الرئيسية / الخالدون / مع الشهداء / 219 الشهيد أحمد محمد ناصر اللامي – أبو واثق اللامي

219 الشهيد أحمد محمد ناصر اللامي – أبو واثق اللامي

قليل هم الرجال الذين يتخذون المواقف مهما كانت الأثمان وبلغت النتائج، قليلون على مر العصور تجود بهم الدنيا بين الفينة والأخرى، ومن بين أولئك الرجال هو أحمد الذي أبصرت عيناه النور في قضاء علي الغربي التابع لمحافظة ميسان عام 1957م في أسرة مؤمنة غذته على حب النبي وآله الأطهار.
أكمل الابتدائية في علي الغربي ثم انتقلت أسرته لتسكن بغداد، مدينة الثورة، فأكمل الدراسة فيها ثم انتقل مع أسرته للسكن في بغداد الجديدة.
شب على الإيمان وكان لأخوته الأثر البالغ في بناء شخصيته والتزامه ووعيه الإسلامي الثوري لهذا قام بنشاطات كثيرة كلف بها من قبل الحركة الإسلامية، منها توزيع المنشورات في محافظات بغداد والعمارة والناصرية، وكان بعضها في أماكن حساسة كمكتب صدام ومراكز حكومية أخرى.
أجبر على الاشتراك في المحرقة التي شنها صدام المجرم على الجمهورية الإسلامية وكان رافضًا لها أشد الرفض لعلمه انها حرب ظالمة شنت على شعب مسلم تحرر توًّا من قيود الدكتاتورية الشاهنشاهية والهيمنة الأمريكية، فعرف مغزى تلك الحرب ومن يقف وراءها لهذا كان يسعى مع أخيه علي( ) للخلاص من تلك الحرب ووزر الاشتراك فيها وبعد مساع حثيثة هيّأ الله لهما سبيلًا للخلاص بواسطة أحد أبناء كردستان فوصلا إلى الجمهورية الإسلامية بتاريخ 16/04/1983م ومن هناك نقلا إلى مدينة كرج الواقعة غرب العاصمة طهران حيث مخيم اللاجئين العراقيين.
استقرا في ذلك المعسكر، وهناك تعرفا على كثير من المهاجرين العراقيين ومن اللاجئين، وكان بإمكانها العيش في أي مدينة في إيران، كما كان بإمكانهما طلب اللجوء إلى إحدى الدول الغربية، لكن هدفهما كان أسمى من دنيا زائلة وأيام معدودة يلهو بها الإنسان ثم يرحل، لهذا بذلا مساعي حثيثة في سبيل الالتحاق بالمجاهدين مع مجموعة من المهاجرين المتواجدين في ذلك المعسكر، حتى حقق الله ما كانا يصبوان إليه وذلك بتاريخ 23/10/1983م حيث التحاقهما بالدورة الثالثة لقوات بدر بمعسكرها في مدينة الأهواز.
سالت دموع الفرح على وجنتي أبي‌واثق وهو يرى نفسه في ذلك المعسكر الجهادي الذي أسس لاحتضان المظلومين من أبناء العراق الذين اجتمعت كلمتهم على أداء الواجب الشرعي لمحاربة طاغوت العراق الذي حارب الله والدين والقيم وانتهك الحرمات فقد عمل المجاهدون بفتوى مرجعهم الشهيد محمد باقر الصدر قدس‌سره( ).
وفي معسكر المجاهدين، تعرف الأخوان على العديد من المتطوعين في نفس الدورة كالحاج محيي عبدالحسين( ) وماجد عبدالواحد( ) ومحمد صادق عزيز( ) وعشرات آخرين من أبناء الرافدين.
بدأت الدورة بقسميها العسكري والعقائدي وكان أبوواثق يطبّق التمارين بكل جدية وإخلاص فبان معدنه الأصيل وخلقه الرفيع.
كلفت الدورة الثالثة بأول واجب جهادي شرقي مدينة البصرة حيث كان لأبي‌واثق دور كبير في الكثير من الدوريات القتالية والكمائن وباقي الفعاليات العسكرية الأخرى.
ثم كلفت القوات بواجب في هور الحويزة حيث بدأ المجاهدون التعامل مع طبيعة تختلف كثيرًا عن طبيعة الأرض اليابسة، فواجهوا مشاكل وصعاب في بداية الأمر لكنهم استطاعوا التغلب عليها بإصرارهم وإرادتهم وصبرهم، فصاروا يتعاملون مع تلك الطبيعة وكأنهم قد ولدوا ونشأوا فيها، كما أنهم استطاعوا السيطرة على الممرات المائية ومعالجة قصف الطائرات الشراعية بأسلوب الغش والاختفاء كما تحملوا الظروف الجوية القاسية لتلك الطبيعة.
نفذ المجاهدون عمليات بطولية في هور الحويزة استطاعوا من خلالها السيطرة على مخفر الترابة وعلى مناطق النهروان والبنيات( )، كما اندفعوا من منطقة البنيات باتجاه شط الدوب عبر ممر مائي يسمى مالة عويد.
توسعت قوات بدر الى أربعة أفواج ونسب أبي‌واثق الى الفوج الثاني الذي استقر في منطقة النهروان وقام باستطلاع المناطق المحيطة بها كالشلفة والأخيضر ومناطق أخرى باتجاه الأرض اليابسة وباشر بتحكيم مواضعه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ النهروان والهجوم الصاعق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسبب موقعه المشرف على شبكة الطرق المهمة، حاول العدو استعادة مخفر الترابة بواسطة أحد أفواجه الذي تلقى تدريبات خاصة في مناطق أهوار العمارة ولكنهم أضلوا الطريق وتوسطوا شط النهروان فكان مجاهدو الفوج الثاني لهم بالمرصاد فصبوا عليهم النيران وانطلقت نحوهم الزوارق وعلت صيحات الله أكبر من حناجر المؤمنين المجاهدين فقتل من قتل وأسر من أسر ولاذ القليل بالفرار سباحة خلال القصب الكثيف.
استعد المجاهدون لتنفيذ عمليات هدفها السيطرة على النصف الجنوبي من بحيرة أم النعاج وبدأ الاستطلاع المكثف وكانت مهمة أبي‌واثق مع فوجه الثاني على الجانب الجنوبي الشرقي للبحيرة مع فوج أنصار الحسين عليه‌السلام المتشكل من أبناء العشائر الغيورة كعشيرة آل بو محمد والسواعد وغيرها.
تم الاستعداد والتدريب واستطلاع الأهداف وتهيأ الفوج مع بقية الأفواج للهجوم على مواقع العدو وكانت مهمة الفوج الثاني السيطرة على مناطق أم تاوة، الخصرة السودة، أم مسحاة وأبوعذبة ومناطق وممرات مائية أخرى.
نفذ الواجب بزمن قياسي وتمت السيطرة على جميع الأهداف وكان لأبي‌واثق دور في الهجوم الذي بدأ الساعة الثانية‌عشرة من منتصف ليلة 23/7/1985م كانطلاقة لعمليات واسعة أطلق عليها القدس.
بعد ثلاثة أشهر بدأت الاستعدادات للسيطرة على النصف الشمالي لبحيرة أم النعاج ثم بدأت معركة عاشوراء الساعة الثانية من بعد منتصف ليلة 23/10/1985م وكانت معركة نوعية في التخطيط والأداء حيث بوغت فيها العدو وتمت السيطرة على كل البحيرة كان الجانب الشرقي منها نصيب الفوج الثاني الذي كانت إحدى فصائله بإمرة أبي‌واثق الذي سيطر على أهدافه بزمن قياسي ومن دون خسائر.
وبحلول النهار حاول العدو الهجوم لاستعادة ما فقد من أهداف ولكن أبناء الشهيد محمد باقر الصدر قدس‌سره كانوا له بالمرصاد، ففي مباغتة جريئة وبمناورة نفذها أخيه أبوالخير استطاع المجاهدون تدمير قوات العدو، إلا ان أباالخير( ) سقط شهيدًا في تلك المعركة.
سمع أبوواثق بخبر شهادة أبي‌الخير فحمد الله وبكى لفراق أخيه ورفيق هجرته وعضده في الجهاد، فقدْ فقدَ بفقده قائدًا من قادة الجهاد وأخًا عطوفًا كان يحنو عليه وكان يرى فيه كل أهله وأحبته الذين فارقهم ولكنه احتسب كل ذلك في سبيل الله فصبر وعاهده بأن يبقى وفيًّا ويمضي على ما مضى عليه أبوالخير والثلة المضحية التي سبقته إلى رضوان الله.
انسحب الفوج الثاني ومجموعة من الأفواج من الأهوار وسلمت المهمة إلى فوج أنصار الحسين عليه‌السلام وسرية من الفوج الثالث ودخلت تلك الأفواج المنسحبة فرضيات للتدريب على القتال والعمل في مناطق جبلية استعدادًا للعمل في كردستان العراق.
بعد انتهاء الفرضية كلفت تلك الأفواج في واجب في كردستان وكان أبوواثق آمرًا لأحد فصائل الفوج الثاني الذي نفذ عدة دوريات قتالية وكمائن في المنطقة.
على جبال حاج عمران كانت الملحمة الخالدة، إذ انقض المجاهدون على أهدافهم وتهاوت حصون البعثيين التي أنشأوها وأحكموها لسنين ظنًّا منهم انها مانعتهم من المجاهدين، لكن خابت ظنونهم مع أول صيحات الله أكبر التي دوت في وديان وجبال حاج عمران فتشتت الجمع وانهزم من تبقى مذعورًا في الوديان، وكان فصيل أبي‌واثق من أوائل الفصائل التي اقتحمت مواضع العدو وسيطرت على أهدافها وذلك بتاريخ 01/09/1986م.
عرجت أرواح ثلة من المؤمنين المجاهدين الشهداء وسالت دماؤهم لتروي شجرة الإسلام وفاح شذاها في كردستان العراق وفقدَ أبوواثق بفقدهم أعز ليوث الوغى وأبطال الهيجاء وعاهدهم ان يمضي في الطريق كما عاهد أخاه من قبل.
شُيّعت تلك الكوكبة من الشهداء في مدينتي طهران وقم في مواكب مهيبة ودفنت في مدن مختلفة وحسب وصاياها.
لم تمض على معركة حاج عمران إلا أربعة أشهر حتى نفذ المجاهدون عمليات بطولية على مشارف مدينة البصرة وكان لأبي‌واثق دور فيها ومسؤوليته كانت إمرة أحد الفصائل.
شارك في مأمورية استطلاعية داخل كردستان العراق تم فيها التنسيق مع الأحزاب الكردية لاستقرار مجموعة من المجاهدين في تلك المنطقة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشهيد على لسان رفاق دربه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. يقول المجاهد أبومحمد المحمدي «كانت طبيعته الهدوء والشجاعة، وكان يعشق الشهادة ويتألم كثيرًا عندما يستثنى الفوج من أي هجوم، وقد قلت له إنك في حالة حراسة لمواقع المجاهدين وكالمرابطين على ثغور المسلمين، فأجاب بأن الهجوم هو أقرب مرحلة إلى الشهادة وإلى لقاء الله والأئمة عليهم‌السلام… وقد جرح ولم يثنه ذلك حتى تمم لقاءه بالله سبحانه وتعالى..
2. أما المجاهد أبوباقر المرقال فقد قال « أذكر بعض خصاله فقد كان ذا صمت عجيب في مواطن الثرثرة وذا وقار كبير واحترام من الآخرين لما عرف عنه من تدين وكان من المصلين في جوف الليل وذا حنكة سياسية وعسكرية.
3. ويقول المجاهد أبوجعفر الشيباني( ) «شهدته بعد استشهاد أبي‌الخير وكان وضعه طبيعيًّا فسألت أحد المجاهدين ألم يسمع بخبر استشهاد أخيه؟ فأجاب : قد سمع بالخبر ولكن ألا تعرف صبر أبي‌واثق وتحمله، فعجبت لذلك وأكبرته… كنت أشاهد نور الإيمان يسطع من وجهه والهدوء والخلق الرفيع وكان يمر باللغو والكلام الفارغ مرور الكرام.
الجسر الراحل
صدرت الأوامر بتنفيذ الهجوم على جبال شاخ شميران وكان أبوواثق آمرًا لأحد الفصائل فتقدم بفصيله وعند اقترابه من الأسلاك الشائكة جرح وسقط على حافة الأسلاك لكنه نهض وألقى بجسمه على الأسلاك ليكون جسرًا لعبور المجاهدين وصاح بهم ان اعبروا علي وهكذا فعلوا ولما رفض أحد أفراد فصيله العبور عليه أمره ان يدوس على ظهره فامتثل مضطرًا، فبتلك التضحية فتح الله حصون العدو، تلك التضحية التي قد يعتبرها البعض مبالغة أو ضربًا من ضروب الخيال، لكن هكذا كان المجاهدون يرمون بأنفسهم على حقول الألغام ليفتحوا بأجسامهم الطاهرة ثغرات لمرور وعبور أخوتهم المجاهدين، وهكذا استشهد ورحل ذلك الجسر بتاريخ 17/04/1988م بعد ان مهد الطريق لعبور أخوته إلى جنان الخلد.
هكذا كان أبو واثق كالجسر في كتاب الجسر( ) حيث نال ما تمنى بقوله «لألف قذيفة تمزق جسدي وتتطاير بها أشلائي خير من ان يهن العظم مني وأموت على الفراش» لقد حان اليوم الموعود يوم اللقاء بالعابرين إلى الضفة الأخرى، يوم اللقاء بالمعشوق ليوفيه أجره بغير حساب.
شيع ودفن في مقبرة الشهداء في مدينة قم المقدسة( ).
من وصيته رحمه‌الله: بسم الله الرحمن الرحيم
يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أبي‌القاسم محمد والسلام على علي أمير المؤمنين وعلى الأئمة من أبنائه الميامين، بهم عُرف الدين، فاز من تمسك بهم وأمن من لجأ إليهم… إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا ما قاله رب العالمين وجرت عليه سنة الأولين فكم لنا عبرة علّنا نعي أننا جميعًا ميتون وما خلقنا إلا لنعبد ولنطيع الذي إليه ترجع الأنفس (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون).
إلهي كيف أرد إليك وأنا على مثل هذه الحال، قد أفنيت بالآمال والتسويف عمري تخادعني نفسي وتزين لي حب الدنيا الفانية التي ما أحبها إلا جاهل عنيد، أما أني العاجز عن أؤدّي الشكر على هذه النعم والمحامد الإلهية المترادفة التي منّ الله بها علينا حيث عرّفنا وكرّمنا وهدانا إلى عز الإسلام — الجهاد والإيمان— الذي هو خير عطاء من الله لمن يرضى ويحب فإن الحياة فيه عز والموت فيه جنان النعيم وأن السعادة كلها تكمن في ان يضرّج الإنسان بدمه من أجل إحياء مبادئ وقيم الرسالة الإسلامية وتعبيد طريق الشهادة — الجهاد— الذي استشهد من أجله رسول الله صلّى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي والحسن والحسين عليه‌السلام، وكل الصالحين من الشهداء الخالدين…
ومما زادني شوقًا وحبًّا أن أقتل في هذا الطريق العظيم هو استشهاد أخي أبي‌الخير فداء للعقيدة والمبدأ الإلهي العظيم، فطوبى لمن يريد ان يرى نعمة ربه الجنتية وطوبى لمن عظمت في عينه الشهادة وسار في طريقها— الجهاد الذي قاده اليوم وفتح بابه سليل العترة وقائد الخير والبركة الإمام المسدد السيد الموسوي الخميني.
أحبتي وأخوتي أوصيكم بالجهاد والدفاع والحفاظ على أعظم مكسب إلهي بارك الله لنا فيه هو الثورة الإسلامية وأطلب ان تدفنوني في قم المقدسة وفي نفس المقبرة التي دفن فيها أخي الشهيد أبي‌الخير ان استطعتم…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أبوواثق اللامي 24 ذي القعدة
سلام عليك أباواثق يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيًّا وسلام على أخيك أبي‌الخير وعلى أهلك الذين سيفخرون بما قدموا في سبيل الله وعلى جميع شهداء الإسلام.

 

https://t.me/wilayahinfo

0

شاهد أيضاً

18 وظيفة في زمن الغيبة

الوظيفة الثامنة عشر: عدم قسوة القلوب لطول الغيبة   فقد يقسو قلب المرء بسبب طول ...