الرئيسية / الاسلام والحياة / الحياة الآخرة – دروس في المعاد والآخرة 05

الحياة الآخرة – دروس في المعاد والآخرة 05

الدرس الخامس:

الموت وسكراته

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يذكر الحكمة من الموت وكيفية التخفيف من سكراته.

2- يبيّن معنى وحقيقة سكرات الموت.

3- يبيّن حال الناس عند سكرات الموت.

الحكمة من الموت

الموت في الرؤية الإسلامية هو عبارة عن مرحلة يتمّ فيها الانتقال من دار سمّيت بدار الدنيا وهي مكان للاختبار والابتلاء، إلى دار أخرى هي دار المعاد حيث يتم فيها الكشف عن مجهود الإنسان وحصيلة عمله الذي سعى به في الدار السابقة.

 

والحكمة من الموت هي الانتقال به إلى الدار الحقيقية التي كان يبنيها حجراً حجراً، وشبراً شبراً، من خلال أفعاله وأعماله ومسلكياته في الحياة الدنيا. فالموت هو أداة الكشف عن الآخرة، والحياة الحقيقية، وهي التي وصفها الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[1]. الحيوان مصدر “حي” وهي المبالغة في الحياة، وهي الحياة الدائمة التي لا يعقبها الموت[2]. وفي هذه الآية ما يفيد التأكيد على كون الحياة الأخرى هي الحياة المقصودة والمنشودة، لأنها دائمة لا زوال فيها ولا اضمحلال. والتأكيد في الآية بـ ﴿وَإِنَّ﴾، وباللام في ﴿لَهِيَ﴾، ثم بضمير الفصل (هي)، واستخدام الجملة الاسمية أيضاً، كلها تفيد التأكيد الشديد على كون الحياة الآخرة هي الحياة الحقيقية. عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: “إنّ الدنيا لم تخلق لكم دار مقام، بل خلقت لكم مجازاً لِتَزوَّدوا منها الأعمال إلى دار القرار”[3].

 

لذلك لا بد من الانتباه إلى عدم الوقوع في الخطأ، واعتبار أنّ الحياة كلفظ يقع في مقابل لفظ الموت. فالموت ليس سوى محطة نحو حياة أخرى، غير أنها محطة مهولة وصعبة تحتاج إلى تحضير وإعداد مسبق لعبورها بيسر وسلامة.

 

سكرات الموت

إنّ حتمية الموت، سنّة إلهية وقانون ربّاني، لأنّه من جهة يرتبط بإظهار قدرة الله تعالى في إفناء مخلوقاته، ثم في إعادة بعثها من جديد، ومن جهة أخرى يرتبط بمبدأ الحكمة والعدل الإلهيين في إبداع عالم آخر تتم فيه المحاسبة والجزاء والثواب. لذلك كان الموت حتمياً. وانتقال الروح من عالم إلى عالم آخر أمر حتمي أيضاً، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[4]. ويقرِّر الإمام علي عليه السلام هذا المبدأ والقانون الإلهي النافذ، بكلمات واضحة وبسيطة حينما يقول “لكلّ حيٍّ موت”[5].

 

إنّ بداية رحلة الآخرة تبدأ بتجاوز مرحلة الموت. لكن لا يتصوّرنّ أحد أن تجاوز هذه المرحلة أمر هيّنٌ، بل هو أمر صعب وشديد. وتشير الآيات القرآنية إلى صعوبة هذه المرحلة فتصفها “بالـسكرة”، وهي من السُّكر، والسُّكر هو كل ما يذهب بالعقل والرشد. فصوَّر القرآن الموتَ بأنّه يزيل العقل بسبب شدة الآلام والأوجاع التي ترافقه. فليست العملية سهلة حينئذ، خاصة حينما تكون الروح متعلّقة ومتجذّرة بالجسد، بسبب طغيان حب الحياة الدنيا والتوجّه الدائم نحو هذا البدن الترابي وشهواته، فيصبح اقتلاعها من الجسد من أكثر الأمور إيلاماً، لدرجة أنَّ العقل يكاد يُذهَب به إلا من رحم الله. قال تعالى في كتابه المنير: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾[6] فعندما تحين منية الإنسان ويبدأ بمعاينة ملك الموت وأعوانه، الذين وكّلهم الله تعالى بقبض الأرواح، أرواح المؤمنين والكافرين، عندها سوف تبدأ الرحلة المهولة والصعبة. يقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾[7].

 

المؤمن عند سكرات الموت

إنّ كرامة الإنسان المؤمن المطيع لأمر الله تعالى والنائي بنفسه عن معاصيه، أعظم من أن تساوى بكرامة الفاسق والفاجر الذي سلكَ درب الشهوة، وارتكب الموبقات وألوان القبائح حتى سقط من عين الله ورحمته. لذلك وعلاوة على ما للمؤمن من الكرامة والمنزلة الرفيعة عند الله تعالى إلا أنّه اختصه أيضاً بكرامة أخرى تظهر له حين موته وترافقه حتى آخر لحظة في المحشر. فالمؤمن في سكرات الموت وقبض الروح، حاله غير حال الكافر والفاسق والذي خلط في عمله بين الحلال والحرام. ولكي نتحرّى الدقة في الكلام، فإنّ الروايات عن آل بيت العصمة والطهر عليهم السلام, تفصّل حال المؤمن حين الموت إلى حالين: حالة أولى تعبّر عن القاعدة العامة في حالة موته وكيفيتها، والثانية هي استثناء لتلك القاعدة:

 

الحالة الأولى: الراحة والسرور

وهي حال المؤمنين الذين كانوا يستترون بلباس التقوى في الدنيا: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾[8]، وكانت أعمالهم ترضي ربهم، وقلّما وقعوا في ذنب فلازموه إلا وأقلعوا عنه ورجعوا إلى ربهم خاشعين منيبين. فهذه الثلة لا يرضى الله لها إلا كل ثناء جميل ولطف عميم. لذلك فحال هؤلاء (حال الموت) هي حال جميلة ولطيفة لا وجع فيها ولا ألم، اللهم إلا ما يشعرون به من مس الفراق وترك الإخوان والأهل والأحبة، لكنها هنيهات قليلة سرعان ما يتبعها راحة، وذلك كما يقول الله تعالى عن هؤلاء الثلة الفائزة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾[9].

 

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إنّ أشدّ شيعتنا لنا حباً يكون خروج نفسه كشرب أحدكم في يوم الصيف الماء البارد الذي ينتَقِعُ به القلوب”[10].

 

وعن سدير الصيرفي قال: “قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك يا ابن رسول الله هل يُكْرهُ المؤمن على قبض روحه؟ قال عليه السلام: لا والله إنّه إذا أتاه ملك الموت لقبض روحه جَزِعَ عند ذلك، فيقول له ملك الموت: يا وليَّ الله لا تجزع فوالَّذي بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم لأنا أبرّ بك وأشفق عليك من والدٍ رحيمٍ لو حضرك، افتح عينك فانظر، قال: ويُمَثَّلُ له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذرّيّتهم عليهم السلام, فيقال له: هذا رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم السلام رفقاؤك، قال: فيفتح عينه فينظر فينادي روحه منادٍ من قبل ربّ العزّة فيقول: يا أيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ إلى محمّدٍ وأهل بيته ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً بالولاية مَرْضِيَّةً بالثواب فَادْخُلِي فِي عِبادِي يعني محمّداً وأهل بيته وادْخُلِي جَنَّتِي، فما شي‏ء أحبّ إليه من استلال روحه واللّحوقِ بالمنادي”[11].

 

الحالة الثانية: الشدة والوجع

هناك حالة أخرى للمؤمنين الذين يواجهون أثناء نزع الروح مشقة ووجعاً وألماً، حيث يُقبض روح أحدهم ولكنه يتوجّع في نزعه أشد الوجع والألم، فيتساءل البعض عن المغزى وراء هذا النزع الشديد!

 

يفسّر الإمام الكاظم عليه السلام هذه الحالة التي تحصل للمؤمن والتي هي على خلاف القاعدة العامة التي تقتضي أن يتم نزع روحه بسهولة ويسر، حيث إنّه دخل يوماً على رجل من شيعته المؤمنين وقد غرق في سكرات الموت وشدّتها فقال: “الموت هو المصفاة يصفّي المؤمنين من ذنوبهم فيكون آخر ألم يصيبهم كفارة آخر وزر بقي عليهم”[12].

 

إذن، عندما يكون الموت مرفقاً بآلام وأوجاع بالنسبة للمؤمن، فما هو إلا كفارة لما بقي عليه من بعض ذنوب وسيئات وآثام ارتكبها ولم يتطهّر منها قبل حلول أجله.

 

الكافر عند سكرات الموت

 

الحالة الأولى: شدة النزع

إنّ حال الكافر عند الموت والنزع هو غير حال المؤمن، وقد أخبر الله تعالى عن حال الكافر بالقول ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[13].

 

فالكافر حين الموت يواجه سكرات لا تقوى على حملها الجبال، لأنّ غضب الله ونقمته على الكافر تبدأ منذ النزع وحتى نار جهنم. وفي هذا الشأن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “وإن كان لأوليائنا معادياً، ولأعدائنا موالياً، ولأضدادنا بألقابنا ملقّباً، فإذا جاءه ملك الموت لنزع روحه مثّل الله عز وجل لذلك الفاجر سادته الذين اتخذهم أرباباً من دون الله، وعليهم من أنواع العذاب ما يكاد نظره إليهم يهلكه، ولا يزال يصل إليه من حرّ عذابهم ما لا طاقة له به. فيقول له ملك الموت: يا أيها الفاجر الكافر تركت أولياء الله إلى أعدائه، فاليوم لا يغنون عنك شيئاً، ولا تجد إلى مناص سبيلاً فَيَرِدُ عليه من العذاب ما لو قسّم أدناه على أهل الدنيا لأهلكهم”[14].

 

وفي خبر آخر للإمام الصادق عليه السلام أنّه قال في وصف موت الكافر والفاجر: “للكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب أو أشد، قيل فإنّ قوماً يقولون إنّه أشد من نشر بالمناشير! وقرض بالمقاريض! ورضخ بالأحجار! وتدوير قطب الأرحية على الأحداق قال: كذلك هو على بعض الكافرين والفاجرين”[15]. هذا هو حال الكافر المكثر من المعاصي والمعادي لأولياء الله، وما ذكرناه من شدة النزع هو عبارة عن قاعدة عامة في نزع الروح، ولكن هناك استثناء.

 

الحالة الثانية: النزع الميسّر

أحياناً نرى بعض الكفّار وحتى الفسّاق يكون نزع روحهم يسيراً، بل لا يكادون يحسّون بالنزع لسهولته ويسره. فما هو السبب في ذلك وقد علمنا منذ قليل أنّ الكافر يتألّم في موته ونزعه؟ يجيب الإمام الصادق عليه السلام عن ذلك حين سأله سائل: “فما بالنا نرى كافراً يسهل عليه النزع فينطفئ وهو يحدث ويضحك ويتكلّم، وفي المؤمنين أيضاً من يكون كذلك، وفي المؤمنين والكافرين من يقاسي عند سكرات الموت هذه الشدائد ؟ فقال: ما كان من راحة للمؤمن هناك فهو عاجل ثوابه، وما كان من شديدة فتمحيصه من ذنوبه ليرد الآخرة نقياً، نظيفاً، مستحقاً لثواب الأبد، لا مانع له دونه، وما كان من سهولة هناك على الكافر فليوفّى أجر حسناته في الدنيا ليرد الآخرة وليس له إلا ما يوجب عليه العذاب، وما كان من شدة على الكافر هناك فهو ابتداء عذاب الله له بعد نفاد حسناته ذلكم بأنّ الله عدل لا يجور”[16].

 

كيف نخفِّف من سكرات الموت؟

إنّ سكرات الموت وآلامه لا يطيقها بدن الإنسان ولا يحملها جسده، اللهم إلا من آمن واتقى وجعل من حياته في الدنيا مزرعة للآخرة، فزرع عملاً صالحاً عسى أن يلقى ربه وهو راضٍ عنه. وهناك بعض الأعمال إذا داوم عليها إنسان، فإنّ الله سبحانه وتعالى سيخفّف عنه تلك الآلام التي تحدث عند سكرات الموت، وفيما يلي بعضها:

1- التقليل من الشهوات: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرجل وهو يوصيه: “أَقلِلْ من الشهوات يسهل عليك الفقر، وأقلل من الذنوب يسهل عليك الموت”[17].

 

2- صلة الرحم: عن الإمام الصادق عليه السلام: “من أحب أن يخفّف الله عز وجل عنه سكرات الموت، فليكن لقرابته وَصولاً وبوالديه باراً، فإذا كان كذلك هوّن الله

 

عز وجل عليه سكرات الموت ولم يصبه في حياته فقر أبداً”[18].

 

3- قراءة القرآن: عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “من قرأ سورة ﴿يس﴾ وهو في سكرات الموت أو قرئت عنده جاء رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة فسقاها إياه وهو على فراشه، فيشرب فيموت ريّان ويُبعث ريّان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء”[19].

 

4- الدعاء: عن أبي جعفر عليه السلام: “إذا دخلت على مريض وهو في النزع الشديد فقل له: أُدعُ بهذا الدعاء يخفّف الله عنه: أعوذ بالله العظيم رب العرش الكريم من كل عرق نفّار ومن شر حر النار سبع مرات، ثم لقّنه كلمات الفرج، ثم حوّل وجهه إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه، فإنّه يخفّف عنه ويسهل أمره بإذن الله تعالى”[20].

 

5- الصدقة: عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “من كسا أخاه كسوة شتاء أو صيف كان حقاً على الله أن يكسوه من ثياب الجنة، وأن يهوّن عليه من سكرات الموت، وأن يوسّع عليه في قبره، وأن يلقى الملائكة إذا خرج من قبره بالبشرى، وهو قول الله عز وجل في كتابه: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾”[21].

 

المفاهيم الرئيسة

1- الموت في الإسلام هو انتقال من دار إلى دار، من دار الابتلاء والعمل إلى دار الجزاء.

 

2- الموت أمر حتمي لا مفرّ منه على الإطلاق، والإنسان إنّما خلق ليموت وينتقل إلى دار الحياة الحقيقية.

 

3- عند الموت قد يواجه الإنسان ما يسمى بسكرات الموت أو النزع.

 

4- شدة النزع وسهولته مردّهما بشكل أساس إلى تعلّق القلب بالدنيا، فالقلب المحبّ للدنيا سوف يعاني ألم الفراق، وهو السبب الرئيس للألم.

 

5- يمكن للإنسان أن يخفِّف من سكرات الموت والنزع من خلال إفراغ القلب من حب الدنيا، والتقليل من الشهوات، وعدم ارتكاب المحرّمات، والصدقة، بالإضافة إلى المواظبة على قراءة القرآن والإكثار من الدعاء.

 

 

للمطالعة

حب الدنيا في مرآة الموت[22]

بُنيّ! إنَّ الهدف من هذه الإشارات ليس أن يجد أمثالي وأمثالك طريقاً إلى معرفة الله وعبادته كما هو حقّه، رغم أنَّه قد نُقل عن أعرف الموجودات بالحقّ تعالى وحقّ عبادته وعبوديته قوله: “ما عرفناك حق معرفتك وما عبدناك حق عبادتك”، بل لكي نفهم عجزنا وندرك تفاهتنا ونحثو التراب على أنانيتنا وإنّيتنا.. بل لكي نحدّ من تمرّد هذا الغول، علّنا أن نوفق إلى أن نُمسك بزمامه ونكبح جموحه، حتَّى نتخلَّص من الخطر الكبير الذي يُحرق ذكره الأرواح.

 

واحذر من الخطر الذي يحلّ في اللحظات الأخيرة من الانفصال عن هذا العالم والرحيل إلى المستقر الأبدي، وهو أنَّ الإنسانَ المبتلى بحبِّ النَّفس وحبِّ الدُّنيا- بأبعادها المختلفة – على إثر ذلك من الممكن أن يكتشف ويدرك في حال الاحتضار، أنَّ مأمور الله سيفصله عن محبوبه ومعشوقه، ليرحلَ وقد عاداه الله – جل وعلا- وغضبَ عليه وتنفّر منه وهذه هي عاقبةُ حبِّ النَّفس والدّنيا. وقد وردت الإشارة إليها في الروايات. نقل شخص متعبّد وموثوق به أنّه وقف عند سريرِ شخصٍ كان يُحتضر فقال المحتضر: “إنّ الظلم الذي يمارسه الله عليّ لم يفعله أحدٌ آخر، إنّه يريد أن يفصلني عن أطفالي هؤلاء الذين ربّيتهم بدم قلبي. فقمت وغادرت. ثم مات”.

 

طبعاً من الممكن أن تختلف روايتي بعض الاختلاف عما قاله ذلك العالم المتعبّد، وعلى أي حال فإنّ ما قلته على فرض صحته، مهمّ إلى درجة بحيث إن الإنسان يجب أن يفكّر في حلّ له.

 

إنّنا لو فكرنا لساعة في موجودات العالم، التي نحن منها واكتشفنا أنَّ كلَّ موجود ليس له من نفسه شي‏ء، أنّ كلّ ما وصل إليه، هو ألطاف إلهية ومواهب مستعارة، وأن

 

الألطاف التي تفضّل بها علينا الله المنّان سواء قبل مجيئنا إلى الدنيا أو في حال الحياة من الطفولة وحتى نهاية العمر وسواء بعد الموت بواسطة الهداة الذين أُمروا بهدايتنا، فربما تظهر فينا بارقة من حبّه – جل وعلا – الذي حُجبنا عنه وندرك خواءنا وانعدام قيمتنا وينفتح أمامنا طريق إليه – جل‏ وعلا – أو نتحرّر على الأقل من الكفر الجحودي ولا نعتبر إنكار المعارف الإلهية والتجلّيات الرحمانيّة مرتبة لأنفسنا ولا نفتخر بذلك كي لا نُسجن إلى الأبد في بئرِ ويل الأنانية والعجب.

 

الإمام الخميني قدس سره

 

 

[1] سورة العنكبوت، الآية 64.

[2] المصطفوي التبريزي، الشيخ حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طبع مؤسسة الطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1477 هـ. ق، طهران إيران، ج 2، ص 336.

[3] نهج البلاغة، خ 132.

[4] سورة الجمعة، الآية 8.

[5] الآمدي، غرر الحكم، ص 161.

[6] سورة ق، الآية 19.

[7] سورة الأنعام، الآية 61.

[8] سورة الأعراف، الآية 26.

[9] سورة الفجر، الآيات 27 ـ 30.

[10] بحار الأنوار، ج 6، ص 161.

[11] الكافي، ج 3، ص 128.

[12] معاني الأخبار، ص 289.

[13] سورة النحل، الآية 28.

[14] بحار الأنوار، ج 6، ص 175.

[15] م. ن، ص 152.

[16] الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، علل الشرائع، ص 151 ـ 152.

[17] بحار الأنوار، ج 74، ص 189.

[18] م. س، ج71، ص 66.

[19] النوري، الطبرسي، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، الطبعة الأولى المحققة، 1987م. مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، بيروت، لبنان، ج 1، ص 322.

[20] وسائل الشيعة، ج 2، ص 465.

[21] م. ن، ج 5، ص 114.

[22] صحيفة الإمام الخميني قدس سره، ج 16، ص 165.

شاهد أيضاً

شمعون الصفا وصي المسيح (ع) وجد الإمام المهدي (ع) لأمه

علم النبوة وضعف الصبا !  في قصص الأنبياء للراوندي/269: ( بإسناده عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، قال: سأل أبي أبا عبدالله (ع) هل كان عيسى يصيبه مايصيب ولد آدم؟ قال: نعم . ولقد كان يصيبه وجع الكبار في صغره ، ويصيبه وجع الصغار في كبره ويصيبه المرض ، وكان إذا مسه وجع الخاصرة فيصغره وهو من علل الكبار ، قال لأمه: إبغي لي عسلاً وشونيزاً وزيتاً فتعجَّني به ، ثم أئتيني به ، فأتته به فكرهه فتقول: لم تكرهه وقد طلبته؟ فقال:هاتيه ، نعتُّهُ لك بعلم النبوة ، وأكرهته لجزع الصبا ، ويشم الدواء ثم يشربه بعد ذلك  .  وفي رواية إسماعيل بن جابر ، قال أبو عبد الله (ع) : إن عيسى بن مريم (ع)  كان يبكى بكاءً شديداً، فلما أعيت مريم (ع) كثره بكائه قال لها: خذيمن لِحَى هذه الشجرة فاجعليه وُجُوراً ثم اسقينيه ، فإذا سقيَ بكى بكاءً شديداً ، فتقول مريم (ع) : هذا ...