کتاب المحجة البيضاء 2

[مقدمة الكتاب‌]

قال أبو حامد- رحمه اللّه-: «و قد أسّسته على أربعة أرباع: ربع العبادات، و ربع العادات، و ربع المهلكات، و ربع المنجيات، و صدّرت الجملة بكتاب العلم لأنّه نهاية المهمّ[1] لأكشف أوّلا عن العلم الّذي تعبّد اللّه عزّ و جلّ الأعيان بطلبه على لسان‌

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ قال: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم و مسلمة [1]»

و أميّز فيه العلم النافع عن الضارّ إذ

قال: «نعوذ باللّه من علم لا ينفع[2]»

و أحقّق ميل أهل العصر عن شاكلة الصواب و انخداعهم بلامع السراب، و اقتناعهم من العلوم بالقشر من اللّباب.

فأما ربع العبادات فيشتمل على عشرة كتب:

كتاب العلم، كتاب قواعد العقائد، كتاب أسرار الطهارة، كتاب أسرار الصلاة، كتاب أسرار الزكاة، كتاب أسرار الصيام، كتاب أسرار الحجّ، كتاب آداب تلاوة القرآن، كتاب الأذكار و الدّعوات، كتاب ترتيب الأوراد في الأوقات.

و أما ربع العادات فيشتمل على عشرة كتب:

كتاب آداب الأكل، كتاب آداب النكاح، كتاب أحكام الكسب، كتاب الحلال و الحرام، كتاب آداب الصحبة و المعاشرة مع أصناف الخلق، كتاب العزلة، كتاب آداب السفر، كتاب آداب السماع و الوجد، كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، كتاب آداب المعيشة و أخلاق النبوّة».

(1) أقول: و أنا أضع بدل كتاب آداب السماع و الوجد فيما بعد كتاب آداب المعيشة و أخلاق النبوّة كتاب آداب الشيعة و أخلاق الإمامة لأنّ السماع و الوجد ليسا من مذهب أهل البيت عليهم السّلام.

[1] في الإحياء [غاية المهم‌].

[2] أخرجه ابن ماجة تحت رقم 250، و النسائي في سننه أيضا

و فيه‌ «أعوذ بك من علم لا ينفع»

في حديث طويل ج 8 ص 264. و هكذا في مستدرك الحاكم: ج 1 ص 104 و في مصباح الشريعة باب 60 كما في المتن.

[1] الكافي ج 1 ص 30 بدون «و مسلمة» و معها في مصباح الشريعة باب 60 و أيضا في البحار ج 1 ص 177 من غوالي اللئالي، و هكذا أيضا في مقدمة المعالم و ليست في نسخ الإحياء.
قال: «و أما ربع المهلكات فيشتمل على عشرة كتب:

كتاب شرح عجائب القلب، كتاب رياضة النفس، كتاب كسر الشهوتين:[1]شهوة البطن و شهوة الفرج، كتاب آفات اللّسان، كتاب ذمّ الغضب[2]و الحقد و الحسد، كتاب ذمّ الدّنيا، كتاب ذمّ المال و البخل، كتاب ذمّ الجاه و الرّياء، كتاب ذمّ الكبر و العجب، كتاب ذمّ الغرور.

و أما ربع المنجيات فيشتمل على عشرة كتب:

كتاب التوبة، كتاب الصبر و الشكر، كتاب الخوف و الرجاء، كتاب الفقر و الزهد، كتاب التوحيد و التوكّل، كتاب المحبّة و الأنس و الشوق و الرضا، كتاب النيّة و الصدق و الإخلاص، كتاب المراقبة و المحاسبة، كتاب التفكّر، كتاب ذكر الموت و ما بعده.

فأما ربع العبادات فأذكر فيه من خفايا آدابها و دقائق سننها و أسرار معانيها ما يضطرّ العالم العامل إليه، بل لا يكون من علماء الآخرة من لم يطّلع عليه و أكثر ذلك ممّا أهمل في فنّ الفقهيّات.

و أما ربع العادات فأذكر فيه أسرار المعاملات الجارية بين الخلق و أغوارها، و دقائق سننها، و خفايا الورع في مجاريها، و هي ممّا لا يستغني متديّن عنها.

و أما ربع المهلكات فأذكر فيه كلّ خلق مذموم ورد القرآن بإماطته[3]، و تزكية النفس عنه و تطهير القلب منه، و أذكر في كلّ واحد من تلك الأخلاق حدّه و حقيقته ثمّ أذكر سببه الّذي منه يتولّد، ثمّ الآفات الّتي عليها يترتّب، ثمّ العلامات الّتي بها تتعرّف، ثمّ طرق المعالجة الّتي بها منها يتخلّص، كلّ ذلك مقرونا بشواهد الآيات و الأخبار و الآثار.

و أما ربع المنجيات فأذكر فيه كلّ خلق محمود و خصلة مرغوب فيها من خصال المقرّبين و الصدّيقين الّتي بها يتقرّب العبد من ربّ العالمين، و أذكر في كلّ خصلة

[1] في الإحياء [كتاب آفات الشهوتين‌].

[2] في الإحياء [كتاب آفات الغضب‌].

[3] أماطه: أبعده و أذهبه.
حدّها و حقيقتها و سببها الّتي بها تجتلب[1]، و ثمرتها الّتي منها تستفاد، و علامتها الّتي بها تتعرّف، و فضيلتها الّتي لأجلها فيها يرغب، مع ما ورد فيها من شواهد الشرع و العقل و لقد صنّف في مثل هذه المعاني كتب كثيرة[2]و لكن يتميّز هذا الكتاب عنها بخمسة أمور:

الأوّل حلّ ما عقدوه، و كشف ما ستروه، و تفصيل ما أجملوه، الثاني ترتيب ما بدّدوه، و نظم ما فرّقوه، الثالث إيجاز ما طوّلوه و ضبط ما قرّروه، الرابع حذف ما كرّروه[3]، الخامس تحقيق أمور غامضة اعتاصت على الأفهام[4]و لم يتعرّض لها في كتاب أصلا إذ الكلّ و إن تواردوا على منهج واحد فلا مستنكر أن يتفرّد كلّ واحد من السالكين بالتنبّه لأمر خفيّ بزيادة تخصّه[5]و يغفل عنه رفقاؤه، أو لا يغفل أحدهم عن التنبّه له و لكن يسهو عن إيراده في الكتاب، أو لا يسهو و لكن يصرفه عن كشف الغطاء عنه صارف، فهذه خواصّ هذا الكتاب مع كونه حاويا لمجامع هذه العلوم.

و إنّما حملني على تأسيس الكتاب على أربعة أرباع أمران: أحدهما- و هو الباعث الأصليّ- أنّ هذا الترتيب في التحقيق و التفهيم كالضروريّ[6]لأنّ العلم الّذي يتوجّه به إلى الآخرة ينقسم إلى علم المعاملة و إلى علم المكاشفة، و أعني بعلم المكاشفة ما يطلب منه كشف المعلوم فقطّ، و أعني بعلم المعاملة ما يطلب منه مع الكشف العمل به، و المقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقطّ دون علم المكاشفة الّتي لا رخصة في إيداعها الكتب و إن كانت هي غاية مقصد الطالبين و مطمح نظر الصدّيقين[7]، و علم المعاملة طريق إليه و لكن‌

[1] في الإحياء [الذي به تجتلب‌].

[2] في الإحياء [و لقد صنف الناس في بعض هذه المعاني كتبا كثيرة].

[3] زاد في الإحياء [و إثبات ما حرروه‌].

[4] اعتاص اعتياصا الأمر عليه اشتد و امتنع و التاث عليه، فلم يهتد إلى الصواب.

[5] في الإحياء [بأمر يخصه‌].

[6] في الإحياء [كالضرورة].

[7] طمح بصره إلى شي‌ء أي ارتفع،

و في الدعاء «طموح الآمال قد خابت إلّا لديك»

أي الآمال المرتفعة خابت إلّا لديك.
لم يتكلّم الأنبياء- صلوات اللّه عليهم- مع الخلق إلّا في علم الطريق و الإرشاد إليه، و أمّا علم المكاشفة فلم يتكلّموا فيه إلّا بالرمز و الإيماء على سبيل التمثيل و الإجمال، علما منهم بقصور أفهام الخلق عن الاحتمال‌

«و العلماء ورثة الأنبياء [1]»

فما لهم سبيل إلى العدول عن نهج التأسّي و الاقتداء، ثمّ إنّ علم المعاملة ينقسم إلى علم ظاهر- أعني العلم بأعمال الجوارح- و إلى علم باطن- أعني العلم بأعمال القلوب- و الجاري على الجوارح إمّا عبادة أو عادة، و الوارد على القلوب الّتي هي بحكم الاحتجاب عن الحواسّ من عالم الملكوت إمّا محمود و إمّا مذموم[1]فكان المجموع أربعة أقسام و لا يشذّ نظر في علم المعاملة عن هذه الأقسام.

الباعث الثاني أنّي رأيت الرغبة من طلبة العلم صادقة في الفقه الّذي صلح عند من لا يخاف اللّه سبحانه للتذرّع[2]به إلى المباهاة، و الاستظهار بجاهه و منزلته في المنافسات و هو مرتّب على أربعة أرباع- و المتزيّي بزيّ المحبوب محبوب- فلم أبعد أن يكون تصوير هذا الكتاب بصورة الفقه تلطّفا في استدراج القلوب و لهذا تلطّف بعض من رام استمالة قلوب بعض الرؤساء إلى الطبّ فوضعه على هيئة تقويم النجوم موضوعا في الجداول و الرّقوم و سمّاه تقويم الصحّة ليكون أنسهم بذلك الجنس جاذبا لهم إلى المطالعة، و التلطّف في اجتذاب القلوب إلى العلم الّذي يفيد حياة الأبد أهمّ من التلطّف في اجتذابها إلى الطبّ الّذي لا يفيد إلّا صحّة الجسد، فثمرة هذا العلم طبّ القلوب و الأرواح المتوصّل به إلى حياة تدوم أبد الآباد، فأين منها الطبّ الّذي يعالج به الأجساد و هي معرضة بالضرورة إلى الفساد[3]في أقرب الآماد[4]. فنسأل اللّه سبحانه التوفيق و الإرشاد و السداد إنّه الكريم الجواد».

[1] في الإحياء هاهنا زيادة [فبالواجب انقسم هذا العلم إلى شطرين ظاهر و باطن، و الشطر الظاهر المتعلق بالجوارح انقسم إلى عادة و عبادة و الشطر الباطن المتعلق بأحوال القلب و أخلاق النفس انقسم إلى مذموم و محمود].

[2] أي التوسل: تفعل من الذريعة. و في الإحياء [المتدرع به إلى المباهاة].

[3] في الإحياء [بالضرورة للفساد].

[4] جمع أمد أي الوقت.

[1] الكافي ج 1 ص 32 و أخرجه أبو داود في سنة ج 2 ص 285، و ابن ماجة في سننه تحت رقم 223 و هو جزء من حديث أبي الدرداء.

شاهد أيضاً

علماء روس يطورون برنامجا لتحديد بؤر الصرع في الدماغ خلال دقائق

طور علماء في جامعة لوباتشيفسكي الروسية ومؤسسات شريكة، برنامجا يمكنه تحديد موقع “البؤرة الصرعية” (المنشأ …