أحمد اللّه تعالى أوّلا حمدا كثيرا دائما متواليا، و إن كان يتضاءل دون حقّ جلاله حمد الحامدين[1]، و أصلّي على رسوله و أوصياء رسوله ثانيا صلاة تستغرق مع سيّد المرسلين و عترته المعصومين سائر النبيّين، و أستخيره سبحانه ثالثا فيما انبعث له عزمي من تحرير كتاب في تهذيب إحياء علوم الدّين من تصانيف أبي حامد محمّد بن محمّد الغزالي الطوسيّ- قدّس اللّه سرّه- فإنّه و إن اشتهر في الأقطار اشتهار الشمس في رائعة النهار، و اشتمل من العلوم الدّينيّة المهمّة النافعة في الآخرة على ما يمكن التوصّل به إلى الفوز بالدّرجات الفاخرة،
مع حسن البيان و التحرير، و جودة الترتيب و التقرير إلّا أنّ أبا حامد لمّا كان حين تصنيفه عامّيّ المذهب و لم يتشيّع بعد، و إنّما رزقه اللّه هذه السعادة في أواخر عمره- كما أظهره في كتابه المسمّى بسرّ العالمين و شهد به ابن الجوزيّ الحنبليّ-[2]كان قد فاته بيان ركن عظيم من الإيمان، و هو معرفة الأئمّة المعصومين الّذين جاءت الوصيّة بالتمسّك بهم و بالقرآن من سيّد الإنس و الجانّ- صلوات اللّه عليه و عليهم-.
و كان كثير من مطالبه خصوصا ما في فنّ العبادات منها مبتنيا على أصول عامّيّة فاسدة، و مبتدعات لأهل الأهواء كاسدة.
و كان أكثر الأخبار المرويّة فيه مسندة عن المشهورين بالكذب و الافتراء على اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ممّن لا وثوق بأقوالهم مع وجود ما يطابق العقل منها و الدّين في
[1] تضاءل أي صغر و ضعف، و سقطت الكلمة من بعض النسخ.
[2] أي شهد بأن كتاب سر العالمين له، و الظاهر المراد سبط ابن الجوزي حيث صرح في التذكرة ص 36 بأن كتاب سر العالمين للغزالي. أحاديثنا المرويّة عن أهل العصمة و الطهارة و أهل بيت الوحي و السفارة- صلوات اللّه عليهم أجمعين- ببيان أحسن و طريق أتقن.
و كان فيه من الحكايات العجيبة و القصص الغريبة المرويّة عن الصوفيّة ما لا يتلقّاه أكثر العقلاء بالقبول لبعدها عن ظواهر العقول مع قلّة فائدتها و نزارة عائدتها[1]إلى غير ذلك من الأمور الّتي كان يشمئزّ عنها قلوب أهل الحقّ من الفرقة الناجية الإماميّة و ينبو [2]بسببها عن مطالعته و الانتفاع به طباع أكثرهم.
فرأيت أن أهذّبه تهذيبا يزيل عنه ما فيه من الوصمة و العيب، و أبني مطالبه كلّها على أصول أصيلة محكمة لا يتطرّق إليها شكّ و لا ريب، و أضيف إليها في بعض الأبواب ما ورد عن أهل البيت عليهم السّلام و شيعتهم في ذلك الباب من الأسرار و الحكم المختصّة بهم عليهم السّلام و أختصر بعض مباحثه بنظم فرائده و حذف زوائده لكي يزيد فيه رغبة متناوليه، و أفصّل أبوابه الطويلة بفصول قصيرة[3]لئلاّ يملّ متعاطيه من دون تصرّف في ترتيب أبوابه و فصوله بتأخير ما قدّم أو تقديم ما أخّر، و لا في تقرير ألفاظه و عباراته مهما تيسّر، لأنّها كانت في غاية الجودة و الإحكام،
و نهاية المتانة و الإبرام، و مثل هذا الكتاب ممّا لا بدّ منه للأنام، ينتفع بتذكّر الخواصّ و العوامّ، لا سيّما في هذه الأعصار و الأيّام الّتي عمّت فيها الجهالة، و فشت الضلالة، و صار الأمر كما قاله أبو حامد- رحمه اللّه- في زمانه: «إنّ الدّاء عمّ الجمّ الغفير، بل شمل الجماهير من القصور عن ملاحظة ذروة هذا الأمر و الجهل بأنّ الأمر إدّ[4]، و الخطب جدّ، و الآخرة مقبلة، و الدّنيا مدبرة، و الأجل قريب، و السفر بعيد، و الزّاد طفيف[5]، و الخطر عظيم، و الطريق سدّ، و ما سوى الخالص لوجه اللّه من العلم و العمل عند الناقد البصير ردّ، و سلوك طريق الآخرة مع كثرة الغوائل من غير دليل و لا رفيق صعب، متعب، مكدّ،
[1] أي قلة ثمرتها.
[2] في النهاية «نبا عنه بصره ينبو أي تجافى و لم ينظر إليه، و نبا به منزله إذا لم يوافقه، و نبا حد السيف إذا لم يقطع كأنه حقرهم و لم يرفع بهم رأسا».
[3] في بعض النسخ [بفصول فيه].
[4] الإد- بالكسر و الشد-: الأمر الفظيع.
[5] الطفيف: القليل. فأدلّة الطريق هم العلماء الّذين هم ورثة الأنبياء و قد شغر عنهم الزمان[1]و لم يبق إلّا المترسّمون، و قد استحوذ على أكثرهم الشيطان، و استغواهم الطغيان، فأصبح كلّ واحد منهم بعاجل حظّه مشغوفا، فصار يرى المعروف منكرا و المنكر معروفا، حتّى ظلّ علم الدّين مندرسا، و منار الهدى في أقطار الأرض منطمسا، و لقد خيّلوا إلى الخلق أن لا علم إلّا [علم] فتوى حكومة تستعين بها القضاة على فصل الخصام عند تهارش الطغام [2]أو جدل يتذرّع به طالب المباهاة إلى الغلبة و الإفحام[3]، أو سجع مزخرف يتوسّل به الواعظ إلى استدراج العوامّ، إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للعوامّ و مجلبة للحرام، و شبكة للحطام.
فأمّا علم طريق الآخرة و ما درج عليه السلف الصالح ممّا سمّاه اللّه سبحانه في كتابه فقها، و حكمة، و علما، و ضياء، و نورا، و هداية، و رشدا فقد أصبح من بين الخلق مطويّا، و صار نسيا منسيّا».
قال[4]: «و لمّا كان هذا ثلما في الدّين ملمّا، و خطبا مدلهمّا[5]رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهمّا، إحياء لعلوم الدّين، و كشفا عن مناهج الأئمّة المتقدّمين، و إيضاحا لما هي [6]العلوم النافعة عند النبيّين، و السلف الصالحين».
(1) أقول: و لهذا السبب بعينه مع ما ذكرت من الأمور اشتغلت بتهذيب كتابه و إحياء إحيائه، إحياء لعلوم الدّين بحياة أخرى، و كشفا عن مناهج أئمّة الدّين بهداية أرفع و أعلى، و سمّيته بالمحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء و إن شئت قلت: في إحياء الإحياء و تقرّبت بذلك إلى اللّه سبحانه، نفع اللّه به السالكين و جعله لي ذخرا ليوم الدّين
[1] شغر البلد أي خلا من الناس (الصحاح).
[2] التهارش: التواثب، في القاموس «تهارشت الكلاب بعضها بعضا تواثبت».
و الطغام: أوغاد الناس و سفلتهم.
[3] «يتذرع» من الذريعة و في بعض النسخ بالدال و تدرع و أدرع: لبس الدرع.
و أفحمه: أسكته بالحجة في خصومة.
[4] يعني قال صاحب الإحياء.
[5] أي مظلما.
[6] كذا و في أكثر نسخ الإحياء و شرح الزبيدي أيضا [لمناهى].