الرئيسية / بجوث اسلامية / دور أهل البيت عليهم السلام في بناء الجماعة الصالحة

دور أهل البيت عليهم السلام في بناء الجماعة الصالحة

الجـانب الثقافي

تمهيد:

تأتي الثقافة في المرتبة الثالثة من الاهمية في بناء الكتلة الصالحة; لانها هي التي يمكنها أن ترسم المعالم الصحيحة للجماعة الصالحة، وتمثل الخطوط التفصيلية نسبياً للمضمون العقائدي والاخلاقي والارضية للبناء الفوقي للجماعة الصالحة. كما يمكن لمؤسساتها ومناهجها وآثارها أن تحافظ على بقاء واستمرار هذا البناء بمقدار ارتباطها بالجانب العقائدي والاخلاقي، حيث يصبح هذا الجانب جزءاً من الثقافة التي تلتزم بها الامة. فالثقافة هي الحصن الحصين الذي يمكنه أن يحفظ للامة والجماعة عقائدها وأخلاقها من جانب ويمدها بالروح المعنوية العالية من جانب آخر، ويمسك جميع أطرافها، ويوحدها في مسارها ومواقفها وأهدافها من جانب ثالث، لانها تُعنى بتفاصيل البناء الاجتماعي، وتمد جميع جوانبه وأبعاده بالتصورات والاطر التي يحتاجها سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو التنظيمي أو الامني، وعلى مستوى الشكل والمضمون والمحتوى.

ومن هنا نجد هذا الامتياز الخاص لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في الجانب الثقافي، واعطائه الاهمية الخاصة في وجودهم وحركتهم، وكذلك في بناء الكتلة الصالحة والجماعة المؤمنة.

ولا شك أن القرآن الكريم اغنى مصدر للثقافة الاسلامية لدى أهل البيت(عليهم السلام); ولذا كان موضوع اهتمام من قبلهم، فبادر الامام علي(عليه السلام) إلى جمعه تنزيلاً وتأويلاً:

1 ـ فقد روى عمرو بن ابي المقدام، عن جابر قال: «سمعت ابا جعفر(عليه السلام)يقول: ما ادّعى أحدٌ من الناس أنه جمع القرآن كلّه كما أنزل إلاّ كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلاّ عليُّ بن ابي طالب(عليه السلام) والائمة من بعده(عليهم السلام)»([1][87]).

كما أنه(عليه السلام) كان اول من بادر إلى جمع السنة النبوية المصدر الثاني للثقافة الاسلامية، وكذلك تدوينها وحفظها، فكانت الصحيفة الجامعة. ثم تداول ذلك أئمة أهل البيت(عليهم السلام):

2 ـ وروي عن أبي بصير في حديث عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «يا أبا محمد، وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإملائه من فلق فيه، وخط عليّ بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج الناس اليه حتى الارش في الخدش…» الحديث([2][88]).

3 ـ وعنه أيضاً، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «سمعته يقول ـ وذكر ابن شبرمة في فتياه ـ فقال: أين هو من الجامعة؟ أملى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخطه علي بيده، فيها جميع الحلال والحرام، حتى أرش الخدش فيه»([3][89]).

مضافاً إلى ذلك، نجد أن الامام علياً(عليه السلام) كان أعلم الناس بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأقضاهم، وأعرفهم بالحلال والحرام وبتفسير القرآن، وكان باب مدينة علم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

كما أنه كان على مستوى الممارسة أكثر الناس عطاءً في الجانب الثقافي والتربوي بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأول من بادر لوضع المناهج وابتكار العلوم ذات البعد الثقافي، وهو المؤسس لجملة منها: كعلم الفقه والحديث والتفسير والنحو… وغيرها([4][90]).

وعلى هذه السيرة سار أئمة أهل البيت(عليهم السلام) واتباعهم وشيعتهم وكانوا المبادرين لتأسيس علوم الاسلام تبعاً لائمتهم أو أخذاً عنهم([5][91]).

وقد عمل الائمة على مستوى الاهتمام بالجانب الثقافي لبناء الكتلة الصالحة والجماعة المؤمنة على تشخيص وبناء مشروعين مهمين:


المشروع الاول: المناهج الثقافية والتعليمية

لا شك أن للمنهج الثقافي دوراً مهماً في ترسيخ الجانب الثقافي ونجاحه في الجماعة، بحيث يكون قادراً على الوفاء بمتطلباتها وملء الفراغ في حاجاتها الثقافية.

وقد اعتمد أهل البيت سلام الله عليهم في بناء الكتلة الصالحة والجماعة المؤمنة ثقافياً أربعة خطوط من المناهج الثقافية يكمل بعضها بعضاً:

الخط الاول: حرية الفكر ومصادر الثقافة الاسلامية:

حرية الفكر والاجتهاد، وهو يرتبط بالاطار العام للمناهج والقاعدة التي ترتكز عليها المناهج الثقافية، وقد أشرنا إلى ذلك عندما تحدثنا عن الجانب الفكري والعقائدي. وكانت إحدى المميزات الاساسية التي امتاز بها الفقه الامامي الاثنا عشري عن فقه المذاهب الاخرى.

وفي هذا المجال يمكن أن نلاحظ أن الائمة الاطهار كان لهم هدف واضح ومنهج صحيح تكوّنت على أساسه مدرستهم الثقافية، وتأطّرت به مؤسساتهم العلمية.

وقد اعتمد هذا الاطار العام على الاسس التالية:

أولاً: أن يكون مصدر الثقافة الاسلامية سواء في فلسفة التأريخ والمجتمع، أو في الفقه الاسلامي أو في الاخلاق أو علم العقائد، أو فهم الكون والحياة أو الاداب واللغة، هو القرآن الكريم، والسنّة النبوية الصحيحة.

ثانياً: مبدأ مرجعيّة أهل البيت(عليهم السلام) في معرفة الاسلام ونظريته والشريعة الاسلامية، حيث واجه النص الاسلامي وكذلك التأريخ الاسلامي والسيرة النبويّة تأويلات وتفسيرات، وتعددت المواقف والاتجاهات تجاه ذلك. وبالرغم من أن أهل البيت(عليهم السلام) هم ولاة الامة وحكّامها وخلفاء الرسول في التصوّر المذهبي لاتباعهم، إلاّ أن هناك قضية أخرى في هذا المجال هي قضية (المرجعية) في الشؤون الدينية وفي فهم الاسلام والشريعة. ومنهج أهل البيت يعتمد على الحقيقة التي تقول بأنهم هم المرجع في فهم الاسلام، حتى لو صرفنا النظر عن الولاية والخلافة. وهذا ما يشير إليه «حديث الثقلين» الذي أشرنا إليه في الحديث السابق([6][92]).

ثالثاً: استنباط مجموعة من القواعد الفقهية والاصول الشرعية من القرآن الكريم والسنّة النبويّة، التي يرجع إليها الفقيه والمجتهد لمواجهة الاحتمالات المستجدة، أو ملء منطقة الفراغ التي تركها الشارع المقدّس ليملاها الفقيه المجتهد والولي، حسب الظروف وطبق القواعد العامة والاحكام الكليّة.

حيث أن الشريعة الاسلامية الخاتمة وضعت لكل عصر وزمان، فلابد للفقهاء والمجتهدين أن يقوموا بدور استنباط الاحكام الشرعيّة الفرعيّة والتفصيلية لمواجهة الظروف المستجدة، وطبق الاحكام الكليّة العامة، كما أن عليهم أن يشخّصوا الموقف والتكليف تجاه كل حدث وظرف.

ومن ذلك تطبيق المعلومات القرآنية المرتبطة بتفاصيل الشريعة الاسلامية على موضوعاتها من الامور المستجدة والمستحدثة في الحياة الاسلامية.

وكذلك تطبيق المفاهيم والسنن التاريخية على مصاديقها ومفرداتها الخارجية التي تؤول لها الاوضاع الاجتماعية والسياسية في حركة المجتمع الاسلامي.

رابعاً: الاهتمام بتعليم أتباعهم طريقة الاستنباط والاستفادة من النصوص الاسلامية (القرآن والسنّة) والجمع بين هذه النصوص عند اختلافها، وإيجاد النسب والارتباط بينها، أو اختيار بعضها على أساس ضوابط وموازين خاصّة. مذكورة في علم الاصول.

ولذلك اهتم أهل البيت(عليهم السلام) بالتأكيد لاهمية معرفة الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والعام والخاص، والمجمل والمبيّن، وكيفية التعامل معها وفهم بعضها على ضوء البعض الاخر. وكان هذا الامر مما يفتخر به الامام علي(عليه السلام)على الصحابة.

([1][87]) الكافي 1: 228 ،ح1.

([2][88]) الكافي 1: 239، ح1، البحار 26: 22، ح11.

([3][89]) البحار 26: 35، ح61.

([4][90]) سوف نتناول هذا الموضوع بالشرح والاستدلال في الكتاب الثاني عن مرجعية أهل البيت(عليهم السلام)الفكرية والدينية.

([5][91]) راجع: كتاب تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام، للسيد حسن الصدر. ومختصره: الشيعة وفنون الاسلام، ومؤلفو الشيعة في الاسلام، للسيد عبد الحسين شرف الدين.

([6][92]) تناولنا هذا البحث وادلته في الكتاب الثاني من هذه السلسلة حيث تمثل هذه المرجعية الهدف الثاني لاطروحة أهل البيت(عليهم السلام) في الرسالة الخاتمة.

شاهد أيضاً

فقه الولاية – سيد صباح شبر