الرئيسية / القرآن الكريم / التبيان في تفسير القرآن

التبيان في تفسير القرآن

واختلفت أيضا مقادير الفصاحة فيه وتفاضلت مواضع منه بعضه على بعض
والجواب الثاني : ان الله تعالى إنما خلق عباده تعريضا لثوابه وكلفهم لينالوا
أعلى المراتب وأشرفها ولو كان القرآن كله محكما لا يحتمل التأويل ولا يمكن فيه
الاختلاف لسقطت المحنة وبطل التفاضل وتساوت المنازل ولم تبن منزله العلماء
من غيرهم وانزل الله القرآن بعضه متشابها ليعمل أهل العقل أفكارهم ويتوصلوا
بتكلف المشاق والنظر والاستدلال إلى فهم المراد فيستحقوا به عظيم المنزلة وعالي الرتبة
فان قيل : كيف تقولون ، ان القرآن فيه محكم ومتشابه ، وقد وصفه الله
تعالى بأنه اجمع محكم ؟ ووصفه في مواضع أخر بأنه متشابه وذكر في موضع آخر
ان بعضه محكم ، وبعضه متشابه – كما زعمتم – وذلك نحو قوله : ” الر . كتاب
أحكمت آياته ” ( 1 ) وقال في موضع آخر : ” الله نزل أحسن الحديث كتابا
متشابها ” ( 2 ) وقال في موضع آخر : ” وهو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات
محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ” ( 3 ) وهل هذا إلا ظاهر التناقض ؟
قلنا : لا تناقض في ذلك ، لان وصفه محكم كله ، المراد به انه بحيث لا يتطرق
عليه الفساد والتناقض والاختلاف والتباين والتعارض ، بل لا شئ منه إلا وهو
في غاية الاحكام – إما بظاهره أو بدليله ، على وجه لا مجال للطاعنين عليه . ووصفه
بأنه متشابه أنه يشبه بعضه بعضا في باب الاحكام الذي أشرنا إليه ، وأنه لا خلل
فيه ولا تباين ولا تضاد ولا تناقض . ووصفه بان بعضه محكم ، وبعضه متشابه
ما أشرنا إليه ، من أن بعضه ما يفهم المراد بظاهره فيسمى محكما ومنه ما يشتبه المراد
منه بغيره وإن كان على المراد والحق منه دليل فلا تناقض في ذلك بحال .
واما الناسخ فهو كل دليل شرعي يدل على زوال مثل الحكم الثابت بالنص
الأول في المستقبل على وجه لو لاه لكان ثابتا بالنص الأول مع تراخيه عنه . اعتبرنا
دليل الشرع لان دليل العقل إذا دل على زوال مثل الحكم الثابت بالنص الأول
لا يسمى نسخا . ألا ترى أن المكلف للعبادات ، إذا عجز أو زال عقله ، زالت عنه
العبادة بحكم العقل ، ولا يسمى ذلك الدليل ناسخا ؟ واعتبرنا زوال مثل الحكم ،
ولم نعتبر الحكم نفسه لأنه لا يجوز أن ينسخ نفس ما أمر به ، لان ذلك يؤدي
إلى البداء . وإنما اعتبرنا أن يكون الحكم ثابتا بنص شرعي ، لان ما ثبت بالعقل
إذا أزاله الشرع لا يسمى بأنه نسخ حكم العقل . ألا ترى أن الصلاة والطواف
لولا الشرع لكان قبيحا فعله في العقل وإذ أورد الشرع بهما لا يقال نسخ حكم
العقل ؟ واعتبرنا مع تراخيه عنه لان ما يقترن به لا يسمى نسخا وربما يكون
تخصيصا إن كان اللفظ عاما أو مقيدا إن كان اللفظ خاصا ألا ترى أنه لو قال :
اقتلوا المشركين الا اليهود لم يكن قوله إلا اليهود نسخا لقوله اقتلوا المشركين ؟
وكذا لو قال : فسيحوا في الأرض أربعة اشهر فقيد بهذه الغاية لا يقال لما بعدها
نسخ . وكذا لما قال قي آية الزنا : فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ( 1 ) لا يقال
لما زاد عليه منسوخ لأنه مقيد في اللفظ
والنسخ يصح دخوله في الأمر والنهي بلا خلاف . والخبر ان تناول ما يصح
تغييره عن صفة جاز دخول النسخ فيه لأنه في معنى الامر . ألا ترى أن قوله :
( ولله على الناس حج البيت ) ( 2 ) خبر ؟ وقوله ( والمطلقات يتربصن

بأنفسهن ) ( 3 ) أيضا خبر ؟ وكذلك قوله : ( ومن دخله كان آمنا ) ( 4 )
خبر ومع ذلك يصح دخول النسخ فيه فاما ما لا يصح تغييره عن صفة فلا يصح
دخول النسخ فيه ، نحو الاخبار عن صفات الله تعالى ، وصفات الأجناس
– لما يصح عليه التغيير ، لم يصح فيه النسخ حيث أن العبارة بالاخبار عنه بأنه
قادر ، عالم ، سميع بصير ، لا يصح النسخ فيه ، لأنه يمتنع دخول النسخ في الاخبار –
إن كان الخبر لا يصح تغييره في نفسه
ولا يخلو النسخ في القرآن من أقسام ثلاثة : أحدها – نسخ حكمه دون
لفظه – كآية العدة في المتوفى عنها زوجها المتضمنة للسنة ( 1 ) فان الحكم منسوخ
والتلاوة باقية وكآية النجوى ( 2 ) وآية وجوب ثبات الواحد للعشرة ( 3 ) فان
الحكم مرتفع ، والتلاوة باقية وهذا يبطل قول من منع جواز النسخ في القرآن
لان الموجود بخلافه
والثاني – ما نسخ لفظه دون حكمة ، كآية الرجم فان وجوب الرجم على
المحصنة لا خلاف فيه ، والآية التي كانت متضمنة له منسوخة بلا خلاف وهي
قوله : ( والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ، فإنهما قضيا الشهوة جزاء بما
كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم )
الثالث – ما نسخ لفظه وحكمه ، وذلك نحو ما رواه المخالفون من عائشة :
أنه كان فيما أنزل الله ان عشر رضعات تحرمن ، ونسخ ذلك بخمس عشرة فنسخت
التلاوة والحكم
وأما الكلام في شرائط النسخ ، فما يصح منها وما لا يصح وما يصح أن
ينسخ به القرآن ، وما لا يصح أن ينسخ به وقد ذكرنا في كتاب العدة – في
أصول الفقه – ولا يليق ذلك بهذا المكان
وحكى البلخي في كتاب التفسير فقال : ( قال قوم – ليسوا ممن يعتبرون
ولكنهم من الأمة على حال – ان الأئمة المنصوص عليهم – بزعمهم – مفوض إليهم
نسخ القرآن وتدبيره ، وتجاوز بعضهم حتى خرج من الدين بقوله : ان النسخ قد
يجوز على وجه البداء وهو أن يأمر الله عز وجل عندهم بالشئ ولا يبدو له ، ثم
يبدو له فيغيره ، ولا يريد في وقت أمره به أن يغيره هو ويبدله وينسخه ، لأنه
عندهم لا يعلم الشئ حتى يكون ، إلا ما يقدره فيعلمه علم تقدير ، وتعجرفوا
فزعموا أن ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكة )
وأظن أنه عنى بهذا أصحابنا الإمامية ، لأنه ليس في الأمة من يقول بالنص
على الأئمة عليهم السلام سواهم فإن كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل وكذب
عليهم ، لأنهم لا يجيزون النسخ على أحد من الأئمة ( ع ) ولا أحد منهم يقول
بحدوث العلم وإنما يحكى عن بعض من تقدم من شيوخ المعتزلة – كالنظام
والجاحظ وغيرهما – وذلك باطل وكذلك لا يقولون : ان المتأخر ينسخ المتقدم
إلا بالشرط الذي يقوله جميع من أجاز النسخ ، وهو أن يكون بينهما تضاد وتناف
لا يمكن الجمع بينهما ، واما على خلاف ذلك فلا يقوله محصل منهم .
والوجه في تكرير القصة بعد القصة في القرآن ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان
يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم تكن الانباء والقصص مكررة ،
لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم ، وقصة نوح إلى قوم آخرين ،
فأراد الله بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في كل
سمع ، ويثبتها في كل قلب ، ويزيد الحاضرين في الافهام
وتكرار الكلام من جنس واحد ، وبعضه يجري على بعض ، كتكراره في :
قل يا أيها الكافرون ، وسورة المرسلات ، والرحمن فالوجه فيه ، ان القرآن نزل
بلسان القوم ، ومذهبهم في التكرار – إرادة للتوكيد وزيادة في الافهام – معروف
كما أن من مذهبهم الايجاز والاختصار إرادة للتخفيف وذلك أن افتنان المتكلم
والخطيب في الفنون ، وخروجه من شئ إلى شئ ، أحسن من اقتصاره من المقام
على فن واحد . وقد يقول القائل : والله لأفعله ثم والله لأفعله ، إذا أراد التوكيد
كما يقول : افعله بحذف اللام إذا أراد الايجاز قال الله تعالى : ” كلا سوف تعلمون
ثم كلا سوف تعلمون ” ( 1 ) وقال : ” فان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا ” ( 2 )
وقال الله تعالى : ” أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ” ( 3 ) وقال : ” ما أدراك ما
يوم الدين ، ثم ما ادراك ما يوم الدين ” ( 4 ) كل هذا يراد به التوكيد وقد
يقول القائل لغيره : اعجل اعجل وللرامي ارم ارم قال الشاعر :
كم نعمة كانت لكم * كم كم وكم
وقال آخر :
هلا سألت جموع كندة * يوم ولوا أين أينا
وقال عوف بن الخزرج :
وكادت فزارة تصلى بنا * فأولى فزار فأولى فزار
فاما تكرار معنى واحد بلفظين مختلفين ، كقوله : ” الرحمن الرحيم ”
وقوله : ” يسمع سرهم ونجواهم ” والنجوى هو السر ، فالوجه فيه ما ذكرنا من أن
عادة القوم ، تكرير المعنى بلفظين مختلفين ، اتساعا في اللغة ، كقول الشاعر .
كذبا ومينا وهما بمعنى واحد وقول الآخر :
لمياء في شفتيها حوة لعس * وفي اللثات وفي أنيابها شنب
واللمى : سواد في الشفتين والحوة واللعس كلاهما سواد الشفتين وكرر
لاختلاف اللفظ والشنب : تحزز في الأنياب كالمنشار ، وهو نعت لها ورحمن
ورحيم ، سنبين القول فيهما فيما بعد وقوله : ” وغشاها ما غشى ” ( 5 ) وقوله :
فغشيهم من اليم ما غشيهم ” ( 6 ) وقوله : ” ولا طائر يطير بجناحيه ” ( 7 ) على
ما قلناه من التوكيد ، كما يقول القائل : كلمته بلساني ، ونظرت إليه بعيني ، ويقال
بين زيد وبين عمرو ، وإنما البين واحد . والمراد بين زيد وعمرو وقال الشاعر أوس
بن الحجر :
ألم تكسف الشمس شمس النهار * مع النجم والقمر الواجب ( 1 )
والشمس لا تكون إلا بالنهار ، فأكد
ذكرنا هذه الجملة تنبيها عن الجواب عما لم نذكره ، ولعلنا نستوفيه فيما بعد
إذا جرى ما يقتضي ذكره ولولا عناد الملحدين ، وتعجرفهم ، لما احتيج إلى
الاحتجاج بالشعر وغيره للشئ المشتبه في القرآن ، لان غاية ذلك أن يستشهد
عليه ببيت شعر جاهلي ، أو لفظ منقول عن بعض الاعراب ، أو مثل سائر عن
بعض أهل البادية . ولا تكون منزلة النبي صلى الله عليه وآله – وحاشاه من ذلك – أقل من
منزلة واحد من هؤلاء . ولا ينقص عن رتبة النابغة الجعدي ، وزهير بن الكعب
وغيرهم ومن طرائف الأمور ان المخالف إذا أورد عليه شعر من ذكرناه ، ومن
هو دونهم سكنت نفسه ، واطمأن قلبه وهو لا يرضى بقول محمد بن عبد الله
بن عبد المطلب ومهما شك الناس في نبوته ، فلا مربة في نسبه ، وفصاحته ، فإنه نشأ بين قومه الذين هم الغاية القصوى في الفصاحة ، ويرجع إليهم في معرفة اللغة . ولو كان
المشركون من قريش وغيرهم وجدوا متعلقا عليه في اللحن والغلط والمناقضة ،
لتعلقوا به ، وجعلوه حجة وذريعة إلى اطفاء نوره وابطال امره ، واستغنوا بذلك
عن تكلف ما تكلفوه من المشاق في بذل النفوس والأموال . ولو فعلوا ذلك لظهر
واشتهر ، ولكن حب الالحاد والاستثقال لتحمل العبادات ، والميل إلى الفواحش
أعماهم وأصمهم ، فلا يدفع أحد من الملحدين – وان جحدوا نبوته صلى الله عليه وآله – انه اتى
بهذا القرآن ، وجعله حجة لنفسه ، وقرأه على العرب وقد علمنا أنه ليس بأدون
الجماعة في الفصاحة وكيف يجوزان يحتج بشعر الشعراء عليه ، ولا يجوز أن
يحتج بقوله عليهم وهل هذا إلا عناد محض ، وعصبية صرف ؟ وإنما يحتج علماء
الموحدين بشعر الشعراء وكلام البلغاء ، اتساعا في العلم ، وقطعا للشغب ، وإزاحة
للعلة ، وإلا فكان يجب ألا يلتفت إلى جميع ما يطعن عليه ، لأنهم ليسوا بان يجعلوا
عيارا عليه بأولى من أن يجعل هو عليه السلام عيارا عليهم .
وروي عن ابن مسعود ، أنه قال : ” كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم
يجاوزهن حتى يعرف معانيهن ، والعمل بهن ” وروي انه استعمل علي ( ع )
عبد الله بن العباس على الحج فخطب خطبة لو سمعها الترك والروم لا سلموا ثم قرأ
عليهم سورة النور – وروي سورة البقرة – ففسرها فقال رجل : ” لو سمعت
هذا الديلم لا سلمت ” ويروى عن سعيد بن جبير ، انه من قرأ القرآن ثم لم
يفسره كان كالأعجمي أو الاعرابي

شاهد أيضاً

مكيال المكارم – ميرزا محمد تقي الأصفهاني

مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (عليه السلام) تأليف العالم العامل والزاهد المجاهد الحاج ميرزا ...