هبة السماء ، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام

عن مقتل زكريا، فماذا كان مصيرهم؟
وللحرج الذي يقع فيه المسيحيون من هذا السؤال يجيبون عنه جوابا أعتقد أنه مخالف للفطرة والعقل البشري وفيه إهانة كبيرة إلى كل الأنبياء العظام فيقولون أما مصير الذين ماتوا قبل هذه الساعة فقد هلك الخطاة، وأما أصحاب القلوب النقية – يقول المسيحيون – فقد ماتوا على رجاء الخلاص، وهذا ما يفسر بوضوح نزول المسيح (عليه السلام) إلى الجحيم ليحرر هذه النفوس التي كانت تنتظر مجيئه (1).
فعلى هذا يجب أن نقول أن نوحا نبي الله وإبراهيم خليل الله وموسى كليم الله وداود وإسحاق ويعقوب والأنبياء العظام كلهم (صلوات الله وسلامه عليهم) يصلون الجحيم منتظرين نزول المسيح (عليه السلام) إليهم لإنقاذهم!!!
فأي عقل سليم يقبل مثل هذا الهراء؟ إضافة إلى ذلك فإنه مخالف للعهد الجديد نفسه إذ يقول متي في إنجيله (8 – 1 1) وأقول لكم أن كثيرين سيأتون من المشارق المغارب ويتكئون مع إبراهيم و إسحاق ويعقوب في ملكوت السماوات.
وأيضا من تصريح المسيح (عليه السلام) من أن الأطفال والأولاد لهم ملكوت السماوات، فإن كان المسيح (عليه السلام) يعظم الأنبياء في أماكن
(1) المسيح في الفكر الاسلامي: 345.
(٨٤)

كثيرة من العهد الجديد ويؤكد أنهم في ملكوت السماوات، فلا أدري من أين جاءوا بمثل هذه الأقاويل ونسبوها زورا وتحريفا إلى السيد يسوع المسيح (عليه السلام) فهل يعقل أن يختار الله سبحانه في هذه الدنيا أنبياء وأولياء قضوا جل أعمارهم في طاعته وعبادته وقدموا أرواحهم وأنفسهم في سبيل تبليغ تعاليمه وهداية الناس إليه، فمنهم الخليل والكليم وغيرهما الكثير، وبعد موتهم يلقيهم في جهنم جزاء لخطيئة آدم (عليه السلام) وإلى أن يرسل المسيح (عليه السلام) ويخلصهم!!
وفي الواقع فأني وقفت متحيرا وذاهلا كيف كنت أقبل مثل هذه العقائد واعتبرها من الأمور المسلمة، ليس سوى أن الكنيسة قد اعتبرتها وقبلتها وأن كانت مخالفة للعقل والفطرة.
وأختم الحديث عن هذا الموضوع فأقول أن هذه العقيدة مخالفة للكتاب المقدس أيضا، إذ نجد عكس هذه المسألة تماما في كتاب العهد القديم، مثلا يقول حزقيل النبي (18: 20) من أخطأ فهو الذي يموت والابن لا يحمل خطيئة أبيه، وكذلك الأب لا يحمل خطيئة ابنه، فالبار سيحاسب على بره، والشرير سيحاسب على شروره. وغيرها الكثير، ولأني تعمدت الاختصار قدر الإمكان في هذا الكتاب اكتفي بهذا المقدار، على أني سأتوسع في البحث في هذا الموضوع في رسالة مستقلة بإذن الله، ونفرق هناك بين الخطيئة

(٨٥)

الفردية والجماعية كما يزعم المسيحيون وكما يفسرون مثل هذه الكلمات في الكتاب المقدس.

(٨٦)

من هو المسيح (ع)؟
السؤال المهم الذي يطرح في العقيدة المسيحية هو: من هو المسيح (عليه السلام) وللإجابة عن هذا السؤال نلجأ إلى الكتاب المقدس (العهد الجديد). فيعرف لنا المسيح (عليه السلام) بأنه (ابن الإنسان، ابن الله، الله المتجسد) فالعهد الجديد يعطي هذه الألقاب للمسيح (عليه السلام)، ونحن هنا بدورنا نستعرض هذه الأسماء لنرى هل نستطيع أن نوفق بين كل هذه الصفات والألقاب بأن تكون لكائن واحد لا غير؟
ابن الإنسان من يطالع العهد الجديد بدقة يجد أن المسيح (عليه السلام) يؤكد على هذا اللقب له بصورة كبيرة، وأني هنا أقدم إحصاء بسيطا عن هذا اللقب في الأناجيل الأربعة: فقد ذكر المسيح (عليه السلام) حسب إنجيل متي هذا الاسم (27 مرة) لاحظ متي: (8: 21، 9: 6، 10: 23، 11: 19،

(٨٧)

12: 8، 13: 32، 13: 41، 13: 37، 13: 40، 16: 14، 16: 27، 17: 9، 17: 12، 24: 28، 24: 40، 25: 13، 25: 31، 26: 1، 26: 23، 26: 46، 26: 64).
وحسب إنجيل مرقس (12 مرة) أنظر مرقس: (2: 10، 2:
28، 8: 31، 9: 10، 9: 31، 10: 33، 10: 44، 13: 25، 14: 21، 14: 41، 14: 62). وحسب إنجيل لوقا (21 مرة) أنظر لوقا: (5: 24، 6: 5، 7: 34، 9: 22، 9: 45، 11: 30، 12: 8، 2: 10، 6: 22، 9:
56، 9: 57، 12: 40، 17: 22، 17: 25، 17: 26، 17: 30، 18: 8، 18: 32، 19: 10، 21: 27، 21: 36، 22: 22، 22: 48، 22: 68).
وحسب إنجيل يوحنا (10 مرات) أنظر يوحنا (1: 51، 3:
31، 5: 27، 6: 27، 6: 53، 6: 63، 8: 28، 12: 23: 12: 34، 3:
14).
وأعتقد أن تأكيد المسيح (عليه السلام) على أنه ابن إنسان فيه دلالة وإشارة واضحة وجنبته الإنسانية، فإنه كان يمارس حياته العادية كباقي البشر، فهو يجوع ويعطش و ينام ويفرح ويتألم ويحتاج في حياته إلى الكثير من الأمور الأخرى، فهو بتأكيده هذا يريد أن يبين أنه لا يعدو كونه انسانا كسائر الناس، ولكنه يختلف عنهم بأنه نبي يوحى إليه، فهو على ارتباط مع السماء، كباقي الأنبياء.
ولكن المسيحيين يرون في هذا اللقب بعد آخر، وهو أن
(٨٨)

المسيح (عليه السلام) شاركنا في حالتنا من الاتضاع والألم، ولكن بما أنه كان ابن الإنسان ذا الأصل السماوي، فهو آدم الجديد، رأس البشرية المجددة فهو آدم السماوي الذي يلبس القائمون من بين الأموات صورته (1).
ويعتقدون أن ابن الإنسان عبارة غامضة توحي بجانب من السمو العالق بشخصية المسيح (عليه السلام) وتحجبه في الوقت نفسه. فعبارة ابن الإنسان عند المسيحيين لها شمول أعمق بكثير مما نفترضه للوهلة الأولى، وهذه العبارة (حسب المسيحيين) عندما يتكلم بها يسوع المسيح (عليه السلام) فهو يريد أن يحقق بذلك ما كان مذكورا في العهد القديم، حسب رؤيا دانيال الذي يتحدث عن ابن الإنسان وعن القديم (يقصد به الله) محاكما جميع الناس والملوك (دنيا: 7).
فكان التقليد اليهودي واعيا للميزة الفائقة لابن الإنسان، ولوجوده السابق للعالم (2).
ولهذا فهم اليهود من خلال هذا اللقب أنه تجديف كما يذكر ذلك إنجيل متي: (متي: 26: 65:) (فأجاب رئيس الكهنة، وقال له أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله، قال له يسوع أنت قلت، وأيضا أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان
(1) معجم اللاهوت المسيحي: 33.
(2) المسيح في الفكر الاسلامي الحديث وفي المسيحية: 249.
(٨٩)

شاهد أيضاً

مآثر العلماء في الطريق الى الله ٤٥

#دورة_في_جهاد_النفس • الدرس الخامس: القوة المعنوية – الفصل السادس: الوسوسة يقول العارف النخودكي قدس سره: …