الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / التقوى في القرآن – حبل الصعود
598c7fc53b1146fbc6ddc10f938526a8

التقوى في القرآن – حبل الصعود

ثمّ إنّ القرآن بيّن لنا حقيقة أخرى فيما يرتبط بالانسان حيث قال الله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الاِْنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ )( [26])، فالانسان وهو في نشأة الدنيا يعيش في أسفل السافلين. فعليه بعد أن تبيّن له الهدف والطريق أن يصعد من الاسفل إلى الاعلى، قال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)( [27]).

هذا الصعود ليس مكانياً بل هو معنوي، ذلك أنّ الارتفاع والصعود إلى الاعلى، تارةً يكون مكانياً كما لو صعد الانسان على مرتفع من الارض مثلاً، وأُخرى يكون معنوياً كما في قوله تعالى في حقّ إدريس عليه السلام (وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً)( [28]) إذ ليس المراد هو الارتفاع المكاني، بل ارتفاع مكانته عند الله تعالى.
من هنا نجد أنّ القرآن الكريم والروايات الواردة عن النبيّ الاكرم (صلّى الله عليه وآله) ذكرت أنّ هذا الصعود إليه تعالى يحتاج إلى حبل; قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا). وللوقوف على هذا الحبل الذي أمرنا القرآن بالاعتصام به، نرجع مرّة أُخرى إلى حديث الثقلين المتقدِّم، لنقف على حقيقة هذا الحبل، وما هو المقصود به؟
قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في خطبته المشهورة التي خطبها في مسجد الخيف في حجّة الوداع: «إنّي مخلّف فيكم الثقلين، الثقل الاكبر القرآن، والثقل الاصغر عترتي وأهل بيتي، هما حبل الله ممدود بينكم وبين الله عزّوجلّ، ما إن تمسكتم به لم تضلّوا»( [29]).
فقد عبّر الرسول الاعظم (صلّى الله عليه وآله) عن القرآن والعترة، بأنّهما حبل واحد لا حبلان، وهذا معناه أنّ التمسّك بالعترة ليس شيئاً وراء التمسّك بالقرآن الكريم، بل هما حقيقة واحدة، لكن الفرق بينهما أنّ العترة هم القرآن الناطق، وأنّ القرآن هو العترة الصامتة، لذا ورد عن الامام الصادق (عليه السلام) في ظل قوله تعالى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)( [30]): «إنّه يهدي إلى الامام»( [31]).
ومنه يتّضح معنى ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) : «ذلك الكتاب الصامت، وأنا الكتاب الناطق»( [32])، فلا يعني بذلك أنّه هو الناطق باسم القرآن، بل عنى أنّه هو القرآن المتجسِّد ، ولذا ورد عن الفريقين عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «عليّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ، يدور معه حيثما دار»( [33]) أي يدور الحقّ حثيما دار علي، لانّه هو القرآن الناطق، أي هو التجسيد الحيّ لكتاب الله في واقع الناس وحياتهم.
على هذا الاساس نستطيع أن نفهم ما ورد في «تفسير العيّاشي» عن الامام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «الصراط المستقيم أمير المؤمنين عليه السلام»، وكذلك ما ورد في كتاب « المعاني » عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: «هي الطريق إلى معرفة الله، وهما صراطان، صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأمّا الصراط في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه، مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنّم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا، زلّت قدمه في الآخرة، فتردّى في نار جهنّم»( [34]).
وبهذا يتبيّن لماذا يقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ما بال أقوام إذا ذكر آل إبراهيم وآل عمران، فرحوا واستبشروا، وإذا ذكر عندهم آل محمّد، اشمأزت قلوبهم، والذي نفس محمّد بيده، لو أنّ عبداً جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيّاً، ما قبل ذلك منه، حتى يلقى الله بولايتي وولاية أهل بيتي»( [35]).
لذا قال الامام الباقر (عليه السلام) : «إنّما يعبد الله من يعرف الله، فأمّا من لا يعرف الله، فإنّما يعبده هكذا ضلالاً. قال السائل: قلت: جعلت فداك فما معرفة الله؟ قال (عليه السلام): تصديق الله عزّوجلّ، وتصديق رسوله (صلّى الله عليه وآله) وموالاة علي (عليه السلام) والائتمام به وبأئمّة الهدى (عليهم السلام) والبراءة إلى الله عزّوجلّ من عدوّهم، هكذا يعرف الله عزّوجلّ»( [36]).
وقال الامام الصادق (عليه السلام) : «جاء ابن الكوّاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، (وَعَلَى الاَْعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ) فقال: نحن على الاعراف، نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الاعراف الذين لا يعرف الله عزّوجلّ إلاّ بسبيل معرفتنا، ونحن الاعراف يعرّفنا الله عزّوجلّ يوم القيامة على الصراط، فلا يدخل الجنّة إلاّ من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرنا وأنكرناه. إنّ الله تبارك وتعالى لو شاء لعرّف العباد نفسه، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله، والوجه الذي يؤتى منه، فمن عدل عن ولايتنا أو فضّل علينا غيرنا، فإنّهم عن الصراط لناكبون، فلا سواء من اعتصم الناس به، ولا سواء حيث ذهب الناس إلى عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض، وذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية، تجري بأمر بها، لا نفاد لها ولا انقطاع»( [37]).
لذا ورد في ظل هذه الآية المباركة: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الاَْمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)( [38])، ما عن عمرو بن حريث، قال: سألت أبا عبدالله الصادق (عليه السلام) عن قول الله (كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ). قال: فقال: رسول الله (صلّى الله عليه وآله)أصلها، وأمير المؤمنين فرعها، والائمّة من ذريّتهما أغصانها، وعلم الائمّة ثمرتها، وشيعتهم المؤمنون ورقها»( [39]).

شاهد أيضاً

dfd316be11ca0c2df0208ef79c513897

التقوى في القرآن الكريم – طبقات الناس

لكن ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه، فإنّنا إذا نظرنا نظر التدبّرإلى خصوصيات الشريعة ...