في بيان حضور القلب

فهل لنا في ذلك اليوم سوى الحسرة والندامة والشقاوة والخجلة والانفعال نصيب ؟ يا لها من حسرة وندامة ليس لها في هذا العالم شبيه ، ويا لها من خجلة وانفعال لا نقدر أن نتصور لها نظيرا ، فإن الحسرات في هذا العالم مهما بلغت ممزوجة بآلاف من الرجاء ، وكذلك الخجلات في هذه النشأة سريعة الزوال وهذا بخلاف ذلك العالم فإنه يوم بروز الحسرة والندامة كما قال تعالى ” وأنذروهم يوم الحسرة اذ قضي الآمر ” ( مريم   – 39 )   فالأمر المنقضي لا يجبر والعمر التالف لا يستعاد فواحسرتاه على ما فرطت في جنب الله

 

 

فيا أيها العزيز : اليوم يوم الامهال والعمل وقد جاء الانبياء وأتوا بالكتب ودعوا بدعوات مع هذه التشريفات ومع تحملهم الآلام والشدائد كي يوقظونا من نوم الغفلة وينبهونا من سكر الطبيعة ويوصلونا إلى عالم النور ونشأة البهجة والسرور وإلى الحياة الابدية والنعم السرمدية واللذائذ الدائمة وينجونا من الهلاك والشقاوة والنار والظلمة والحسرة والندامة وكل ذلك لأجل أنفسنا ومن دون أن تعود عليهم – سلام الله عليهم – نتيجة ومن دون أن تكون لتلك الذوات المقدسة حاجة بإيماننا وأعمالنا ، ومع ذلك ما أثّرت فينا دعوتهم وقد أخذ الشيطان بمسامع قلوبنا وتسلط على باطننا وظاهرنا بحيث لم يؤثر فينا شيء من مواعظهم أيّ أثر بل لم يصل إلى سمع قلوبنا شيء من الآيات والاخبار وما تجاوز ظاهر السمع الحيواني .

وبالجملة أيها القارئ المحترم الذي تطالع هذه الاوراق لا تكن ككاتبها خاليا من جميع الانوار وصفر اليد عن جميع الاعمال الصالحة ومبتلىً بالاهواء النفسانية وارحم أنت نفسك واكتسب من عمرك نتيجة وانظر بالدّقة في حال الانبياء والاولياء الكمّل وارم الرغبات الكاذبة والوعود

{ 75 }

الشيطانية ولا تغترّ بغرور الشيطان ولا تنخدع بخدع النفس الأمّارة فإن تدليسات الشيطان والنفس دقيقة وانما ليعمّيان على الانسان كل أمر باطل فيراه بصورة الحق ويغران الانسان حينما يأمل التوبة في آخر العمر وينتهيان بالانسان إلى الشقاوة . ومع أن التوبة في آخر العمر وعند تراكم ظلمات المعاصي وكثرة مظالم العباد وكثرة حقوق الله أمر صعب ومشكل للغاية . فاليوم مع ان الارادة في الانسان قوية والقوى الحيوانية على حالها وشجرة العصيان بعد لم تكبر وسلطنة الشيطان في النفس لم تستحكم والنفس جديدة العهد بالملكوت وقريبة الافق إلى فطرة الله وشرائط حصول التوبة وقبولها سهلة فهما لا يدعان الانسان يقوم بالتوبة ويخلع جذور هذه الشجرة الواهنة ويقضي على هذه السلطنة غير المستقلة ويعدانه بالتوبة في أيام الشيب التي تكون الارادة فيها ضعيفة والقوى نحيفة والاشجار المختلفة للمعاصي ذات جذور عميقة وقوية وسلطنة ابليس في الظاهر والباطن مستقلة ومستقرة وألفة الانسان للطبيعة شديدة والبعد عن الملكوت أزيد ونور الفطرة خافتا وشرائط التوبة صعبة وشديدة وليس هذا إلا الغرور والافتتان .

شاهد أيضاً

الاكتفاء بما روي في أصحاب الكساء

(ثواب الصلاة على النبي(ص)): 140 – عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(ص): «مَنْ صلَّى ...