الرئيسية / بجوث اسلامية / البــدعــة مفهومها وحدودها

البــدعــة مفهومها وحدودها

تقسيم البدعة

لقد تقدّم في تعريف البدعة أنّها الزيادة في الدين أو النقصان منه، وبعبارة أُخرى إدخال ما ليس من الدين في الدين كاباحة محرّم أو تحريم مباح أو إيجاب ما ليس بواجب. وهو كما ترى يعتمد على محور الاضافة والحذف.

ومع هذا التعريف هل يمكن تقسيم البدعة الى حسنة وسيئة ؟

وقبل الاجابة التفصيلية على هذا السؤال يحسن أن نشير إلى أنَّ القول بتقسيم البدعة الى حسنة وسيئة يقوم على أساس عدم التفريق، أو الخلط بين البدعة بمعناها اللغوي ـ والتي هي بمعنى إحداث شيء ليس على مثال سابق ـ وبين معناها الاصطلاحي الشرعي، والذي هو بمعنى إدخال ما ليس من الدين في الدين، وإنقاص أمر من الدين على أنه ليس منه.

إنَّ الاَمر المحدث لا على مثال سابق يحتمل أن يكون مذموماً وأن يكون ممدوحاً أيضاً حسب موقعه انسجاماً أو تقاطعاً مع تعاليم الشريعة المقدسة.

إنّ البدعة بمعناها اللغوي تنسجم مع طبيعة تطور الحياة وتنوع حاجات الاِنسان على مرّ العصور، فما كان سائداً من طريقة للكتابة وأدواتها في العصور الاَُولى تطور عبر الازمان والاعصار وأصبح بالشكل الذي هو عليه اليوم.


الصفحة 44


إنّ البدعة بالمعنى اللغوي قد تكون لها علاقة بالدين وقد لا تكون كذلك، وهي تنقسم إلى قسمين، إذ إن كلّ شيء محدث مفيد للحياة الانسانية من العادات والتقاليد والرسوم إذا تم أداءه من دون اعتباره جزء من الدين ولم يكن محرّماً «بذاته» كان بدعة حسنة، مثل الاحتفال بيوم الاستقلال، أو الاجتماع للبراءة من المشركين، أو الاحتفال التأبيني لتكريم بطل من أبطال الاُمّة، وبشكل عام فإنّ ما هو حلال بالذات لا مانع من أن تتفق عليه الاُمّة وتتخذه عادة متبعةً في المناسبات، ما لم يرد فيه نهي فهو بهذا المعنى بدعة لغوية.

أما إذا كان محرّماً «بالذات» مثل سفور النساء أمام الرجال، فلو أصبح ذلك رائجاً واتخذ عادة وتقليداً، فانّه أمر محرّم بالذات، أي أنّه عصيان للاَمر الاِلهي والتشريع، وهذه الحرمة لا تتأتى من كونه بدعة بالمعنى الشرعي بمعنى التدخل في أمر الدين وإنكار أنّ الحجاب جزء من التشريع الديني، فالقائلون بالسفور يحتجون بأنّ ذلك جزء من مقتضيات العصر والحضارة مع الاعتراف بأنّه مخالف للشريعة، ولو قيل أنّ السفور بدعة قبيحة فذلك بمعناها اللغوي لا بمعناها الشرعي.

ويتضح من خلال ذلك أنَّ أكثر الذين أطنبوا في الحديث في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة قد خلطوا بين المعنى اللغوي للبدعة وبين معناها الشرعي، مستشهدين بذلك بأمثلة زاعمين أنّها من البدع بمعناها الشرعي مع أنّ أمرها يدور بين أمرين:

فهي أما أن يُعمل بها باسم الدين والشريعة، ويكون لها أصل فيهما، فتخرج بذلك عن دائرة البدعة، مثل تدوين الكتاب والسُنّة إذا توفرت الخشية عليهما من التلف والضياع، وبناء المدارس وغيرها، فمثّلوا


الصفحة 45


للبدعة الواجبة بالتدوين، وللبدعة المستحبة ببناء المدارس، مع أنّهما ليسا من البدعة بمعناها الشرعي، لوجود أصل صالح لهما في الشريعة.

أو أنّها عمل عادي يتم العمل بها ليس باسم الدين بل من أجل ضرورات تطور الحياة وطلب الراحة، فتكون خارجة عن موضوع البدعة بمعناها الشرعي أيضاً مثل نخل الدقيق، فقد ورد أنّ أول شيء أحدثه الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتخاذ المناخل ولين العيش من المباحات. وهذه حالة يصح إطلاق البدعة عليها بمعناها اللغوي، أي الاتيان بشيء جديد لاعلى مثال سابق.

وقد وافق هذا القول جملة من المحققين منهم الشاطبي، قال: إنّ متعقّل البدعة يقتضي ذلك بنفسه، لاَنّه من باب مضادة الشارع واطّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يُذم، إذ لايصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع.. وأيضاً فلو فرض أنّه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن الذم لم يتصور، لاَنّ البدعة طريقة تضاهي المشروعة من غير أن تكون كذلك. وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها إذ لو قال الشارع: «المحدثة الفلانية حسنة» لصارت مشروعة، ولمّا ثبت ذمها ثبت ذم صاحبها لاَنّها ليست بمذمومة من حيث تصورها فقط، بل حيثُ اتصف بها المتصف، فهو إذن المذموم على الحقيقة، والذم خاصة التأثيم، فالمبتدع مذموم آثم، وذلك على الاطلاق والعموم(1)،

____________

(1) الاعتصام، للشاطبي 1: 142.


الصفحة 46


وقال العلاّمة المجلسي: إحداث أمر لم يرد فيه نص بدعة، سواء كان أصلهُ مبتدعاً أو خصوصياته مبتدعة فما يقال: إنّ البدعة منقسمة بانقسام الاَحكام الخمسة أمرٌ باطل، إذ لا تطلق البدعة إلاّ على ما كان محرّماً كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار»(1).

شاهد أيضاً

ائتلاف “إدارة الحكومة” الجديد يمهد الطريق لتشكيل الحكومة العراقية

ائتلاف “إدارة الحكومة” الجديد يمهد الطريق لتشكيل الحكومة العراقية الأربعاء 2 ربيع الاول 1444   ...