النظر عن الفقير ، أو من كانت نفسه غيره طيبة ، ويتحلى بضعف بحيث يرضى لنفسه أن ينزل إلى مثل هذا المستوى الضحل من الذل والإنكسار وقد جاء عن رسول االله ( صلى االله عليه وآله ) قوله : « ردوا السائل ببذل يسير وبِليْنٍ ورحمة فأنه يأتيكم حتى يقف على بابكم من ليس بإنس ولا . (١) جان ينظر كيف صنيعكم فيما خولكم االله » وفي حديث آخر عنه ( صلى االله عليه وآله ) ان السائل قد يصرح ويقول : . (٢) « انني رسول من االله لأبلوك فوجدتك شاكراً فجزاك خيراً » مشكلة التسول : سبق لنا أن بينا في مقدمة الكتاب أن موضوع بحثنا هو الفقير العاجز لا الفقير المتسول الذي يتخذ من التكفف وملاحقة الناس مكسباً له فإن إعطاء مثل هذا المتحرف تشجيع على البطالة ، والاحتيال على جيوب الناس ومضايقتهم في أغلب الأوقات ومثل هذا الشخص يبغضه االله ـ وسنتعرض فيما سيأتي ـ إلى ذكر بعض الأحاديث التي صرحت بأن السائل لو لم يكن فقيراً ، ومد يده يتكفف ، فكأنما يتناول الخمر ، أو أن جزاءه النار ، أو يأتي يوم القيامة مخموش الوجه . وقد يرد السؤال عن التوفيق بين هذه الأخبار التي يظهر منها بغض االله سبحانه للسائل ، وبين الأخبار المتقدمة التي تقول : إن
____________ (١ و ٢) لاحظ لهذه الأخبار وسائل الشيعة ٦ | ٢٩٢ .
=============== ( ١٦١ )
رسول االله ( صلى االله عليه وآله ) ما منع سائلاً قط ، أو ما جاء في مناجاة الله لموسى بن عمران من قوله تعالى : « يا موسى أكرم السائل ببذل يسير أو ببردٍ جميل » . لأن الأخذ بظاهر هذه الأخبار إكرام السائل بإعطائه أو برده رداً جميلاً لو لم يكن المعطي يرغب في إعطائه ، ومعنى ذلك تشجيع السائل على التسول لأنه يجد فيه مرتعاً خصباً ، ومكسباً يدر عليه المال ، فهو اينما يتوجه يجد فيه مرتعاً خصباً ، ومكسباً يدر عليه المال ، فهو اينما يتوجه يجد من يكرمه ولا يرد له طلباً . والجواب عن ذلك : أن الأخبار لم تأمرنا باعطاء المال على كل حال بل خيرت المعطي بين الإعطاء والرد وحينئذٍ فإن عرف حال السائل ، وأنه متسول رد رداً جميلاً أما لو كان محتاجاً ، وفقيراً ، أكرم ، وأعطى . على أن هذه الأخبار ، وإن أطلق فيها لفظ السائل الشامل لكليهما المتوسل المحترف والمحتاج الحقيقي إلا أن الأخبار المصرحة : بأن النار جزاء المتسول تقيد إطلاق تلك الأخبار فتكون النتيجة : عدم رد السائل الواقعي ، ورد السائل المحترف طبقاً لأخبار التقيد ، وبذلك تنحل مشكلة التسول . ٤ ـ التماس الدعاء من السائل : بذلك صرحت بعض الأخبار تبين بأن دعوة السائل في حق المنفق تستجاب لذلك نرى الأئمة ( عليهم السلام ) يحثون المنفق أن يطلبوا ممن يسألهم حاجة أو شيئاً من المال أن يدعو لهم . وبهذا الصدد نرى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقول : =============== ( ١٦٢ ) . (١) « إذا ناولتم السائل شيئاً فاسألوه أن يدعو لكم » وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) أن علي بن الحسين ( عليه السلام ) قال
: « ما من رجل تصدق على مسكين مستضعف ، فدعا له المسكين بشيء تلك الساعة إلا . (٢) استجيب له » (٣) ويقول الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) في حديث له : « دعوة السائل الفقير لا ترد » . وقد تكرر هذا الارشاد منهم ( صلوات االله عليهم ) في حق المعطين ، وان يطلبوا من السائل الدعاء لأنهم يستجاب في حقهم حيث نبه على هذا المعنى الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) في حديث آخر له فقال : . (٤) « إذا اعطيتموهم فلقنوهم الدعاء فإنه يستجاب بهم فيكم ولا يستجاب لهم في أنفسهم » ٥ ـ عدم الرجوع في الصدقة : ومن أدب العطاء أن لا يرد المعطي الصدقة إذا أخرجها ليعطيها إلى الفقير فليس من المستحسن أن يردها من غير فرق في السبب بين أن يكون السائل قد رفضها ، أو لم يجد سائلاً ، أو ما شاكل ذلك من الأسباب . يقول الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ____________ (١ و ٢ و ٣) وسائل الشيعة ـ ٦ | ٢٩٤ ـ وما بعد . (٤) وسائل الشيعة ٦ | ٢٩٦ | ٢٩٤ | ٢٩٥ .
=============== ( ١٦٣ )
« من تصدق بصدقة فردت عليه ، فلا يجوز له أكلها ولا يجوز له إلا انفاقها إنما منزلتها بمنزلة العتق الله ، فلو أن رجلاً أعتق عبداً الله ، فرد ذلك العبد لم يرجع في الأمر الذي جعله الله . (١) فكذلك لا يرجع في الصدقة » وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) عندما سئل عن رجل يخرج بالصدقة ليعطيها السائل فيجده قد ذهب فقال : . (٢) « فليعطها غيره ، ولا يردها في ماله » إن الأمر بعدم ارجاع الصدقة يجسد لنا الحرص الشديد على أن يبقى الثواب الذي حصل عليه المعطي مجرداً له فلا يفوت ما حصل عليه بإرجاع الصدقة ، بل يبقيها لينال ثوابه .
____________ (١ و ٢) وسائل الشيعة ٦ | ٢٩٦ | ٢٩٤ | ٢٩٥ .
=============== ( ١٦٤ ) صفات ممدوحة في الفقير
١ ـ أغنياء من التعفف : « للفقراء الذي أحصروا في سبيل االله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تنفقوا من خير فإن االله به عليم « (١) . مع الآية في مقاطعها : « للفقراء الذين أحصروا في سبيل االله » . الحصر : هنا بمعنى المنع ، ويقول المفسرون : أن الآية الكريمة تحدثت عن مجموعة من الفقراء كانوا في المدينة ، وهم من أهل الصفة ، وأهل الصفة فقراء يتواجدون حول المسجد النبوي ، أو أمامه في رحبته خارج المسجد حسبوا أنفسهم عن العمل للمعاش . وقد اختلفوا في سبب هذا الحبس . فقيل : أنهم فعلوا ذلك لأنهم هيأوا أنفسهم للجهاد خوفاً من الكفار . ____________ (١) سورة البقرة | آية : ٢٧٣ .
=============== ( ١٦٥ )
وقيل : إن بعضهم منعه المرض من الكسب ، والتجارة . وقيل : إنهم انصرفوا للعبادة . وقيل : غير هذا ، وذاك من الأسباب . إلا أن الذي لا خلاف فيه هو أن هؤلاء لم يستطيعوا العمل ، والكسب ، وهو المقصود بقوله تعالى :
« لا يستطيعون ضرباً في الأرض » . هؤلاء الفقراء لشدة تحملهم ، وظهورهم بالمظهر اللائق الذي يحفظ لهم كرامتهم ، وعزتهم ، وعدم مد يد الذل الى الغير هو الذي جعلهم أغنياء في نظر الناس ممن يجهل حالهم ، وإنما عرفوا مما بدأ عليهم ، وظهر من آثار الجوع ، أو رداءة الملبس وإلا فانهم يحملون بين جوانبهم قلوباً ملؤها الإيمان باالله ، ونفوسا أبية تأبى أن تلوي جيداً لغير االله سبحانه . « لا يسألون الناس إلحافاً » . أي وعلى فرض طلبهم وسؤالهم من الناس لو الحت الحاجة بشكل اضطرهم الى السؤال فإنهم يسألون بهدوء ، وبرفق يتناسب مع ما هم عليه من التعفف وما يتحلون به من رفعة ، وإباء . وليأخذ الفقراء من هذه الآية درساً قيماً يكيفون به أوضاعهم على نحو ما ترسمه من التحدث عنهم ، وليثقوا بأن االله هو الرازق ، وهو المقدر ، وأنه لا يضيع من يتكل عليه . ٢ ـ دعاء السائل للمنفق وحمده الله : صحيح أن المعطي يعطي لوجه االله ، والتقرب إليه ، ولكن لا =============== ( ١٦٦ )
ينافي ذلك أن يجد المنفق من السائل تجاوباً على عطيته ، فيقابله بالشكر الله ، والدعاء له وبذلك يقوم برد بعض الجميل له ، ولعل ذلك يكون تشجيعاً للمعطي فيكرر العطاء له ، أو لغيره من المحتاجين . نستفيد كل ذلك من الحديث الذي يحدثنا به أحد الرواة قائلا : « كنا عند أبي عبد االله ( عليه السلام ) بمنى ، وبين أيدينا عنب نأكله ، فجاء سائل فسأله فامر له بعنقود فأعطاه فقال السائل : لا حاجة لي في هذا إن كان درهم فقال : يسع االله عليك ، ولم يعطه شيئاً فذهب ، ثم رجع فقال : ردوا العنقود فقال : يسع االله عليك ، ولم يعطه شيئاً ، ثم جاء سائل آخر فأخذ أبو عبد االله ( عليه السلام ) ثلاث حبات عنب ، فناولها إياها فأخذها السائل من يده ثم قال : الحمد الله رب العالمين الذي رزقني . فقال أبو عبد االله : مكانك فحثا ملأ كفيه عنباً ، فناولها إياه ، فأخذها السائل من يده ثم قال : الحمد الله رب العالمين . فقال أبو عبد االله : مكانك يا غلام أي شيء معك من الدراهم ؟ فإذا معه نحو من عشرين درهماً أو نحوها فناولها إياه ، فأخذها ثم قال : الحمد الله ، هذا منك وحدك لا شريك لك فقال أبو عبد االله : مكانك ، فخلع قميصاً كان عليه فقال : ألبس هذا ، فلبس ، ثم قال : الحمد الله الذي كساني ، وسترني يا أبا عبد االله . أو قال : جزاك االله خيراً ثم إنصرف وذهب »
(١) . لنقف مع هذه الرواية وندفع عنها ما يرد عليها من إشكال مفاده : ____________ (١) وسائل الشيعة ـ ٦ | ٢٧٢ .
=============== ( ١٦٧ )
ما يقال : من أن الإمام كيف يرد السائل الأول لمجرد أنه لم يرغب في أخذ عنقود من العنب بل أراد درهماً ، وما يدرينا ، فلعل السائل كان محتاجاً الى المال لا للعنب فما معنى رد الإمام له ، ولا أقل أن نطلب من الإمام ( عليه السلام ) أن يسأل عن سبب رد السائل العنب ، وطلبه الدرهم ؟ والجواب عن هذا الأشكال : بأن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ربما كان يقصد من هذا الرد للسائل أن يعطي درساً لمن حضر ، ولمن يصله الخبر في أدب السؤال ، وذلك بتنبيه السائل بأن أدب السؤال يقتضي عدم رد العنب لأن رده تحقير للمنفق على عطائه ، بل كان أدب السؤال يقضي بقول الهدية ، ثم المطالبة بالمال واظهار الحاجة له أما هذه المقابلة بالرد فإنها غير مستساغة . وعلى العكس من السائل الأول نرى السائل الثاني بقبوله لحبات العنب الثالثة وحمده الله على الرزق حفز الإمام على الزيادة بالعطاء ، وكرر السائل الحمد فكرر الإمام العطية ، وعاد السائل يحمد االله سبحانه فعاد الإمام بالمال ، وحمد السائل مجدداً فخلع الإمام قميصه عليه فانصرف السائل وقد حصل على العنب ، والدراهم ، والقميص وكان ذلك نتيجة حسن تصرف السائل في قبوله العطاء بينما حرم السائل الأول من كل ذلك نتيجة سوء تصرفه وأسلوبه المعوج في تقبله العطاء . ٣ ـ أن لا يسأل إلا مع الحاجة : السؤال والتكفف ليس حرفة وليس هو ـ في نفس الوقت ـ هواية ليقصد الإنسان من وراء ذلك جمع المال ، والعيش على حساب الآخرين . . . بل لا بد من أن يكون السؤال نابعاً عن حاجة السائل
=============== ( ١٦٨ )
وعوزه وفي غير هذه الصورة فإن الشارع المقدس يمقت هذا النوع من التكفف ، ومد اليد إلى الآخرين وبالتالي يتوعد السائل لو تكفف من غير حاجة ، ولا احتياج . يقول الأمام أبو عبد االله ( عليه السلام ) : « ما من عبد سأل من غير حاجة ، فيموت حتى يحوجه االله إليها ، ويثبت االله له بها النار » (١) . وفي حديث آخر نراه يقول : . (٢) « من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الخمر » وقبل أن ننتقل إلى موضوع آخر من بحثنا لابد من الإجابة على السؤال عن هذا التشديد على السائل لو سأل من غير حاجة ، فإن مثل هذا السائل أقصى ما يقال في حقه : أنه نزل الى المستوي الواطيء فرضي بالعيش ذليلاً يطلب من هذا ، ويسأل من ذاك وهذا أمر يخصه ، وعليه ينطبق عليه قول الشاعر : « ومن لم يكرم نفسه لم يكرم » . فلو ارتضى الشخص لنفسه أن لا يكرم فهل يكون جزاءه النار كما في الخبر الأول ، أو انه كمن اكل الخمر ؟ والمراد بالأكل هو شربها . سؤال ينتظر الإجابة ؟ والجواب عن ذلك : ان الإسلام لا يرضى للفرد أن يكون كلاً على الآخرين ، بل يحبذ للإنسان الاعتماد على النفس ، والجد في ____________ (١) وسائل الشيعة ـ ٦ | ٣٠٥ . (٢) وسائل الشيعة ـ ٦ | ٣٠٦ .
=============== ( ١٦٩ )
هذه الحياة ليأكل قوته من ثمرة جهوده التي يبذلها في الكسب ، والتجارة ، والعمل ، وقد جاء عن النبي ( صلى االله عليه وآله ) في موارد كثيرة نهيه عن السؤال ، وإرشاد السائل بترك التكفف ، والدخول إلى معترك الحياة من الطريق الذي يحبذه االله لعباده وهو الطريق الذي سار عليه الأنبياء ، والأوصياء ، والصالحون كما حدثنا التاريخ عنهم ، وأنهم كانوا يعيشون من أعمالهم اليدوية ، أو البدنية . يقول الإمام أبو عبد االله الصادق :
« لو أن رجلاً أخذ حبلاً فيأتي بحزمة حطبٍ على ظهره فيبيعها فيكف بها خير له من أن . (١) يسأل » وعنه أيضاً عن النبي ( ص ) أنه قال : « الأيدي ثلاثة : يد االله العليا ، ويد المعطي التي تليها ، ويد المعطى أسفل الأيدي فاستعفوا عن السؤال ما استطعتم . إن الأرزاق دونها حجب ، فمن شاء قنى حيائه ، وأخذ رزقه ومن شاء هتك الحجاب ، وأخذ رزقه ، والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبلاً ، ثم يدخل عرض هذا الوادي ، فيحتطب حتى لا يلتقي طرفاه ، ثم يدخل السوق ، فيبيعه بمدٍ من تمر فيأخذ ثلثه . ويتصدق بثلثيه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو حرموه » . رزق حلال حصيلة جهد ، وعمل ، وربح ، وتجارة مع الناس ، ومع االله . مع الناس : فيما حصله من ثمن ما احتطبه من ثلث المال . ____________ (١) وسائل الشيعة ـ ٦ | ٣١٠ .