3 . الدين ومهنة الطبّ مع أنّ الطبّ الوقائيّ قد حظي – كما بيّنا – باهتمام الأحكام الدينيّة ، وأنّ أئمّة الدين أصابوا من علم الطبّ ما أصابوا ، غير أنّ فلسفة الدين ليست الخوض في مهنة الطبّ ، لذا جعلت الروايات الإسلاميّة علم الدين قسيماً لعلم الطبّ ( 4 ) ، كما أنّ أهل البيت لم يخوضوا في الشؤون الطبّية كمهنة ، وأنّ فصل الفقه عن الطبّ ، وعمل الفقهاء عن عمل الأطبّاء ( 5 ) دليل آخر أيضاً على امتياز نطاق الدين عن نطاق الطبّ . عرفنا إذاً أنّ خوض الأئمّة في المسائل الطبّية كخوضهم في سائر العلوم إذ كان خاصّاً مؤقّتاً لا عامّاً دائماً على نحو مراجعة الناس الأطبّاء ، وكان يمثّل نوعاً من الكرامة والإعجاز . ومن البديهيّ أنّ الناس لو كانوا قد اهتمّوا واستناروا بعلم أهل البيت ( عليهم السلام ) الجمّ ، وسجّلوا آثارهم العلميّة بإتقان ؛ لإستمتعت البشريّة هذا اليوم بذخائر علميّة ثقافيّة عظيمة في شتّى فروع العلم ، لكنّا نأسى على جهل المنزلة العلميّة لأهل البيت ( عليهم السلام ) إذ لم تُعرَف حقّ معرفتها ، كما أنّ ما أُثر عنهم لم يسلم من مكائد الساسة المحترفين المفترين ، حتّى نجد أنّ الظفر بتراثهم العلميّ هذا اليوم يحتاج إلى جهود بالغة . ونظراً إلى ما قلناه نقوم فيما يأتي بتقويم الأحاديث التي وصلت إلينا عن أهل البيت ( عليهم السلام ) في القضايا الطبّية : تقويم الأحاديث الطبّية من منظور الشيخ الصدوق يحكم شيخ المحدّثين محمّد بن عليّ بن بابويه القمي المعروف بالصدوق ( رحمه الله ) على الأحاديث الطبّية بنحو لا يمكن الركون إليه إلاّ في حالات خاصّة ، يقول ( رحمه الله ) : ” اعتقادنا في الأخبار الواردة في الطبّ أنّها على وجوه : منها : ما قيل على هواء مكّة والمدينة فلا يجوز استعماله في سائر الأهوية . ومنها : ما أخبر به العالم ( عليه السلام ) على ما عرف من طبع السائل ولم يتعدّ موضعه ؛ إذ كان أعرف بطبعه منه . ومنها : ما دلّسه المخالفون في الكتب لتقبيح صورة المذهب عند الناس . ومنها : ما وقع فيه سهو من ناقله . ومنها : ما حُفظ بعضه ونُسي بعضه . وما روي في العسل أنّه شفاء من كلّ داء فهو صحيح ، ومعناه أنّه شفاء من كلّ داء بارد . وما روي في الاستنجاء بالماء البارد لصاحب البواسير ؛ فإنّ ذلك إذا كان بواسيره من حرارة . وما روي في الباذنجان من الشفاء ؛ فإنّه في وقت إدراك الرطب لمن يأكل الرطب ، دون غيره من سائر الأوقات . وأمّا أدوية العلل الصحيحة عن الأئمّة ( عليهم السلام ) فهي آيات القرآن وسوره ،
والأدعية على حسب ما وردت به الآثار بالأسانيد القويّة والطرق الصحيحة ” . ( 1 ) وفي ضوء هذا التقويم يتسنّى لنا أن نضع قسماً من الأحاديث الطبّية في متناول أشخاص معيّنين ترتبط بهم هذه الأحاديث ، ونضرب عن سائر الأحاديث صفحاً . والأحاديث الوحيدة التي يتيسّر وضعها في متناول العامّة من الناس هي الأحاديث الصحيحة التي تدعو الناس إلى العلاج بواسطة الدعاء والاستشفاء بالآيات القرآنيّة . يبدو أنّ كلام الشيخ الصدوق ( رحمه الله ) وإن كان صحيحاً مبدئيّاً ، إذ إنّ الأحاديث الطبّية فاقدة للسند عادةً ، واحتمال الدسّ فيها كبير ، لكنّ نتيجة هذا الضرب من التقويم حرمان الناس من بعض الذخائر العلميّة لأهل البيت ( عليهم السلام ) ؛ لأنّ ضعف السند لا يقوم دليلا على تعذّر صدور الحديث لا محالة ، كما أنّ صحّة السند ليست دليلا على صدوره القطعيّ ، من جهة أُخرى لا يُستسهَلُ الحكم على أنّ عدداً من أنواع العلاج الواردة في الأحاديث يخصّ أشخاصاً معيّنين دون غيرهم . من هنا ، لا نستطيع أن نزوّد عامّة الناس بجميع الأحاديث كإرشادات طبّية لأئمّة الدين ، كما لا نستطيع أن نضعها جانباً ونحذفها من كتب الحديث بنحو عام ، فما عسانا أن نفعل ؟ !