملية ومن جوانبها النفسية والاجتماعية والأنتروبولوجية… لكن التفاوت في هذا الاهتمام، يعود إلى ما يريده أو ما يتوقعه كل مجتمع من الشباب.

 

ففي حين تشكو أوروبا على سبيل المثال تراجع أعداد هؤلاء الذين سيجعلونها “قارة عجوزًً في العقود القليلة المقبلة. تبحث دول أخرى عن الحلول الاقتصادية والتنموية والسياسية لمعالجة ارتفاع نسبة الشباب التي تجاوزت أكثر من نصف عدد السكان كما هي الحال في كثير من البلدان العربية والإسلامية وفي أفريقيا…

 


ولا شك أن “الثورة التكنولوجيةًً التي يشهدها عالم اليوم جعلت قضاياه ومشاكله أكثر ترابطاً وتأثيراتها متبادلة أكثر من أي حقبة أخرى في التاريخ. حتى ان تطلعات الشباب في كثير من بلدان العالم تأثرت بشكل أو بآخر بأنماط حياة الشباب في الغرب، بعد ان تعرفوا عليها عبر وسائل الاتصال وتحولت الى قدوة لهم يريدون تقليدها والتشبه بها. وفي مقابل ذلك فشلت معظم حكومات البلدان العربية والاسلامية في تقديم نفسها او سياساتها منذ الاستقلال في منتصف القرن الماضي إلى اليوم “قدوةًً لشبابها او حتى لمواطنيها في تحقيق التنمية المنشودة، المستقلة والمتوازنة، وفي تقديم نموذج لتداول السلطة وللحريات او للديمقراطية، أو حتى لمواجهة التحديات الخارجية او لبناء الاقتصاد القوي… ما جعل العلاقة بين هذه الحكومات المتعاقبة وبين أجيال الشباب علاقة أزمة وعدم ثقة، ونموذج للقدوة السلبية التي تنفجر مواجهات مختلفة بين حين وآخر … وتشير أرقام اليونيسف على سبيل المثال إلى أن نحو 50% من السكان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هم تحت سن 24 سنة. ما يعني أن 160 مليون منهم (من أصل 300 مليون) سوف يحتاجون إلى العمل في عام 2010 . كما يشير تقرير آخر إلى أن الشباب ما بين 15-24 سنة في المنطقة العربية يقعون تحت ضغط الإحباط والتوقعات التي تحدثها بشكل جزئي مؤثرات الإعلام والتكنولوجيا والديناميكيات التحولية في البنى الأسرية، بالإضافة إلى الصراعات السياسية والأزمات المستمرة التي يعيشها معظم بلدان المنطقة… ولا يفوت التقرير نفسه الإشارة إلى تأثير

 


العولمة على الشباب الذين نشأوا على مفردات جديدة تختلف عن تلك التي تعرفت عليها الأجيال السابقة – ما يزيد من صعوبة التواصل بين الجيلين ،بحيث نجد انفسنا امام ما يمكن ان نسميه “القدوة الملتبسهًً. ولعل هذا الالتباس في نموذج القدوة هو ما يواجهه شباب اليوم، ومعهم المجتمع الذي ينتمون اليه. خصوصاًً وأن التداخل بين القيم وبين الثقافات وبين مرجعيات السلوك الغربية والشرقية بات امراًً شائعاًً الى حد الصعوبة في التمييز بين ما ينتمي الى هنا وما ينتمي الى هناك.وليس من الصعب ان نواجه يومياًً في مجتمعاتنا العربية والاسلامية من يطرح من الشبان والشابات اسئلة كثيرة في لحظات محددة عن مصدر القيم التي تؤثر على سلوكهم وعلى خياراتهم وعلى طريقتهم في التفكير تجاه انفسهم وتجاه الآخرين في المجالات كافة.

شاهد أيضاً

ddf5d70d-9b50-480d-ac2f-544964814c9e

المرأة والأسرة

2- السيدة الزهراء عليها السلام: الزوجة والأمّ: يتجسّد المثال الآخر في حياتها الزوجية. فقد يتصوّر ...