کتاب المحجة البيضاء 2
9 أيام مضت
طرائف الحكم
39 زيارة
[مقدمة الكتاب]
قال أبو حامد- رحمه اللّه-: «و قد أسّسته على أربعة أرباع: ربع العبادات، و ربع العادات، و ربع المهلكات، و ربع المنجيات، و صدّرت الجملة بكتاب العلم لأنّه نهاية المهمّ[1] لأكشف أوّلا عن العلم الّذي تعبّد اللّه عزّ و جلّ الأعيان بطلبه على لسان
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ قال: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم و مسلمة [1]»
و أميّز فيه العلم النافع عن الضارّ إذ
قال: «نعوذ باللّه من علم لا ينفع[2]»
و أحقّق ميل أهل العصر عن شاكلة الصواب و انخداعهم بلامع السراب، و اقتناعهم من العلوم بالقشر من اللّباب.
فأما ربع العبادات فيشتمل على عشرة كتب:
كتاب العلم، كتاب قواعد العقائد، كتاب أسرار الطهارة، كتاب أسرار الصلاة، كتاب أسرار الزكاة، كتاب أسرار الصيام، كتاب أسرار الحجّ، كتاب آداب تلاوة القرآن، كتاب الأذكار و الدّعوات، كتاب ترتيب الأوراد في الأوقات.
و أما ربع العادات فيشتمل على عشرة كتب:
كتاب آداب الأكل، كتاب آداب النكاح، كتاب أحكام الكسب، كتاب الحلال و الحرام، كتاب آداب الصحبة و المعاشرة مع أصناف الخلق، كتاب العزلة، كتاب آداب السفر، كتاب آداب السماع و الوجد، كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، كتاب آداب المعيشة و أخلاق النبوّة».
(1) أقول: و أنا أضع بدل كتاب آداب السماع و الوجد فيما بعد كتاب آداب المعيشة و أخلاق النبوّة كتاب آداب الشيعة و أخلاق الإمامة لأنّ السماع و الوجد ليسا من مذهب أهل البيت عليهم السّلام.
[1] في الإحياء [غاية المهم].
[2] أخرجه ابن ماجة تحت رقم 250، و النسائي في سننه أيضا
و فيه «أعوذ بك من علم لا ينفع»
في حديث طويل ج 8 ص 264. و هكذا في مستدرك الحاكم: ج 1 ص 104 و في مصباح الشريعة باب 60 كما في المتن.
[1] الكافي ج 1 ص 30 بدون «و مسلمة» و معها في مصباح الشريعة باب 60 و أيضا في البحار ج 1 ص 177 من غوالي اللئالي، و هكذا أيضا في مقدمة المعالم و ليست في نسخ الإحياء.
قال: «و أما ربع المهلكات فيشتمل على عشرة كتب:
كتاب شرح عجائب القلب، كتاب رياضة النفس، كتاب كسر الشهوتين:[1]شهوة البطن و شهوة الفرج، كتاب آفات اللّسان، كتاب ذمّ الغضب[2]و الحقد و الحسد، كتاب ذمّ الدّنيا، كتاب ذمّ المال و البخل، كتاب ذمّ الجاه و الرّياء، كتاب ذمّ الكبر و العجب، كتاب ذمّ الغرور.
و أما ربع المنجيات فيشتمل على عشرة كتب:
كتاب التوبة، كتاب الصبر و الشكر، كتاب الخوف و الرجاء، كتاب الفقر و الزهد، كتاب التوحيد و التوكّل، كتاب المحبّة و الأنس و الشوق و الرضا، كتاب النيّة و الصدق و الإخلاص، كتاب المراقبة و المحاسبة، كتاب التفكّر، كتاب ذكر الموت و ما بعده.
فأما ربع العبادات فأذكر فيه من خفايا آدابها و دقائق سننها و أسرار معانيها ما يضطرّ العالم العامل إليه، بل لا يكون من علماء الآخرة من لم يطّلع عليه و أكثر ذلك ممّا أهمل في فنّ الفقهيّات.
و أما ربع العادات فأذكر فيه أسرار المعاملات الجارية بين الخلق و أغوارها، و دقائق سننها، و خفايا الورع في مجاريها، و هي ممّا لا يستغني متديّن عنها.
و أما ربع المهلكات فأذكر فيه كلّ خلق مذموم ورد القرآن بإماطته[3]، و تزكية النفس عنه و تطهير القلب منه، و أذكر في كلّ واحد من تلك الأخلاق حدّه و حقيقته ثمّ أذكر سببه الّذي منه يتولّد، ثمّ الآفات الّتي عليها يترتّب، ثمّ العلامات الّتي بها تتعرّف، ثمّ طرق المعالجة الّتي بها منها يتخلّص، كلّ ذلك مقرونا بشواهد الآيات و الأخبار و الآثار.
و أما ربع المنجيات فأذكر فيه كلّ خلق محمود و خصلة مرغوب فيها من خصال المقرّبين و الصدّيقين الّتي بها يتقرّب العبد من ربّ العالمين، و أذكر في كلّ خصلة
[1] في الإحياء [كتاب آفات الشهوتين].
[2] في الإحياء [كتاب آفات الغضب].
[3] أماطه: أبعده و أذهبه.
حدّها و حقيقتها و سببها الّتي بها تجتلب[1]، و ثمرتها الّتي منها تستفاد، و علامتها الّتي بها تتعرّف، و فضيلتها الّتي لأجلها فيها يرغب، مع ما ورد فيها من شواهد الشرع و العقل و لقد صنّف في مثل هذه المعاني كتب كثيرة[2]و لكن يتميّز هذا الكتاب عنها بخمسة أمور:
الأوّل حلّ ما عقدوه، و كشف ما ستروه، و تفصيل ما أجملوه، الثاني ترتيب ما بدّدوه، و نظم ما فرّقوه، الثالث إيجاز ما طوّلوه و ضبط ما قرّروه، الرابع حذف ما كرّروه[3]، الخامس تحقيق أمور غامضة اعتاصت على الأفهام[4]و لم يتعرّض لها في كتاب أصلا إذ الكلّ و إن تواردوا على منهج واحد فلا مستنكر أن يتفرّد كلّ واحد من السالكين بالتنبّه لأمر خفيّ بزيادة تخصّه[5]و يغفل عنه رفقاؤه، أو لا يغفل أحدهم عن التنبّه له و لكن يسهو عن إيراده في الكتاب، أو لا يسهو و لكن يصرفه عن كشف الغطاء عنه صارف، فهذه خواصّ هذا الكتاب مع كونه حاويا لمجامع هذه العلوم.
و إنّما حملني على تأسيس الكتاب على أربعة أرباع أمران: أحدهما- و هو الباعث الأصليّ- أنّ هذا الترتيب في التحقيق و التفهيم كالضروريّ[6]لأنّ العلم الّذي يتوجّه به إلى الآخرة ينقسم إلى علم المعاملة و إلى علم المكاشفة، و أعني بعلم المكاشفة ما يطلب منه كشف المعلوم فقطّ، و أعني بعلم المعاملة ما يطلب منه مع الكشف العمل به، و المقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقطّ دون علم المكاشفة الّتي لا رخصة في إيداعها الكتب و إن كانت هي غاية مقصد الطالبين و مطمح نظر الصدّيقين[7]، و علم المعاملة طريق إليه و لكن
[1] في الإحياء [الذي به تجتلب].
[2] في الإحياء [و لقد صنف الناس في بعض هذه المعاني كتبا كثيرة].
[3] زاد في الإحياء [و إثبات ما حرروه].
[4] اعتاص اعتياصا الأمر عليه اشتد و امتنع و التاث عليه، فلم يهتد إلى الصواب.
[5] في الإحياء [بأمر يخصه].
[6] في الإحياء [كالضرورة].
[7] طمح بصره إلى شيء أي ارتفع،
و في الدعاء «طموح الآمال قد خابت إلّا لديك»
أي الآمال المرتفعة خابت إلّا لديك.
لم يتكلّم الأنبياء- صلوات اللّه عليهم- مع الخلق إلّا في علم الطريق و الإرشاد إليه، و أمّا علم المكاشفة فلم يتكلّموا فيه إلّا بالرمز و الإيماء على سبيل التمثيل و الإجمال، علما منهم بقصور أفهام الخلق عن الاحتمال
«و العلماء ورثة الأنبياء [1]»
فما لهم سبيل إلى العدول عن نهج التأسّي و الاقتداء، ثمّ إنّ علم المعاملة ينقسم إلى علم ظاهر- أعني العلم بأعمال الجوارح- و إلى علم باطن- أعني العلم بأعمال القلوب- و الجاري على الجوارح إمّا عبادة أو عادة، و الوارد على القلوب الّتي هي بحكم الاحتجاب عن الحواسّ من عالم الملكوت إمّا محمود و إمّا مذموم[1]فكان المجموع أربعة أقسام و لا يشذّ نظر في علم المعاملة عن هذه الأقسام.
الباعث الثاني أنّي رأيت الرغبة من طلبة العلم صادقة في الفقه الّذي صلح عند من لا يخاف اللّه سبحانه للتذرّع[2]به إلى المباهاة، و الاستظهار بجاهه و منزلته في المنافسات و هو مرتّب على أربعة أرباع- و المتزيّي بزيّ المحبوب محبوب- فلم أبعد أن يكون تصوير هذا الكتاب بصورة الفقه تلطّفا في استدراج القلوب و لهذا تلطّف بعض من رام استمالة قلوب بعض الرؤساء إلى الطبّ فوضعه على هيئة تقويم النجوم موضوعا في الجداول و الرّقوم و سمّاه تقويم الصحّة ليكون أنسهم بذلك الجنس جاذبا لهم إلى المطالعة، و التلطّف في اجتذاب القلوب إلى العلم الّذي يفيد حياة الأبد أهمّ من التلطّف في اجتذابها إلى الطبّ الّذي لا يفيد إلّا صحّة الجسد، فثمرة هذا العلم طبّ القلوب و الأرواح المتوصّل به إلى حياة تدوم أبد الآباد، فأين منها الطبّ الّذي يعالج به الأجساد و هي معرضة بالضرورة إلى الفساد[3]في أقرب الآماد[4]. فنسأل اللّه سبحانه التوفيق و الإرشاد و السداد إنّه الكريم الجواد».
[1] في الإحياء هاهنا زيادة [فبالواجب انقسم هذا العلم إلى شطرين ظاهر و باطن، و الشطر الظاهر المتعلق بالجوارح انقسم إلى عادة و عبادة و الشطر الباطن المتعلق بأحوال القلب و أخلاق النفس انقسم إلى مذموم و محمود].
[2] أي التوسل: تفعل من الذريعة. و في الإحياء [المتدرع به إلى المباهاة].
[3] في الإحياء [بالضرورة للفساد].
[4] جمع أمد أي الوقت.
[1] الكافي ج 1 ص 32 و أخرجه أبو داود في سنة ج 2 ص 285، و ابن ماجة في سننه تحت رقم 223 و هو جزء من حديث أبي الدرداء.
2025-12-23