أسرار الصلاة – الجليل الشيخ الجوادي الآملي 21

وهما متلازمان ؛ لأنّه لا يكون صلاة فيها ركوع إلَّا وفيها سجود « 1 » .
وكما أنّ تأويل مدّ العنق هو الإيمان باللَّه ولو ضرب العنق فكذلك تأويل أصل الركوع هو ذاك ، حسبما ورد عن أمير المؤمنين عليه السّلام : ما معنى الركوع ؟ فقال عليه السّلام : « معناه : آمنت بك ولو ضربت عنقي » « 2 » ، ويلائمه الذكر الندبيّ الوارد فيه كما عن مولانا أبي جعفر عليه السّلام : « إذا أردت أن تركع فقل وأنت منتصب : اللَّه أكبر ، ثمّ أركع وقل : اللَّهمّ لك ركعت ، ولك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكَّلت ، وأنت ربّي ، خشع لك قلبي وسمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي ومخّي وعصبي وعظامي وما أقلَّته قدماي ، غير مستنكف ولا مستكبر ولا مستحسر ، سبحان ربّي العظيم وبحمده . » « 3 » .

والفرق بين أصل الركوع ومدّ العنق فيه بعد أن كان تأويلهما المشترك هو الإعلام بالإيمان – ولو بلغ ما بلغ – هو التفاوت في الإعداد ، وتهيئة المبادي والمقدّمات ، وكما أنّ الركوع تخشّع للَّه تعالى كذلك رفع الرأس منه تواضع « 4 » له تعالى ، وانتصاب للامتثال حسبما مرّ ، وللاهتمام بالركوع والسجود في الصلاة .

قال إسحاق بن عمّار : سمعت أبا عبد اللَّه – عليه السّلام – يعظ أهله ونساءه وهو يقول لهنّ : « لا تقلن في ركوعكنّ وسجود كنّ أقلّ من ثلاث تسبيحات ، فإنّكنّ إن فعلتنّ لم يكن أحسن عملا منكنّ » « 5 » .

والميز بين الركوع والسجود بعد أن كان سرّهما المشترك هو التذلَّل في فناء المعبود والخضوع له هو : أنّ السجود لكونه أخفض تمثّل لما هو أقرب إلى اللَّه سبحانه ؛ لأنّ العبد كلَّما تقرّب بالتواضع كان وصوله أكثر ، ولذا ورد في غير واحد من النصوص أنّه : « أقرب ما يكون العبد من اللَّه – عزّ وجلّ – وهو ساجد مستشهدا
بآية سورة « العلق » الَّتي هي من سور العزائم ، إذ فيها قد أمر بالسجدة والتقرّب معا « 1 » ، وللاهتمام بالسجود سمّي المصلَّى مسجدا ( إذا كان له عنوان خاصّ ) وجعل المسجد الذي سمّي بذلك لرعاية أهمّ أجزاء الصلاة مبدأ للإسراء ، حيث قال سبحانه * ( « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِه ِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَه ُ » ) * « 2 » ، وهكذا جعل مبدأ للمعراج الذي ابتدئ من المسجد الأقصى وانتهى إلى * ( « ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى . فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى » ) * « 3 » ، كما أنّ أهمّ ما شوهد في المعراج وتمثّل هنالك هو نجوى العبد والمولى في كسوة الصلاة الَّتي صلَّاها العبد تجاه مولاه بأمره وإرشاده ، ومن ذلك صارت الصلاة معراجا للمصلَّي المناجي ربّه كما تقدّم .

وممّا يرشد إلى الاهتمام بالسجود هو : أنّ اللَّه الذي يبصر كلّ شيء لا بجارحة وإن كان بصيرا بالإطلاق إلَّا أنّه تعالى يعتدّ بخصوص القيام للَّه تعالى والسجدة له ، حيث قال تعالى * ( « الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ . وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ » ) * « 4 » . ولا مرية في أنّ لذكر السجدة – كالقيام للَّه – خصوصية ، نحو : أنّ اللَّه الذي يرى كلّ شيء يصرّح برؤيته تعالى حالا خاصّا من أحوال العبد الَّتي تبعّده من مولاه ، قبال تلك الحالة الخاصّة الَّتي كانت تقرّبه منه تعالى ، حيث قال تعالى * ( « أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ ا للهَ يَرى » ) * « 5 » وذلك ترغيب إلى الحياء من اللَّه ، فوق ترهيبه من عقوبته تعالى بالنار .

والغرض : أنّ أبصار اللَّه تعالى بدون جارحة يعمّ كلّ شيء ، إلَّا أنّ الاهتمام بأمر مرغوب فيه ، أو مرهوب عنه يوجب التصريح بأنّ اللَّه يراه ، ومن هذا القبيل هو تعرّض القيام للَّه مع القائمين ، والسجود له تعالى مع الساجدين ، حيث إنّ كلّ واحد منهما بخصوصه مرئيّ له تعالى حسبما دلَّت عليه الآية المارّة الذكر .

وممّا ينبّه إلى الاعتداد بالسجود هو : أنّ اللَّه سبحانه لم يكرّم آدم – عليه السّلام –
أعظم من أمر الملائكة بالسجود له « 1 » وإن لم تكن تلك السجدة إلَّا عبادة للَّه وطاعة له ، كما أنّ الأمر بالتوحيد العبوديّ ، ومدار النهي عن الشرك العباديّ هو : الأمر بالسجود للَّه ، والنهي عن السجود لغيره تعالى ، كما أنّ أساس عبادة الأشياء كلَّها وطاعتها له تعالى هو : السجود حسبما دلّ عليه قوله تعالى * ( « وَلِلَّه ِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ » ) * « 2 » .

ثمّ إنّ الاعتناء بأمر المعاد قد أوجب أن يستدلّ اللَّه تعالى له تارة ، ويستشهد له أخرى ، ويمثّل له ثالثة .

شاهد أيضاً

الشعب الإيراني كل ليلة يخرج للشوارع لدعم الدولة بإعداد كبيرة هل يوجد في العالم مثل هذه الملحمة

Haydari Nazar 50 المشهد الإيراني الحالي لافت جدًا من الناحية التاريخية، خصوصًا إذا كان المقصود …