کتاب المحجة البيضاء 3

[ربع العبادات‌]

(كتاب العلم)

(1) و هو الكتاب الأوّل من ربع العبادات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء.

(و فيه سبعة أبواب) الباب الأوّل- في فضل العلم و التعليم و التعلّم.

الباب الثاني- في بيان فرض العين، و فرض الكفاية من العلوم، و بيان حدّ الفقه، و الكلام من علم الدّين، و بيان علم الآخرة، و علم الدّنيا.

الباب الثالث- فيما يعدّه العامّة من علوم الدّين و ليس منها، و فيه بيان جنس العلم المذموم و قدره.

الباب الرابع- في سبب إقبال الخلق على المناظرة، و شروطها، و آدابها، و آفاتها.

الباب الخامس- في آداب المعلّم و المتعلّم.

الباب السادس- في آفات العلم و العلماء، و العلامات الفارقة بين علماء الدّنيا و الآخرة.

الباب السابع- في العقل و فضيلته و أقسامه و ما جاء فيه من الأخبار.

 

الباب الأوّل في فضل العلم و التعليم و التعلّم‌

 

و شواهده من النقل و العقل‌

(فصل) «أمّا شواهده من القرآن‌

فقوله عزّ و جلّ: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ [1]» فانظر كيف بدأ بنفسه تعالى، و ثنّى بملائكته، و ثلّث بأهل العلم، و ناهيك بهذا شرفا و فضلا و جلالا و نبلا.

قال اللّه عزّ و جلّ: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ‌ [2]».

[1] آل عمران: 18.

[2] المجادلة: 11.
قال ابن عبّاس: «للعلماء درجات فوق درجات المؤمنين بسبعمائة درجة ما بين الدّرجتين مسيرة خمسمائة عام».

و قال عزّ و جلّ: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‌ [1]» و قال عزّ و جلّ: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [2]».

و قال عزّ و جلّ: «قُلْ كَفى‌ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‌ [3]».

و قال عزّ و جلّ: «قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ‌ [4]» تنبيها على أنّه اقتدر عليه بقوّة العلم.

و قال تعالى: «وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ [5]» بيّن أنّ عظم قدر الآخرة يعلم بالعلم.

و قال عزّ و جلّ: «وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‌ [6]».

و قال تعالى: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى‌ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ‌ [7]» ردّ حكمه في الوقائع إلى استنباطهم و ألحق رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم اللّه،

و قيل في قوله عزّ و جلّ: «يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ‌ [8]» يعني العلم‌ وَ «رِيشاً» يعني اليقين‌ وَ «لِباسُ التَّقْوى‌» يعني الحياء.

و قال عزّ و جلّ: «وَ لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى‌ عِلْمٍ‌ [9]».

و قال عزّ و جلّ: «فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ‌ [10]».

و قال تعالى: «بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‌ [11]».

و قال تعالى: «خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ‌ [12]» و إنّما ذكر ذلك في معرض الامتنان.

[1] الزمر: 9.

[2] الفاطر: 28.

[3] الرعد: 43.

[4] النمل: 40.

[5] القصص: 80.

[6] العنكبوت: 43.

[7] النساء: 83.

[8] الأعراف: 26.

[9] الأعراف: 52.

[10] الأعراف: 7.

[11] العنكبوت: 49.

[12] الرحمن: 3.

و قال عزّ و جلّ: في فضيلة التعلّم: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‌ [1]».

و قال: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‌ [2]».

و في فضيلة التعليم: «وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ‌ [3]» و المراد هو التعليم و الإرشاد.

و قال عزّ و جلّ: «وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ‌ [4]» و هو إيجاب للتعليم.

و قال عزّ و جلّ: «وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‌ [5]» و هو تحريم للكتمان كما قال تعالى في الشهادة: «وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ‌ [6]».

و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‌ «ما آتى اللّه سبحانه عالما علما إلّا أخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيّين أن يبيّنه للناس و لا يكتمه‌ [7]».

و قال عزّ و جلّ: «وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَ عَمِلَ صالِحاً [8]».

و قال تعالى: «ادْعُ إِلى‌ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [9]».

و قال تعالى: «وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ [10]».

(1) أقول: هذا ما ذكره أبو حامد من الآيات.

(فصل) [قول بعض العلماء في ذلك‌]

و قال بعض علمائنا- رحمهم اللّه-[1]: اعلم أن اللّه سبحانه جعل العلم هو

[1] يعنى به الشهيد- رحمه اللّه- في كتابه منية المريد ص 3 من طبعه الملحق بروض الجنان.

[1] التوبة: 122.

[2] النحل: 43.

[3] التوبة: 122.

[4] آل عمران: 187.

[5] البقرة: 146.

[6] البقرة: 283.

[7] أخرجه أبو نعيم في فضل العالم العفيف من حديث ابن مسعود

[8] فصلت: 33.

[9] النحل: 125.

[10] الجمعة: 2.

السبب الكلّيّ لخلق هذا العالم العلويّ و السفليّ طرّا. و كفى بذلك جلالة و فخرا، قال اللّه تعالى في محكم الكتاب تذكرة و تبصرة لأولي الألباب: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عِلْماً [1]»

و كفى بهذه الآية دليلا على شرف العلم لا سيّما علم التوحيد الّذي هو أساس كلّ علم و مدار كلّ معرفة، و جعل اللّه سبحانه العلم أعلى و أشرف، و أوّل منّة امتنّ بها على ابن آدم بعد خلقه و إبرازه من ظلم العدم إلى ضياء الوجود فقال سبحانه في أوّل سورة أنزلها على نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‌ [2]:

فتأمّل كيف افتتح كتابه الكريم المجيد- الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد- بنعمة الإيجاد، ثمّ أردفها بنعمة العلم، فلو كان ثمّة منّة أو توجد نعمة بعد نعمة الإيجاد هي أعلى من العلم لما خصّه اللّه تعالى بذلك و صدّر به نور الهداية و طريق الدّلالة على الصراط المستقيم الآخذ بحجزة البراعة و دقائق المعاني و حقائق البلاغة،

و قد قيل في وجه التناسب بين الآي المذكورة في صدر هذه السورة الّتي قد اشتمل بعضها على خلق الإنسان من علق و في بعضها تعليمه ما لم يعلم ليحصل النظم البديع في ترتيب آياته: إنّه تعالى ذكر أوّل حال الإنسان و هو كونه علقة مع أنّها أخس الأشياء و آخر حاله و هو صيرورته عالما و هو أجلّ المراتب، كأنّه تعالى قال: كنت في أوّل حالك في تلك الدّرجة الّتي هي غاية الخساسة فصرت في آخر حالك في هذه الدّرجة الّتي هي الغاية في الشرف و النفاسة و هذا إنّما يتمّ لو كان العلم أشرف المراتب إذ لو كان غيره أشرف لكان ذكر ذلك الشي‌ء في هذا المقام أولى.

و وجه آخر أنّه تعالى قال: «وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» و قد تقرّر في أصول الفقه «أنّ ترتّب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علّة» و هذا يدلّ على أنّ اللّه سبحانه اختصّ بوصف الأكرميّة لأنّه علّم الإنسان‌

[1] الطلاق: 12.

[2] العلق: 1- إلى- 5.

شاهد أيضاً

الشعب الإيراني كل ليلة يخرج للشوارع لدعم الدولة بإعداد كبيرة هل يوجد في العالم مثل هذه الملحمة

Haydari Nazar 50 المشهد الإيراني الحالي لافت جدًا من الناحية التاريخية، خصوصًا إذا كان المقصود …