جالسا عن يمين القوة وآتيا على سحاب السماء… فقال رئيس الكهنة قد جدف)، فكان من الواضح لهم أن يسوع كان يدعي أكثر من ذلك، إذ رفع نفسه إلى درجة الألوهية (1).
وفي الواقع فالانسان يبقى مندهشا عند سماعه لمثل هذا الكلام، فما معنى أن يكون المسيح (عليه السلام) انسانا وابن إنسان ولكنه الله في نفس الوقت وابن الله، نعم من الممكن أن يصل إلى درجة عالية من القرب الإلهي من خلال العبادة والطاعة لمولاه، فيقول للشئ كن فيكون، أما أن يكون الإنسان انسانا وإلها في آن واحد، فهو مما لا يحتمله العقل البشري.
ابن الله أن الكنيسة تعتبر هذا اللقب هو السر الذي يشير إلى حقيقة المسيح (عليه السلام) وتصر على تسمية المسيح (عليه السلام) به. إذ من خلال قبول هذا اللقب للمسيح (عليه السلام) تكتمل فصول عقيدة الفداء والخلاص، وكذلك عقيدة الثالوث الأقدس، إذ أن المسيح (عليه السلام) في هذا الثالوث هو الاقنيم الثاني.
ومما يثير الدهشة أن المسيح (عليه السلام) لم يسم بهذا الاسم ولا مرة واحدة في الأناجيل الموافقة (متي، مرقس، لوقا)، بل كما رأينا فهو
(٩٠)
دائما يطلق على نفسه ابن الإنسان، وما تذكره الأناجيل لهذه التسمية (ابن الله) هو إما من تعبير الكاتب، أو يذكره نقلا عن لسان آخرين، بل كان كل الذي ذكره في بعض المواضع من هذه الأناجيل هو أنه يشير إلى الله سبحانه بكلمة أبي، والتي سوف نتعرض لها من خلال البحث.
نعم حسب إنجيل يوحنا فإنه يسمي نفسه (ابن الله) في ثلاثة مواضع، وكذلك يشير إلى نفسه بالابن وإلى الله بالأب في بعض كلامه، ويعتقد المسيحيون أن هذا اللقب ليس مجازيا في حق المسيح (عليه السلام) بل هو حقيقي.
وبعد تدوين العهد الجديد أعلنت ألوهيته بشكل علني ورسمي، فالإيمان المسيحي يعلن أن يسوع هو ابن الله، وهو الله ذاته (1).
ولكن بالرغم من هذا فهم يعتقدون أن الله الأب له امتيازات عن الابن السماوي له، (فإن كانت كرامة يسوع تجعله مساويا لله، فإن هذا لا يمنع الأب من الاحتفاظ بامتيازاته الأبوية، بشهادة المسيح (عليه السلام) نفسه، وشهادة كتبة العهد الجديد، فالأب مصدر كل الأشياء وغايتها، ولذا فالابن الذي لا يعمل إلا تبعا له سيخضع له في آخر الأزمنة، خضوعه لرأسه) (2).
والحديث عن ابن الله سيقودنا طبيعيا إلى البحث عن الثالوث الأقدس، ونقف هنا عند سر الأسرار (الثالوث الأقدس) ونبينه من
(1) المسيح في الفكر الاسلامي: 233.
(2) معجم اللاهوت المسيحي: 24.
(٩١)
وجهة نظر المسيحيين. ثم نناقش مسألة (ابن الله) والتثليث معا إن شاء الله.
(٩٢)
الثالوث الأقدس أن عقيدة الثالوث الأقدس تعتبر السر الأول في العقيدة المسيحية، فهي الأساس الذي بنيت عليه المسيحية، كما أن التوحيد هو الأساس في الإسلام، فنحن في كل عمل كنا نقوم به نبدأ (باسم الأب والابن والروح القدس) وهو أول شئ تعلمته منذ نعومة أظفاري، فعند الأكل نبتدأ به، وعند الدخول إلى الكنيسة وعند الصلاة، ولهذا لا أعتقد أن هناك عقيدة مترسخة في نفس كل مسيحي كعقيدة التثليث، ولكن بالرغم من هذا ففهمها مشكل جدا، بل مستحيل فنحن نعتقد أن التثليث ولأنه يرتبط بحقائق إلهية فائقة الوصف، فهو بعيد عن متناول عقل الإنسان، ولذا فهو يبقى سراغا مضا لا يفهم. فهو فوق الادراك البشري.
وقبل الدخول في البحث عن هذه العقيدة، لا يفوتني أن أذكر من أن المسيحيين لا يعتقدون بثلاثة آلهة كما يتصور البعض، بل هم
(٩٣)
يؤمنون بإله واحد له ثلاثة أقانيم وهي (الأب والابن والروح القدس).
في الواقع أن كلمة (التثليث أو الثالوث) لم ترد في الكتاب المقدس، ويظن أن أول من صاغها واستعملها هوترتوليان في القرن الثاني للميلاد، ثم ظهر سبيليوس في منتصف القرن الثالث وحاول أن يفسر العقيدة بالقول أن التثليث ليس أمرا حقيقيا في الله، لكنه مجرد إعلان خارجي، فهو حادث مؤقت وليس أبديا ثم ظهر أريوس الذي نادى بأن الأب وحده هو الأزلي بينما الابن والروح القدس مخلوقان متميزان عن سائر الخليقة، وأخيرا ظهر أثناسيوس الذي وضع أساس العقيدة (الثالوث الأقدس) (1) وبعد مناقشات وتشاجرات بين علماء المسيحية وكبار قادة الكنيسة الذين افترقوا بين مؤيد لأريوس، ومؤيد لأثناسيوس دفعت بالامبراطور قسطنطين إلى الدعوة لعقد أول مجمع مسكوني في عام 320 ميلادي في نيقية – وحضر هذا الاجتماع أكابر العلماء والأساقفة، وبعد شهر أو أكثر من النقاش والجدال، انتصرت عقيدة أثناسيوس وكسبت أكثر الآراء، وتم تشكيل عقيدة التثليث والتي نصت على ما يلي:
نحن نعبد إلها واحدا في الثالوث، والثالوث في التوحيد لأن هناك شخصا للأب وآخر للابن وأخر لروح القدس، أنهم ليسوا ثلاثة آلهة ولكن إله واحد. فكل الأشخاص الثلاثة هو أزليون معا
(1) قاموس الكتاب المقدس: 232.
(٩٤)