تزكية النفس بشكل مختصر 2
42 دقيقة مضت
زاد الاخرة
2 زيارة
المِقياس الثاني ـ القانون:
وهو قد يكون نابعاً من أعلى، كما لو كان من قبل شريعة سماويّة، أو من قبل سلطان مستبدٍّ برأيه، أو حزب متسيطر على رقاب الناس أو ما شابه ذلك. وقد يكون نابعاً من الناس أنفسهم، كما لو انتُخِب القانون بالتصويت ولو عن طريق
البرلمان الذي اُنتُخِب أعضاؤه من قبل الناس.
أمّا ما كان من قِبل شريعة سماويّة فلكي يختلف عن مِقياس الدين ـ الذي سيأتي ذكره فيما بعد إنْ شاء الله ـ بالإمكان تفسيره: بأنَّ القانون هو الدستور الذي يكون بيد القوّة المجرية، في حين أنَّ الدين ليس سوى الدستور الذي يُتديَّن به ولو لم يكن بيد قوّة مجرية، فكان الناس يعصونه جهاراً.
وأمَّا ما كان نابعاً من الناس فلكي يختلف عن المِقياس الأوَّل ـ وهو العرف أو العقلاء ـ بالإمكان تقييده بنوع من التحدُّد والصرامة غير الموجودين في مجرّد بناء العرف والعقلاء، أو تفسيره ـ أيضاً ـ بالدستور الذي يكون بيد القوّة المجريّة، في حين أنَّ بناء العرف والعقلاء ربَّما لا يكون على شكل دستور يجرى بيد القوّة المجرية رغماً لمن يحاول التمرُّد والخلاف.
وأمّا قيمة هذا المِقياس فالقانون النابع من سلطان مستبدٍّ برأيه، أو فئة متسيطرة بالقهر والغلبة على الناس، لا قيمة له، ولا ينبغي لعاقل أن يتصوَّر كونه مِقياساً للفضيلة والرذيلة.
وأمَّا القانون النابع من الدين فقيمته قيمة ذلك الدين، ولا ينبغي ـ أيضاً ـ لعاقل أَن يتصوّر قيمة أخلاقيّة لقانون تجريه القوّة المجرية على أساس دين باطل غير ذي قيمة حقيقيّة.
إذن، فلا معنى لفرض القانون النابع من الدين مِقياساً للفضيلة والرذيلة وراء الدين الذي هو مِقياس آخر يأتي بحثه إِن شاء الله.
وأمّا القانون النابع من الناس فهو وإِن اختلف موضوعاً عن العرف وبناء العقلاء بما مضى من تفسيره بما يتَّسم بنوع من التحدُّد والصرامة غير الموجودين في مجرّد بناء العرف والعقلاء، أو بالدستور الذي يكون بيد القوّة المجرية، إلاَّ أنَّه بلحاظ التقييم يرجع إلى نفس روح المِقياس السابق أعني: مِقياس العرف أو
العقلاء، وتأتي هنا نفس الوجوه الأربعة: فإمَّا أَن يُدَّعى أنَّ مقنِّن القانون ـ وهم الأكثريّة المشتركون في تقنينه ـ له حقُّ الولاية على مَنْ أراد مخالفة القانون، أو يُدَّعى أنَّ الحسن والقبح أمران جعليان واعتباريان يُجعلان عن طريق جعل القانون، أو يُدَّعى أَنَّ مَنْ ساهم في جعل هذا القانون ولو بمعنى مساهمته لإمضاء جعل حقِّ تشريع القانون بيد الأكثرية، لا ينبغي له أن يخالف وعده وشرطه، بل يجب عليه الوفاء بذلك، أو يُدَّعى أنَّ القانون حافظ للمصالح ودافع للمفاسد. ومناقشة هذه الوجوه ـ أيضاً ـ هي عين المناقشات الماضية في المِقياس السابق.
نعم، يمتاز هذا المِقياس عن المقياس السابق بأنَّ انطباق عنوان الوفاء بالشرط والالتزام هنا قد يكون أوضح وأوسع من انطباقه على المِقياس الأوَّل، أعني: العرف وبناء العقلاء; وذلك على أساس الفكرة المعروفة في بناء أساس الدولة عن جان جاك روسو.
وهناك رأيٌ يقول: بأنَّ مَنْ رأَى عدم صحّة قانون ومخالفته للمصلحة فما دام القانون قائماً يجب على هذا الشخص كسائر الناس اتِّباعه، إلاَّ أنَّه يجدُّ ويجتهد في تغيير القانون بمثل: تقديم اقتراح على مجلس النوَّاب يوضِّح فيه ضرر هذا القانون، وكالكتابة في الجرائد وما إلى ذلك، وفي أثناء جهاده في تغيير القانون يجب أن يحترمه ويخضع له، كما جاء في كتاب الأخلاق لأحمد أمين[1]، قال: «ومن خير الأمثلة على ما يجب أن يعمل في مثل هذا الموقف ما حُكي عن جُون همْبدِنْ ( Hampden ) أحد أعضاء البرلمان الانجليزي في حكم شارل الأوّل، ذلك أنّ الملِك سنة 1636 م كان في حاجة إلى المال، ففرض على الأهالي ضريبة من غير أن يستشير البرلمان في فرضها، واحتجّ أعوان الملِك بأنَّ له الحقَّ قديماً أن يفرض الضرائب من غير برلمان، واحتجَّ معارضوه بأنَّ سلطة الملِك قد تقيَّدت
بالبرلمان، فلم يعد من سلطانه فرض الضرائب. فلمّا ذهب المحصّلون إلى همبدن قالوا له: «يجب أن تدفع الضريبة بحكم القانون» فأجاب: «أنَّ القانون لم يُوجِبْ عليَّ شيئاً، وإنَّ طلبكم غير قانوني» (ويجب أن يلاحظ هنا: أنَّه لم يُجِبْ بأنَّ القانون سيِّئ، وإنَّما أجاب بأ نّه لم يكن قانوناً مستوفياً لشروط التشريع) ثُمَّ قُدِّم للمحاكمة، وعيِّن لمقاضاته اثنا عشر قاضياً، انحاز ثمانية منهم إلى رأي الملِك، فكانت الأغلبيّة على همبدن، فحُكِم عليه، فاحترم الحكم، وخضع له، ودفع الضريبة; لأنَّه بحكم المحكمة صار الدفع قانونيّاً، ولكنّه رأى أنَّه قانون ظالم، فجدَّ في تغييره. ولما رأى همبدن أنّ ملِك انجلترا وأعوانه يخرجون على القانون، ويضعون القوانين الظالمة، اجتهد في تأليف جماعة كبيرة على رأيه، وجاهد في سبيل ما يعتقده الحقَّ، وفي تغيير ما يراه ظالماً حتّى قتل سنة 1643 م».
أقول : وأمّا مناقشة فكرة جان جاك روسو فهي مشروحة مفصَّلاً في كتاباتنا الأُخرى من قبيل كتابنا المُسمَّى بـ (أَساس الحكومة الإسلاميّة) ولا نعيدها هنا.
وقد تحصَّل أنّ هذا المِقياس معطوف على المِقياس السابق في عدم صحته.
