«قال الراغب: الكَدْحُ السعي والعناء انتهي. ففيه معني السير، وقيل: الكدح جهد النفس في العمل حتّي يؤثّر فيها انتهي وعلي هذا فهو مُضَمّن معني السير، بدليل تعدِّيه بإلی، ففي الكدح معني السير علی أيّ حال.
وقوله: فَمُلَـ’قِيهِ عطف علی كَادِحٌ، وقد بيّن به أنّ غاية هذا السير والسعي والعناء هو الله سبحانه بما أن له الربوبيّة، أي أنّ الإنسان بما) أنّه عبد مربوب ومملوك مُدَبَّر، ساعٍ إلی الله سبحانه بما) أنّه ربّه ومالكه المُدَبِّر لامره، فإنّ العبد لا يملك لنفسه إرادة ولا عملاً، فعليه أن لا يريد ولا يعمل إلاّ ما أراده ربّه ومولاه وأمره به، فهو مسؤول عن إرادته وعمله.
ومن هنا يظهر أوّلاً أنّ قوله: إِنَّكَ كَادِحٌ إلی’ رَبِّكَ يتضمّن حجّة علی المعاد، لما عرفت أنّ الربوبيّة لا تتمّ إلاّ مع عبوديّة، ولا تتمّ العبوديّة إلاّ مع مسؤوليّة، ولا تتمّ مسؤوليّة إلاّ برجوع وحساب علی الاعمال، ولا يتمّ حساب إلاّ بجزاء.
وثانياً: أنّ المراد بملاقاته انتهاؤه إلی حيث لا حكم إلاّ حكمه، من غير أن يحجبه عن ربّه حاجب.
وثالثاً: أنّ المخاطب في الآية هو الإنسان بما) أنّه إنسان، فالمراد به الجنس، وذلك أنّ الربوبيّة عامّة لكلّ إنسان». [1]
قد أثبت أعاظم حكماء الإسلام أنّ بين ربّ العزّة وبين مخلوقاته نوعاً من الجذب والانجذاب يُعَبَّر عنه ب العشق.
ولا جَرَمَ أنّ حبّ الله لمخلوقاته هو الذي أوجدها وألبس كلّ واحد منها (كلٌّ حسب إمكانيّته واستعداده وماهيّته المتفاوتة) لباس الوجود والبقاء، ووصف كلاّ منها بصفاته حسب ما يتناسب معه. إنّ هذا هو الحبّ الذي أعطي العالَم كيانه وبقاءه وديمومته، بِدءاً بالافلاك ومروراً بالارض والذرّة إلی الدُّرّة، وجَعْلها كلّها موجودات تتحرّك نحوه وتشقُّ طريقها إلیه.
إنّ هذا التجاذب المستقرّ في كلّ موجود وبشكل معيّن، هو السبب في تكوين وإنشاء تلك الحركة المُتَّجِهة نحو المبدأ الاعلي عبر مدارج ومعارج متباينة، وهو السبب في ذلك الحبّ الذي يدفع بجميع العاشقين إلی التحرُّك باتّجاه ذلك المحبوب والسير نحوه بوساطة ذلك الحبّ، من دون حجاب أو من وراء حجاب علی السواء. وكلّ ما في الامر أنّ الموجودات الضعيفة والماهيّات السفليّة تتعرّض خلال سيرها لتأثير شديد من قِبَل قوي أشدّ منها نظراً لصفة المحدوديّة الموجودة في وجودها، وهو ما يتسبّب في فَنائها هناك. وطبقاً للقاعدة القائلة: (الاقرب فالاقرب)، فإنّ أيّ موجود عالٍ هو غاية السير عند الموجود والمعلول الادني منه، حتّي يصل إلی ذات الحقّ والمُصَدِّر المطلق، والذي هو الموجود الاوّل العظيم اللامتناهي في عالم العوالم، حيث يفني فيه وتتحقّق عند ذاك عمليّة التحابب والتعاشق بين الحقّ سبحانه وتعإلی وبين ذلك الموجود.
وقد عُبِّرَ في هذه الآية الشريفة الكريمة عن تحرُّك الإنسان نحو هذا المحبوب ذي الجمال والمعشوق صاحب الجلال، وهو الهدف النهائيّ والمقصد الرئيسيّ، ب الكدح.
ومعني ذلك) أنّه يتوجّب علی الإنسان ـ وهو أشرف المخلوقات استعداداً أن يُوصِلَ ذاته ونفسه إلی الفَناء التامّ بالفعل.