الفصل الثالث: أخوان الصدق
من تؤاخي؟
إنّ الباحث عن معالم الأخوّة في الإسلام بما يتّفق مع تعاليمه السامية الّتي لا يجدر بالإنسان الحياد عنها؛ سوف يجدها جليّة بيّنة تأخذ بيده إلى علياء الكرامة والفضيلة، وتنقله نقلة نوعيّة يشبع برفدِها روحه ويروي من نميرِها فؤاده الصادي إلى ذاك التكامل المنشود والمنتهى الخالد خلود الحقّ طالما لم يعكس الاتّجاه، وظلّ يتوق ويتشوّق إلى التزوّد من خيار إخوته في الله تعالى، ثمّ بلغ هذه الغاية فغدت حقيقة وحدثًا بعد أن كانت أمنية وحلمًا فتجمّعت جداول الخير في بحر واحد.
فمن هم هؤلاء يا ترى؟
إنّهم إخوان الصدق الّذين أوصانا أمير المؤمنين عليه السلام بمعاشرتهم، مؤكّدًا ذلك في قوله:
“وعليكَ بإخوانِ الصدقِ فأكثرْ من اكتسابِهم فإنَّهم عدّةٌ عندَ الرخاءِ وجُنّةٌ عندَ البلاءِ”1.
1- العالم الربّاني:
لقد أكّدت الروايات المباركة على الاستفادة من
1- بحار الأنوار، ج71، ص187.
35
24
الفصل الثالث: أخوان الصدق
العلماء الربّانيّين ومصاحبتهم ومجالستهم، لأنّهم قادة الركب المقدّس الّذين يأخذون بيد المرء إلى عالم العلياء ويصلون به إلى حيث أراد الله سبحانه، من خلال نشر معارفهم والقيام بدورهم في تبليغ رسالة الله وهداية الناس والدفاع عن مبادىء الدين الحنيف وصيانة الشريعة من أن تدخلها البدع والانحرافات، وهم صمّام الأمان الّذي لا غنى لأحد عنه.
وممّا ورد في حقّهم ما قاله الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:
“عجِبْتُ لمن يرغبُ في التكثُّرِ منَ الأصحابِ كيفَ لا يصحبُ العلماءَ الألبّاءَ الأتقياءَ؛ الذينَ يغتنمُ فضائلَهم وتهديهِ علومُهم وتزيِّنُه صحبَتُهم”1.
فهنا ثلاث فوائد:
الأولى: اغتنام فضائلهم ومعناه التحلّي بمحاسن الأخلاق الّتي هم عليها.
الثانية: الاهتداء بعلومهم ومعناه التنوّر بمعرفة أحكام الدين وردّ شبهات الملحدين.
الثالثة: التزيّن بصحبتهم حيث هم زين لمن وفّق للقيام بخدمتهم والتشرّف بمحضرهم.
وعنه عليه السلام:
“جالسِ العلماءَ يزدَدْ علمُكَ ويحسُنُ أدبُكَ”2.
1- ميزان الحكمة، ج2، ص1584.
2- م.ن. ج1، ص55.
36
25
الفصل الثالث: أخوان الصدق
وفي وصيّة لقمان لابنه:
“يا بنيَّ جالسِ العلماءَ وزاحِمْهم بركبَتَيك، فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُحيي القلوب بنورِ الحكمةِ كما يُحيي الأرضَ بوابلِ السماءِ”1.
وفي مقابل ذلك إنّ التخلّي عنهم وترك مُجالستهم موجب للخذلان من الله تعالى، لأنّ الابتعاد عنهم معناه الابتعاد عن المدرسة الإلهيّة الّتي أمر المولى سبحانه بالتربّي في كنفها وتحت ظلالها وهذا ما جاء صريحًا في دعاء الإمام السجّاد عليه السلام:
“أوْ لعلَّكَ فقدْتَني من مجالسِ العلماءِ فخذَلْتني”.
2- الحكيم الإلهيّ:
إنّ مصاحبة الحكماء ومجالسة الحلماء، فيهما من آثار الخير ما لا يُمكن عدّه وإحصاؤه؛ لما في هذين الصنفين من مواصفات عالية تترك بصماتها وثمارها في الجنبة العلميّة وكذلك العمليّة، بما يساعد الإنسان في طريقه نحو الكمال.
عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:
“صاحبِ الحكماءَ وجالسِ الحلماءَ، وأَعرِضْ عن الدنيا تسكنْ جنَّةَ المأوى”2.
1- م.س. ج1، ص402.
2- م.ن. ج2، 1584.
37
26
الفصل الثالث: أخوان الصدق
وفي رواية أخرى:
“أكثِرِ الصلاحَ والصوابَ في صُحبةِ أولي النُّهى والصوابِ”1.
3- المحبّ في الله:
عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:
“خيرُ الإخوانِ من كانَت في اللهِ مودَّتُه”2.
وعنه عليه السلام:
“خيرُ الإخوانِ من لم تكنْ على الدنيا أخوَّتُه”3.
4- المواسي لك:
عن أمير الإمام المؤمنين عليه السلام:
“خيرُ إخوانِك من واساكَ وخيرٌ مِنه من كَفاك وإذا احتاجَ إليك أعفاكَ”4.
وفي حديث آخر:
“خيرُ إخوانِك من واساكَ بخيرِه وخيرٌ مِنه من أغناكَ عنْ غيرِه”5.
5- الداعي إلى الله تعالى:
والمراد منه من كانت دعوته بالعمل إضافة إلى
1- م. س. ح 10244.
2- م.ن. ح 264.
3- م.ن. ح265.
4- م.ن. ح2624.
5- م.ن. ح2634.
38
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله