هنا ينبغي بنا أن نضع بين يدي القارئ المراد من المشيئة الإلهية كي يتضح لدينا المراد من قول الإمام الحسين عليه السلام:
«قد شاء الله أن يراهن سبايا».
وهل تكون المشيئة الإلهية معطلة للعقاب بكينونة أن الله تعالى قد شاء ذلك ومن ثم لا يعاقب الجاني؟ فهذا السؤال وغيره يمكن لنا الإجابة عنه من خلال الوقوف على معنى المشيئة الإلهية، وذلك من خلال اللغة والقرآن والسنة ولو من قبيل الإشارة كي لا نسهب في البيان.
أولاً: المشيئة لغة
لا يختلف معنى الإرادة عند أهل اللغة عن معنى المشيئة، فكلاهما يدل على معنى واحد([49])؛ فـ(المشيئة) مهموزة: الإرادة، وقد شئت الشيء أشاؤه([50])، وقيل: إن المشيئة أخص من الإرادة([51]).
وإنما فرق بين قول ما شاء الله وشئت، وما شاء الله ثم شئت، لأن الواو تفيد الجمع دون الترتيب، وثم تجمع وترتب، فمع الواو يكون قد جمع بين الله وبينه في المشيئة، ومع (ثم) يكون قد قدم مشيئة الله على مشيئته([52]).
[49] القاموس المحيط للفيروز آبادي: ج1، ص296.
[50] لسان العرب لابن منظور: ج1، ص104.
[51] مختار الصحاح لعبد القادر: ص186.
[52] النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: ج2، ص517. ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«ما شاء الله ثم شئت»([53]).
وقيل: إن الفرق بين الإرادة والمشيئة: إن الإرادة هي العزم على الفعل أو الترك بعد تصور الغاية المترتبة عليه من خير، أو نفع، أو لذة ونحو ذلك؛ وهي أخص من المشيئة، لأن المشيئة ابتداء العزم على الفعل فنسبتها إلى الإرادة نسبة الضعف إلى القوة، والظن إلى الجزم، فإنك ربما شئت شيئاً ولا تريده لمانع عقلي أو شرعي.
وأما الإرادة فمتى حصلت صدر الفعل لا محالة([54]).
ثانيا: المشيئة في القرآن
أما القرآن الكريم فقد اشتمل على آيات كثيرة حول المشيئة مما يجعل تتبعها وبيان معانيها ودلالاتها يعد في حد ذاته بحثاً مستقلاً؛ إلا أن خير ما يمكن أن يظهر معنى المشيئة في القرآن وبشكل موجز ما تناوله الشريف المرتضى في أحدى رسائله العقائدية، فكان كلامه بحق وافياً لمن أراد أن يحيط بمعنى المشيئة وعلاقتها بالإيمان، فقال رحمه الله تعالى وتحت عنوان: الإيمان وحقيقة المشيئة ما يأتي:
[53] النهاية في ترتيب الحديث لابن الأثير: ج2، ص517.
[54] الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري: ص35.
[55] سورة يونس، الآية: 99. قيل لهم: معنى ذلك لو شاء ربك لألجأهم إلى الإيمان، لكنه لو فعل ذلك، لزال التكليف، فلم يشأ ذلك بل شاء أن يطيعوا على وجه التطوع والإيثار لا على وجه الإجبار والاضطرار، وقد بين الله ذلك فقال:
(أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ).
يريد إني أنا أقدر على الإكراه منك ولكنه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)([56]).