الرئيسية / القرآن الكريم / أسوار الأمان في صيانة المجتمع من الإنحراف على ضوء سورة الحجرات

أسوار الأمان في صيانة المجتمع من الإنحراف على ضوء سورة الحجرات

45)

الله حبّب إليكم الإيمان

ويشير القرآن معقّباً في الآية إلى موهبة عظيمة أخرى من مواهب الله سبحانه فيقول: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾.

 

وفي الحقيقة إنّ هذه التعابير إشارة لطيفة إلى قانون اللطف أي “اللطف التكويني”.

 

وتوضيح ذلك: أنّه حين يريد الشخص الحكيم أن يُحقّق أمراً فإنّه يوفّر له جميع ما يلائمه من كلّ جهة ويصدق هذا الأصل في شأن الناس تماماً… فاللّه يريد أن يطوي الناس جميعاً طريق الحق دون أن يقعوا تحت تأثير الإجبار بل برغبتهم وإرادتهم، ولذا يُرسل إليهم الرسل والكتب السماوية من جهة، ويُحبّب إليهم الإيمان من جهة أخرى، ويضرم شعلة العشق نحو طلب الحق والبحث عنه في داخل النفوس ويكرّه إليها الكفر والفسوق والعصيان… وهكذا فإنّ كلّ إنسان مفطور على حبّ الإيمان والطهارة والتقوى، والبراءة من الكفر والذنب.

 

إلّا أنّه من الممكن أن يتلوّث ماء المعنويات المنصبّ في وجود الناس في المراحل المتتالية وذلك نتيجة للاختلاط بالمحيطات الموبوءة فيفقد صفاءه ويكتسب رائحة الذنب والكفر والعصيان…هذه الموهبة الفطرية تدعو الناس إلى اتباع رسول الله

 

وعدم التقدّم بين يديه.وينبغي التذكير بهذه اللطيفة أيضاً، وهي أنّ محتوى الآية لا ينافي المشاورة أبداّ، لأنّ الهدف من المشاورة أو الشورى أن يُعرب كلٌّ عن عقيدته ووجهة نظره، إلّا أنّ الرأي الأخير والنظر النهائي لشخص النّبي صلى الله عليه وآله وسلم كما يُستفاد ذلك من آية الشورى أيضاً… وبتعبير آخر: إنّ الشورى هي موضوع مستقلّ، وفرض الرأي موضوع آخر، فالآية محل البحث تنفي فرض الرأي لا المشاورة.

 

والمراد من الفسوق عموم الخروج عن الطاعة فتكون لفظة العصيان تأكيداً لها، كما أنّ جملة ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ تأكيد على الجملة السابقة لها: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾.

 

وعلى كلّ حال، فإنّ القرآن يقرّر قاعدة كلية وعامة في نهاية هذه الآية لواجدي الصفات المذكورة “فيها” فتقول: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾.

 

أي لو حفظتم هذه الموهبة الإلهية “العشق للإيمان والتنفّر من الكفر والفسوق” ولم تلوّثوا هذا النقاء والصفات الفطرية فإنّ الرشد والهداية دون أدنى شكّ في انتظاركم.

 

وممّا يستجلب النظر أنّ الجمل السابقة في الآية كانت بصيغة الخطاب للمؤمنين لكنّ هذه الجملة: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ تتحدّث عنهم بصيغة “الغائب” ويبدو أنّ هذا التفاوت في التعبير جاء ليدلّ على أنّ هذا الحكم غير مختصّ بأصحاب النبي، بل هو قانون عام، فكلّ من حفظ صفاءه الفطري في أي عصر وزمان هو من أهل الرشد والهداية والنجاة.

 

أمّا آخر الآيات محل البحث فتوضّح هذه الحقيقة وهي أنّ محبوبية الإيمان والتنفّر من الكفر والعصيان من المواهب الإلهية العظمى على البشر إذ تقول: ﴿فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. فعلمه وحكمته يوجبان أن يخلق فيكم عوامل الرشد والسعادة ويكملها بدعوة الأنبياء إيّاكم ويجعل عاقبتكم الوصول إلى الهدف المنشود…”وهو الجنّة”.

 

والظاهر أنّ الفضل والنعمة كليهما إشارة إلى حقيقة واحدة، هي المواهب الإلهية التي يمنحها عباده، غاية ما في الأمر أنّ “الفضل” إنّما سمّي فضلاً لأنّ الله غير محتاج إليه و”النعمة” إنّما سمّيت نعمة لأنّ العباد محتاجون إليها، فهما بمثابة الوجهين لعملة واحدة!…

 

ولا شكّ أنّ علم الله بحاجة العباد وحكمته في مجال التكامل وتربية المخلوقات توجبان أن يتفضّل بهذه النعم المعنوية الكبرى على عباده وهي محبوبية الإيمان والتنفّر من الكفر والعصيان[1].

 

قوله تعالى: ﴿فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تعليل لما تقدّم من فعله تعالى بالمؤمنين من تحبيب الإيمان وتزيينه وتكريه الكفر والفسوق والعصيان أي إنّ ذلك منه تعالى مجرّد عطية ونعمة لا إلى بدل يصل إليه منهم لكن ليس فعلاً جزافياً فإنه تعالى عليم بمورد عطيته ونعمته حكيم لا يفعل ما يفعل جزافاً، كما قال سبحانه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾[2].

 

والآية على ما يفيده السياق من تتمّة الكلام في الآية السابقة تُعمّم ما فيها من الحكم وتؤكّد ما فيها من التعليل، فمضمون الآية السابقة الحكم بوجوب التبيُّن في خبر الفاسق وتعليله بوجوب التحرُّز عن بناء العمل على الجهالة، ومضمون هذه الآية تنبيه المؤمنين على أنّ الله سبحانه أوردهم شرع الرشد ولذلك حبّب إليهم الإيمان وزيّنة في قلوبهم وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فعليهم أن لا يغفلوا عن أنّ فيهم رسول الله وهو مؤيَّد من عند الله وعلى بيّنة من ربّه لا يسلك إلا سبيل الرشد دون الغي، فعليهم أن يطيعوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما يأمرهم به ويريدوا ما أراده ويختاروا ما اختاره، ولا يصرّوا على أن يطيعهم في آرائهم وأهوائهم فإنه لو يطيعهم في كثير من الأمر جهدوا وهلكوا.

[1] الأمثل فى تفسير كتاب الله المنزل، ج‏16، ص 530.

[2]  سورة الفتح، الآية 26.

شاهد أيضاً

[ يا أَيُّها الصَّدْرُ الشَّهِيدُ الْبَطَلُ ] – قصيدةٌ من ديوان السّباعيّ الذّهبيّ في الشّعر العربيّ

[ يا أَيُّها الصَّدْرُ الشَّهِيدُ الْبَطَلُ ] – قصيدةٌ من ديوان السّباعيّ الذّهبيّ في الشّعر ...