الرئيسية / مقالات / المفهوم القرأني للجاهلية بقلم سالم الصباغ

المفهوم القرأني للجاهلية بقلم سالم الصباغ

مصطلح الجاهلية ضلت فيه الجماعات التكفيرية عندما أنزلوه في غير موضعة ، وجعلوا له مصاديق من عندهم ، ورتبوا عليها أحكام قاموا هم بتطبيقها على مخالفيهم .

وبعد سقوط هذه التيارات ، سقطت معها أفكارها ، حتى لو كانت أفكار أسلامية ضلوا في فهما وتطبيقها ، واستغل البعض ـ أكثرهم بحسن نية والقليل منهم بسوء نية ـ هذا السقوط المدوي ليعلنوا حرباَ على قضايا أسلامية قرآنية كنا نظن أنها أصبحت من البديهيات بعد أكثر من أربعة عشر قرنا من بداية ظهور الأسلام ، كقضية علاقة الدين بالسياسة والحكم ، وقضية الحجاب أو الستر للمرأة المسلمة.

ولقد تكرر ذكر مصطلح ( الجاهلية ) في القرأن الكريم في أربعة مواضع أذكرها للتدبر والتفكر ، حيث لم تأخذ حقها من البحث .

وهذه المواضع هي :

ا ـ الظن بالله غير الحق

( يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ )

يقول الله تعالى :

( ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ) 154 أل عمران

2 ـ حكم الجاهلية في مقابل حكم الله

( أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ )

يقول الله تعالى :
( أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) 50 المائدة

3 ـ تبرج النساء

( وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ )

يقول الله تعالى :

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـرا ) 33 الأحزاب

4 ـ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ

يقول الله تعالى :

( إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً .) 26 الفتح

ما معنى قوله تعالى : ( يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ) ؟

يشرح العلامة الطباطبائي الموضع الأول وهو قوله تعالى : (يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ )

ونبدأ بذكر السياق التي وردت فيه الأية الكريمة
وهو قوله تعالى :

( ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ( يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ) يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ) 154 أل عمران

في تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي :

قوله تعالى { يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية } إلى قوله { لله } أي ظنوا بالله أمراً ليس بحق بل هو من ظنون الجاهلية فهم يصفونه بوصف ليس بحق بل من الأوصاف التي كان يصفه بها أهل الجاهلية وهذا الظن أياً ما كان هو شيء يناسبه ويلازمه قولهم هل لنا من الأمر من شيء ويكشف عنه ما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبهم به وهو قوله { قل إن الأمر كله لله }.

فظاهر هذا الجواب أنهم كانوا يظنون أن بعض الأمر لهم ولذا لما غلبوا وفشا فيهم القتل تشككوا فقالوا هل لنا من الأمر من شيء. وبذلك يظهر أن الأمر الذي كانوا يرونه لأنفسهم هو الظهور والغلبة وإنما كانوا يظنونه لأنفسهم من جهة إسلامهم فهم قد كانوا يظنون أن الدين الحق لا يغلب ولا يغلب المتدين به لما أن على الله أن ينصره من غير قيد وشرط وقد وعدهم به. وهذا هو الظن بغير الحق الذي هو ظن الجاهلية.

فإن وثنية الجاهلية كانت تعتقد أن الله تعالى خالق كل شيء وأن لكل صنف من أصناف الحوادث كالرزق والحياة والموت والعشق والحرب وغيرها وكذا لكل نوع من الأنواع الكونية كالإنسان والأرض والبحار وغيرها رباً يدبر أمرها لا يغلب على إرادته وكانوا يعبدون هؤلاء الأرباب ليدروا لهم الرزق ويجلبوا لهم السعادة ويقوهم من الشرور والبلايا والله سبحانه كالملك العظيم يفوض كل صنف من أصناف رعيته وكل شطر من أشطار ملكه إلى وال تام الاختيار له أن يفعل ما يشاؤه في منطقة نفوذه وحوزة ولايته.

وإذا ظن الظان أن الدين الحق لا يصير مغلوباً في ظاهر تقدمه والنبي صلى الله عليه وآله وسلم – وهو أول من يتحمله من ربه ويحمل أثقاله – لا يقهر في ظاهر دعوته أو أنه لا يقتل أو لا يموت فقد ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية فاتخذ لله أنداداً وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم رباً وثنياً مفوضاً إليه أمر الغلبة والغنيمة مع أن الله سبحانه واحد لا شريك له إليه يرجع الأمر كله وليس لأحد من الأمر شيء.

ولذلك لما قال تعالى فيما تقدم من الآيات { ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين } قطع الكلام بالاعتراض فقال – يخاطب نبيه – ليس لك من الأمر شيء لئلا يُتوهم أن له صلى الله عليه وآله وسلم دخلاً في قطع أو كبت.

والله سبحانه هو الذي وضع سنة الأسباب والمسببات فما كان سببه أقوى كان وقوعه أرجح سواء في ذلك الحق والباطل والخير والشر والهداية والضلالة والعدل والظلم ولا فرق فيه بين المؤمن والكافر والمحبوب والمبغوض ومحمد ( صلوات الله عيه وأله ) وأبي سفيان.

شاهد أيضاً

الأضحية أهميتها ومسائلها – سيد مصطفى الزلزلة