الرئيسية / شخصيات اسلامية / شهيد الولاء حجر بن عدي الكندي

شهيد الولاء حجر بن عدي الكندي

ويقول ابن عساكر : « وكان – حجر – مع الجيش الذي فتح الشام » ( 67 ) .
وفي الكامل : « لما قدم حجر للقتل في مرج عذراء قال : أما واللّه لئن قتلتموني بها
فاني لأول فارس من المسلمين هلك في واديها ، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها »
( 68 ) .
وفي تاريخ اليعقوبي : ان حجرا قال في مرج عذراء : « واني لأول من رمى بسهم في
هذا الموضع وأول من هلك فيه » ( 69 ) .
وبعد هذه النصوص ، لا وجه لما ذكر في دائرة المعارف الاسلامية : « ويقول الشيعة
أيضا انه – أي حجر – شهد فتوح الشام الأولى حيث فتح إقليم مرج عذراء ، ولكن هذا
القول كسابقه لا يستند إلى سند قوي » ( 70 ) .
والملاحظ أن بعض المستشرقين في كتبهم ، وخاصة في دائرة معارفهم ، يحاولون تشويه
التاريخ الاسلامي ورجال المسلمين ، وخاصة التاريخ الاسلامي الصحيح ، والرجال
المؤمنين بالاسلام الأصيل لأهداف غير مجهولة .
ومع قول المؤرخين بأنه كان مع الجيش الذي فتح الشام ، فلا يبعد ان يكون أول رجل
دخل مرج عذراء في الشام ، مع تصريحه وتصريح المؤرخين بذلك ، وهو ثقة فيما ينقل
، بل يظهر من قول الطبقات بأنه هو الذي افتتح مرج عذراء وانه كان قائدا لإحدى الفرق
، ولم يكن مقاتلا عاديا ، وهذا ما يتناسب وشخصيته الاسلامية والاجتماعية .
وكان حجر من الافراد الذين شهدوا موت أبي ذر في الربذة ، بعد ان نفاه إليها عثمان
، حين استنكر عليه تصرفاته وتصرفات عماله المنافية للاسلام . وقد ثبت عن الرسول
( ص ) أنه قال عن موت أبي ذر : « انه يشهد موته عصابة من المؤمنين » ، وكان حجر من
المؤمنين الذين شهدوا موته في الربذة ( 71 ) .
وهذا القول يدل على مدح حجر ، وانه من المؤمنين بشهادة الرسول ( ص ) ، لأنه ممن شهد موت
أبي ذر في الربذة .
ففي الاستيعاب : « ثم خرج – أبو ذر – بعد وفاة أبي بكر إلى الشام فلم يزل بها حتى
ولي عثمان ، ثم استقدمه عثمان لشكوى معاوية ، فنفاه وأسكنه الربذة ، فمات بها ،
وصلى عليه عبد اللّه بن مسعود ، صادفه وهو مقبل من الكوفة مع نفر من فضلاء أصحابه
، منهم حجر بن الأدبر ، ومالك بن الحرث الأشتر ، وفتى من الأنصار ، دعتهم امرأته إليه ،
فشهدوا موته ، وغمضوا عينيه
وغسلوه وكفنوه في ثياب للأنصاري ، في خبر عجيب حسن فيه طول » ( 72 ) .
وفي الإصابة : « وروى ابن السكن وغيره من طريق إبراهيم بن الأشتر عن أبيه انه
شهد هو وحجر بن الأدبر موت أبي ذر في الربذة » ( 73 ) .
وكان حجر من الافراد الذين اعترضوا على عثمان ، و نصحوه بالكف عن تصرفاته
وتصرفات عماله ، ففي أعيان الشيعة : « وكان حجر بن عدي فيما رواه أبو مخنف من
جملة الذين كتبوا إلى عثمان من رجال أهل الكوفة ونساكهم وذوي بأسهم ، ينقمون عليه
أُموراً وينصحونه وينهونه عنها وكانوا اثني عشر رجلا » ( 74 ) .
فقد كتب إلى عثمان جماعة من أهل الكوفة منهم حجر حول وإليه على الكوفة سعيد بن
العاص رسالة جاء فيها : ( ان سعيدا كثر على قوم من أهل الورع والفضل والعفاف ، فحملك
في أمرهم ما لا يحل في دين ولا يحسن في سماع ، وإنا نذكرك اللّه في أمة محمد ،
فقد خفنا ان يكون فساد أمرهم على يديك ، لأنك قد حملت بني أبيك على رقابهم ، واعلم أن
لك ناصرا ظالما ، وناقما عليك مظلوما ، فمتى نصرك الظالم ونقم عليك الناقم
تباين الفريقان ، واختلفت الكلمة ، ونحن نشهد عليك اللّه وكفى به شهيدا ، فإنك أميرنا ما
أطعت اللّه واستقمت ، ولن تجد دون اللّه ملتحدا ولا عنه منتقذاً ) ( 75 ) .
دوره في خلافة الإمام ( ع ) : لا ينكر أي مؤرخ ان حجرا كان من الموالين للإمام ( ع
) ، وكانت هذه الموالاة سبب قتله ، باعتراف المؤرخين والمترجمين لحجر ، ولم يكن
ولاؤه لأهداف مادية ، بل كان عن وعي وبدافع إلهي واسلامي ، لأنه كان يرجو في ذلك
الفوز بالجنة ، وكان يرى في اتباع الإمام ( ع ) وولائه ، طريق الفلاح في الدنيا
والآخرة ، كما صرح حجر نفسه بذلك في الكثير من أحاديثه ومواقفه ، وتمثلت هذه
الحقيقة في حياته وتضحياته في سبيل الولاء .
إذن فولاؤه وتشيعه لا ينكره أحد . يقول ابن سعد : « وكان – حجر – من أصحاب علي بن
أبي طالب » ( 76 ) .
ويقول ابن حجر : « وصحب عليا فكان من شيعته » ( 77 ) . « وشهد حجر مع علي بن
أبي طالب ( ع ) الجمل وصفين فقتل في موالاة علي » ( 78 ) .
ولأجل تشيعه وولائه الراسخ للإمام ( ع ) ، ساهم في كل المعارك التي
اضطر إليها الإمام ( ع ) لمواجهة المتمردين ، من الناكثين والقاسطين والمارقين .
سيرة الإمام ( ع ) ومواقفه : والحديث عن الإمام ( ع ) وخلافته ذو شجون ، فمنذ وفاة
الرسول ( ص ) كان البعض يرى في وجوده خطرا يتهدد أطماعهم ، ولا نريد ان ندخل في
التفاصيل ، فإنها طويلة . وقد كتب علماؤنا والباحثون المتخصصون والمحققون في هذا
الموضوع الكثير من الدراسات بما يلقي الضوء على الكثير من القضايا التاريخية
والعقائدية ويزيل التشويهات والتحريفات عنها ، وتواجه الكثير من الشبهات والاعتراضات
التي يوجهها البعض إلى مدرسة أهل البيت عليهم السّلام ، ولسنا في مجال البحث عنها هنا ، إذ تحتاج
لفرصة ، ولدراسة واسعة ، وإنما نذكر بعض النقاط مع التأكيد على القارئ الكريم في
مراجعة تلك الكتب والدراسات التي كتبها الباحثون المحققون ليتعرف على الآراء
الصائبة في هذه القضايا ، والشواهد التاريخية على آرائهم ، وقد أشرنا في الهامش
إلى بعض هذه الكتب . ونكتفي هنا بهذا العرض الموجز بما يتعلق بموضوع دراستنا .
إن الإمام ( ع ) بعد توليه الخلافة لم يدخل هذه الحروب الثلاثة ، الجمل ، وصفين ،
والنهروان مختارا ، وانما اضطرته الظروف القاهرة إليها ، ففي فترة خلافته ، بعد
مطالبة الناس له بتقبل هذه الخلافة ، حاول تطبيق الشريعة الاسلامية بكل قوة ، فرد
الحقوق والأموال المغتصبة إلى أهلها ، وعزل العمال المنحرفين السابقين ، ولم يستجب
لرغبات المنتفعين في خلافة عثمان ، وعين
من قبله عمالا وولاة ، إلى غير ذلك من الاصلاحات والأعمال التي تستهدف
إعادة القسط والعدل للبلاد الاسلامية ، ولكن أولئك
الذين ضربت مصالحهم ، أو كانوا يشكلون عنصر تشويش و اضطراب بين المسلمين ، والذين
أرادوا من الغمام ( ع ) ان يستجيب لرغباتهم غير المشروعة ، وحاولوا حرف الخلافة عن
مسارها الاسلامي الصحيح ، وبعض الزعماء والافراد الذين حرضوا على الإطاحة
بخلافة عثمان ، والذين كانوا يحلمون ببعض الامتيازات والمطامع ، أدركوا أنهم
لن يتوصلوا إلى أهدافهم في ظل خلافة الإمام ( ع ) ، فلم يسكتوا ، بل تمردوا على هذا
النظام الاسلامي العادل ، ولكن لم يسفروا عن أهدافهم ، بل تقنعوالإمام ببعض الشعارات
الزائفة ، التي يعلمون هم أنفسهم قبل غيرهم بأنها لم تكن إلا ستارا لأطماعهم ،
أمثال الثار لعثمان ، ودفعوا الإمام ( ع ) دفعا إلى خوض هذه الحروب الداخلية ، فهذه
الحروب الداخلية الثلاث خاضها الإمام ( ع ) لمواجهة المتمردين الذين ضربت مصالحهم ،
فتمردوا ، من أجل الوصول إلى مآربهم الشخصية ، أو كانوا كالخوارج ، يشكلون عنصر
قلق وتشويش داخل الأمة الاسلامية حيث كانوا حجر عثرة في سبيل تحقيق الأهداف
الاسلامية ، وبذلك اضطر الإمام ( ع ) لمحاربتهم ، حتى لا يسقط الحكم
الاسلامي بأيدي هؤلاء الناكثين والقاسطين والمارقين ، وبذلك يكون قد ساعد على انحراف
الحكم الاسلامي والمسلمين .
وقد رفع بعض البغاة المتمردين شعار الثار لقتل عثمان ، ولكن ، أين هذا مما صرح
به بعض قادة المتمردين أنفسهم ، وكما يشهد به التاريخ ، بما فيه التاريخ

المعارض للإمام ( ع ) والشيعة ، بان الإمام ( ع ) وان كان يستنكر على عثمان وحاشيته
الكثير من مخالفاتهم وتصرفاتهم غير الشرعية ، ( حيث كان باستمرار يجهر بالحقيقة مرة
بعد أخرى وقد حاول إسداء النصيحة لعثمان في العديد من المناسبات حتى ضاق به ذرعا ،
ولكنه لم يكن يرى أن علاج الأمر بهذا الأسلوب الانفعالي الإماملعنيف هو الطريقة
المثلى ، وقد نقل عنه ( ع ) قوله في عثمان : إنه استأثر فأساء الأثرة وجزعوا فأسائوا
الجزع ) ( 79 ) .
وقد ذكر الطبري ان القوم حينما نزلوا ذا خشب يريدون قتل عثمان ان لم ينزع
عما يكرهون ، وعلم عثمان ذلك جاء إلى منزل علي ( ع ) فقال : « يا بن عم ، إنه ليس
له مترك . وان قرابتي قريبة ، ولي حق عظيم عليك وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم
مصبحي وأنا اعلم أن لك عند الناس قدرا وإنهم يسمعون منك ، فأنا أحب ان تركب إليهم
فتردهم عني . . . فقال علي : علام أردهم ؟ قال : على أن أصير إلى ما أشرت به علي
ورايته لي ، ولست اخرج من يديك . فقال علي : إني قد كنت كلمتك مرة بعد مرة فكل ذلك
نخرج فتكلم ونقول وتقول . ( وفي نقل ابن أبي الحديد عن الطبري : فكل ذلك تخرج
وتقول ، وتعد ثم ترجع ) وذلك كله فعل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وابن
عامر ومعاوية أطعتهم وعصيتني » ( 80 ) .

شاهد أيضاً

مكيال المكارم – ميرزا محمد تقي الأصفهاني

مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (عليه السلام) تأليف العالم العامل والزاهد المجاهد الحاج ميرزا ...