الرئيسية / الاسلام والحياة / السير الى الله مع العارف السيد عبد الكريم الكشميري

السير الى الله مع العارف السيد عبد الكريم الكشميري

   لحظة التحول : يبدأ المنعطف في حياته العرفاء عادة بالجذبة أو كلمة يسمعها من أستاذ في العرفان وما اشبه ذلك، ولم يخرج المترجم له عن هذه القاعدة يقول السيد الكشميري: كنت طفلاً في السابعة أو الثامنة من عمري ألعب مع أطفال آخرين في زقاق قريب من مدرسة جدي السيد محمد كاظم اليزدي إذ مر شيخ طاعن في السن وأشار إلى أن تعال إلي، فذهبت إليه، فقال لي: إن في رأسك نوراً فلا تلعب مع الأطفال فأنك لا تصلح لللعب
 
ولم يكن هذا الشيخ غير آية الله العارف مرتضى الطالقاني الذي كان يسكن في إحدى غرف مدرسة اليزدي، وهكذا اشتملت العناية الإلهية السيد الكشميري أن يكون تحت رعاية هذا العارف الكبير.
 
وبتشجيع من والده دخل السيد عبد الكريم سلك الحوزة العلمية، وألبسه والده العمة وزي طلبة العلوم الدينية وهو في سن الصبي، ولازم السيد عبد الكريم العارف الطالقاني ما يقارب عشر سنوات، من سن العاشرة من عمره إلى الحادية والعشرين حيث فارق أستاذه الحياة، واتخذ له غرفة في مدرسة جده اليزدي إلى جانب غرفة الشيخ الطالقاني، وخلال السنوات العشر هذه أرسى الطالقاني أسس العلم والعرفان بشكل محكم في شخصية السيد عبد الكريم.
 
وبعد هذه الحادثة ازداد ميل السيد عبد الكريم نحو العرفاء فكان يبحث عنهم في الصلحاء والعباد الطاعنين في السن، يقول: لقد كان الجميع في سن الفتوة والشباب يرافقون من هم في أعمارهم، ولكني كنت أعاشر الشيوخ المتقدمين في السن وأطلب برنامجاً للسلوك من أي أستاذ أجده من أساتذة السلوك. ولقد يسر هذا التوفيق العظيم للسيد عبد الكريم الوصول إلى درجات عالية في السلوك والعرفان وهو في سن الشباب، وقد طوى السيد الكشميري الكثير من مراحل السلوك في تهذيب الأخلاق وتزكية النفس بعيداً عن الضجيج الذي كان يثار حو السالكين لهذا الطريق، لأن أصابع الاتهام بالتصوف لم تكن موجهة أستاذه الشيخ الطالقاني الذي اختار العزلة شبه المطلقة في غرفته التي اتاحت له فرصة العمل بحرية أكبر في إرشاد السالكين وتوجيههم.

انخرط السيد عبد الكريم منذ نعومة أظفاره في سلك الحوزة العلمية في النجف الأشرف بتشجيع كبير من والده الذي ألبسه رجال الدين وهو في صباه، وكان يجب أن يراه عالماً من العلماء يخلفه بعد وفاته، وكان شديد الحرص على تعليمه وتربيته التربية الصحيحة وخصوصاً وهو يرى فيه علامات النبوغ والصلاح، وكان حريصاً أيضاً أن يتتلمذ ولده على يد أساتذة في العلوم الإسلامية هم في نفس الوقت من أساتذة الأخلاق.
 
وبعد أن قطع السيد عبد الكريم الأشواط الأولى في طلب العلم على يد والده، تتلمذ على يد أساتذة آخرين في مرحلة السطوح، فدرس معظم دروسه عند الشيخ العارف مرتضى الطالقاني، وتتلمذ أيضاً مقداراً من دروس شرح اللمعة الدمشقية عند السيد أحمد الأشكوري، وبعض دروس السح عند الشيخ مجتبى اللنكراني، والمكاسب عند الشيخ راضي التبريزي، وقسم من بحوث الاستصحاب والتعادل والتراجيح عند آية الله بهجت الذي تعرف عليه في مدرسة جده السيد محمد كاظم اليزدي، ودرس كفاية الأصول عند الشيخ محمد حسين الطهراني والشيخ عبد الحسين الرشتي تلميذا الآخوند الخراساني صاحب الكفاية، ودرس الفلسفة عند الشيخ صدراً البادكوبي والحاج فيض الخراساني، ودرس قسماً من أسفار الملا صدرا عند الشيخ عبد الحسين الرشتي.
 
ثم حضر دروس البحث الخارج في الفقه والأصول وهي أعلى مراحل البحث العلمي في الحوزات العلمية- عند كثير من فقهاء ومراجع عصره كالشيخ علي محمد البروجردي والسيد عبد الهادي الشيرازي والميرزا حسن البجنوردي والسيد عبد الأعلى السبزواري والشيخ محمد كاظم الشيرازي وأبي القاسم الخوئي.
 
يقول السيد عبد الكريم في تقييم أساتذته: كان معقول الميزرا حسن البجنوري غالباً على فقهه، وكتابه القواعد الفقهية ليس دليلاً على غلبة فقهه، على معقوله، بينما كان الشيخ علي محمد البروجردي يردد كثيراً آراء وأقوال استاذه المرحوم الكمباني في أصول الفقه، وأما السيد أبو الأعلى السبزاوري فقد كان من أصحاب القلوب اليقظة، وقد حضرت ردحاً من الزمن دروسه في البحث الخارج. وقرأت دروس البحث الخارج في العروة الوثقى عند السيد عبد الهادي السبزاوري الذي كان عالماً جيداً ويواظب كثيراً على ذكر (قل هو الله أحد).
 
وأما أهم حضور له في دروس البحث الخارج فقد كان عند آية الله الخوئي الذي منحه إجازة الاجتهاد شفاهة وكتابة.
 
وقد كان السيد عبد الكريم صاحب حافظة قوية جداً بنحو كان يحفظ الكثير من النصوص وخاصة نصوص الكتب الدراسية في الأصول والفلسفة إلى حد يثر الدهشة والإعجاب حتى قال له آية الله الخوئي: إن كفاية الأصول معجونة في دمك.
 
وقد تصدى للتدريس في الحوزة العلمية في النجف الأشرف حتى وصل عدد الدروس التي يلقيها على مسامع تلاميذه إلى أحد عشر درساً في اليوم.
 
وقد تصدى بشكل خاص لتدريس الفلسفة حيث درس كتاب شرح منظومة السبزواري لما للفلسفة من دور مهم في تنشيط التفكير والاستدلال في أذهان دارسيها، في الوقت الذي كان تدريس الفلسفة محظوراً ومحاصراً في النجف الأشرف، ولكن وبسبب المنزلة الاجتماعية المرموقة التي يحظى بها السيد عبد الكريم فقد استطاع أن يتصدى لتدريسها. وكان يوصي بدراستها ويقول: إن دراسة منظومة السبزاوري واجبة، واما باقي الكتب فهي باختيار الشخص. وكان يحفظ الكثير من أشعارها.
 
وهكذا استمر في التدريس معظم أوقاته حتى التقى بالعارف السيد هاشم الحداد وحينها ابتعد عن التدريس ودخل مرحلة جديدة في السلوك على يديه.
 
وقد استطاع السيد عبد الكريم أن يحتل منزلة علمية رفيعة في الأوساط الدينية في النجف الأشرف وكان يقول على ما نقله عنه أحد المقربين منه: كنت مع مجموعة من الطلاب الآخرين إذا ما حضرنا درس أحد العلماء صار هو الدرس العام والأساسي في الحوزة العلمية في النجف الأشرف.

شاهد أيضاً

الطريق إلى الله تعالى للشيخ البحراني 6

06 في بيان أن الله خلقنا للسعادة الدائمة الباب الثالث في بيان أن الله خلقنا ...